الحرب أداة دبلوماسية في رسم الحدود وحسم الصراع

د. عادل النيل

 

في مستهل مناقشات حول اتفاقيات الحدود بين السودان وإثيوبيا بتاريخ 22 ديسمبر 2020م في الخرطوم، بادر وزير الخارجية الإثيوبي ديقمن مكنن، إلى وصف سلوك السودان بأنه “غير ودّي”، وكان حينها يقدم نفسه على أنه دبلوماسي عاطفي يتواضع معه الأداء الدبلوماسي.
مسوغات وصف الوزير الإثيوبي للسلوك السوداني بعدم الودّية تعود إلى اختلافات مفاهيمية حول (رسم) أو (ترسيم) الحدود، فخارجيتنا تطالب بالرسم وهم يطالبون بالترسيم، والرسم يعني انتهاء النقاش والبناء على الاتفاقيات التاريخية، فيما الترسيم يعني هدم تلك الاتفاقيات وإعادة النظر فيها بما يتوافق مع مصالح الطرف الآخر.
ليس هناك وجه اختلاف مطلقاً مع وزير الخارجية عمر قمر الدين، من أن “الحدود بين البلدين مرسمة بالفعل مسبقاً، وما يتبقى في المحادثات هو زيادة علامات الترسيم على الحدود”. والخلاصة أن القوات المسلحة السودانية استعادت السيطرة على كل أراضي البلاد المحاذية للحدود مع إثيوبيا.
قد تكون الحقيقة أولى ضحايا الحروب، ولكنها في الحالة الماثلة من الصعب أن تكون ضحية، فمواطنو القضارف ومحيطها ظلوا يتعرضون لأضرار من عصابات الشفتة على مدى عقود، وتطور الأمر إلى تعرض القوات المسلحة السودانية للكمائن داخل الأراضي السودانية والنتيجة استشهاد عدد من الجنود وإصابة آخرين.
ذات العصابات الإثيوبية امتدت بنشاطها العدائي إلى المدنيين ونتيجة ذلك استشهاد 5 نساء وطفل، وفقدان امرأتين. ثم تطور الأمر بدخول الجيش الإثيوبي خضم الحالة العسكرية باختراق إحدى طائراته الأجواء السودانية.
في الجانب الدبلوماسي لا يبدو أن إثيوبيا تتمتع بدبلوماسية مناسبة للتعامل مع مثل هذه التوترات، بدءاً من وزير خارجيتها الذي لا يضبط حديثه في قلب الخرطوم، وانتهاء بسفيرها المقيم والذي لا يجيد معرفة قواعد وأعراف الدبلوماسية.
السفير الإثيوبي بالخرطوم يبلتال امرو المو، اتهم الجيش السوداني بالاستيلاء على 9 مواقع تابعة لإثيوبيا، وذلك في تصريح خلال اجتماع مع ممثلي منظمات دولية وسفراء دول أجنبية بالخرطوم، وقال كما يقول طالب تاريخ حافظ الدرس، إن الترسيم البريطاني للحدود انحاز للسودان ورسم حدوداً غير عادلة، وأكد أن المواطنين الإثيوبيين لا يمكن إزاحتهم من هذه المنطقة.
ذات السفير قال في ندوة بالخرطوم، إن المستعمر البريطاني “تحامل على إثيوبيا في ضم مناطق كانت تتبع لإثيوبيا إلى السودان”، وذلك رغم تعارضه مع الاتفاقيات التاريخية يؤكد النية لفرض الأمر الواقع في الفشقة، وأن ما يتم من عمليات عسكرية ليست لعصابات متفلتة وإنما بإيعاز من الجيش الإثيوبي.
الحقيقة المؤكدة في هذا السياق أن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يظهر ضعفاً لا يمكن معه أن يسيطر على طموحات قومية الأمهرا، وهي القومية التي قادت حرب التغراي وأدّت أخيراً إلى مقتل وزير الخارجية الأسبق سيوم مسفر، والذي تولى قيادة الدبلوماسية الإثيوبية طوال الفترة من 1991م وحتى 2010م.
بعيداً عن اتفاقية 1902م والتأكيد عليها في 1972م، فالأثيوبيون كانوا يكذبون منذ البداية، وهم يسيطرون سيطرة ناعمة على الأرض في ظل عملية الانتقال ومصاعبها في الخرطوم، وتقدير دور رئيس الوزراء الإثيوبي في التقريب بين أطراف الفترة الانتقالية.
كانوا يكذبون حين قالوا إن ميليشيات إثيوبية خاصة هي التي تورطت في الهجوم على مواقع الجيش السوداني، فيما تلك المليشيات لا يمكن أن تمتلك أسلحة ثقيلة، ووضح ذلك حين تم ضربها بما تستحق وطردها من المنطقة ليظهر بعدها الجيش الإثيوبي.
قومية الأمهرا هي التي تقود الصراع وليس الحكومة الإثيوبية، التي تجد نفسها متورطة في حالة حرب مع السودان تضطرب معها قيادتها الدبلوماسية التي تتحدث وهي مدفوعة بالشحن القومي، حتى أنها لا تدرك أنها تتحدث بخطاب غير دبلوماسي.
الحقيقة الأخرى أن الوضع في الفشقة على هذا الحال البائس إنما هو جزء من إرث النظام السابق الذي ارتضى أن يبقى الوضع على ما هو عليه باتفاقيات هشة تسمح للأثيوبيين بالزراعة على حساب مواطني القضارف في إطار تسوية يتغافل أو يتجاهل فيها الأثيوبيون انتهاك سيادتهم في قضية محاولة اغتيال مبارك.
كما يقول أستاذ العلاقات الدولية في جامعة بوستن الأمريكية أندرو باسفيتش، إن الأمريكيين أصبحوا ينظرون إلى الحرب على أنها أداة دبلوماسية وليست خيارا أخيرا، فالجيش السوداني الآن يمكنه أن يستخدم الحرب كأداة دبلوماسية تجعل الطرف الآخر يفرق بين رسم الحدود وترسيمها.
ليست أثيوبيا في وضع يمنحها أفضلية قتالية أو استراتيجية، خاصة وأن نار التغراي لم تنطفئ، كما أن لديها مشاكلها على الصعيد الدبلوماسي الذي ينبغي أن يتهذب فيه أداء سفيرها في الخرطوم ويكف عن التطفل على المنابر السودانية وبث تناقضات تاريخية لا تخدم التهدئة.
وإذا لم تفكر أثيوبيا في إدارة هذه القضية بتوازن فإنها ستجد صعوبات مؤكدة في إكمال سد النهضة، فأي حرب ليست بالضرورة تستهدفه مباشرة ولكنها ستجعل كل نتائج ومسوغات إنشائه بعيدة عن التحقق.
لا يمكن لدولة جارة أن تدير ملف معقد على النحو الذي تتعامل به قومية الأمهرا دون أفق سياسي أو أمني أو عسكري. ذلك يجعل رئيس الوزراء الإثيوبي في وضع حرج لا يمكّنه من إدارة الدولة بكل ملفاتها الشائكة على النحو الذي يجعل سد النهضة طوق نجاة لتنميتها ونموها.
هذا الصراع سينتهي إلى حرب مؤكدة إذا لم ينجح رئيس الوزراء الإثيوبي في ضبط سلوك قومية الأمهرا التي تدير الدولة الإثيوبية بطموحات لا يمكن تمريرها دون النظر في التبعات والتداعيات التي تنتج من ذلك.
كما أن تفلتات عصابات الشفتة ومليشيات الأمهرا لا يمكن إنكارها والاتجاه بمبررات الحرب إلى أطراف ثالثة أو رابعة. فهناك تعديات كثيرة حدثت، وأبرياء سودانيون قتلوا ونُهبت أراضيهم بالقوة، والآن تمت استعادتها، وإذا كان للأثيوبيين اتفاقيات مع النظام السابق فهي سيئة مثله ولينضموا إلى المطالبين بحقوقهم منه، لكن الثابت الآن أنه لم تعد لهم أرض يزرعونها أو يسكنونها داخل الأراضي السودانية.

Leave A Reply

Your email address will not be published.