Bank of Khartoum Visa Card

كل عام.. ترذلون !

ليس هذا بحديث ولا آية.. ولكن الثابت أن رواة نقلوا عن أنس بن مالك قوله أنه سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يقول.. لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه.. ونلاحظ أن المعنى واحد.. لذا أخذت بتلك العبارة الشائعة.. كل عام ترذلون.. عنوانا لما نحن بصدده اليوم.. لقد ظللت طوال نيف وثلاثين عاما الماضية.. لا أجد مناسبة إلا وأردد فيها أن الإضربات المطلبية المتتالية والمتكررة كانت واحدة من أسباب ضياع الديمقراطية الثالثة.. تبارت الإتحادات والنقابات.. فى كل القطاعات الفئوية والمهنية.. فى إبراز عضلاتها.. وفي حشد قواعدها لتعطيل دولاب العمل فى كل مرفق.. وبالنتيجة كان طبيعيا أن تهتز الحياة السياسية.. وقبل ذلك تضمحل موارد الإقتصاد.. وقد يندهش الجيل الجديد لقولنا أن الإضرابات أضعفت موارد الإقتصاد.. فهؤلاء لا يتصورون.. وقد لا يصدقون.. أن الخدمة المدنية فى ذلك الزمان كانت بخير.. أي زمان الديمقراطية الثالثة.. 85- 1989.. وكانت زاخرة بمؤسساتها ذات الإيرادات العالية.. التى تصب مباشرة في الخزينة العامة.. حيث لا تجنيب ولا غيره.. كانت هناك هيئة الموانيء البحرية.. وهيئة سكك حديد السودان.. والخطوط الجوية السودانية.. والخطوط البحرية السودانية.. هيئة النقل النهري.. وكان هناك مشروع الجزيرة.. ومشاريع النيل الأبيض.. ومشاريع جبال النوبة.. ومشاريع الزراعة الآلية.. كانت هناك مصانع لا تحصى ولا تعد.. وغيرها وغيرها من المؤسسات الإيرادية.. عليه فإن الإضرابات المتتالية فى الخدمة المدنية.. كانت تؤثر.. ولا شك.. على مجمل أداء الإقتصاد.. وكان لذلك تأثيره السالب على أداء الحكومة.. ولكن الحقيقة التى يجب الاعتراف بها.. أن تلك الإضرابات التى كانت تؤثر على الحكومة.. لم تؤثر على الدولة.. بدليل أن الحكومة قد سقطت.. ولم تسقط الدولة.. ولكن..!

ولكن هذه.. هي الإستدراك الذى يجب أن نقف عنده اليوم.. مقرين بأن أمرا خطيرا قد حدث.. وأن الإنتقال لما هو أرذل.. هو الذى نعيشه الآن.. فبوصول نظام الإنقاذ الى الحكم فى الثلاثين من يونيو 1989.. ثم عشرية التمكين التي تلت ذلك التاريخ.. فقد تم الإجهاز على الخدمة المدنية.. بل وحتى مؤسساتها..فأختفت المؤسسات التى كانت ملء السمع والبصر والخزائن.. بعد أن تم تشريد منسوبيها.. فتم القضاء بالتالي على الحاضنة الطبيعية للنقابات.. وبالتالي القضاء على المنظومات النقابية بإعتبارها ساحة طبيعية ومعروفة للصراع والتنافس..سواء كانت تلك الصراعات مطلبية أو حتى سياسية مغلفة بالمطالب.. فسقف تلك الصراعات كان معروفا.. وخصمها أيضا كان محددا.. وهو الحكومة أيا كانت تلك الحكومة..!

ولكن.. وبالقضاء على تلك الساحة وتلك الآليات.. فقد انتقل الصراع الى ساحة أخرى.. وأتخذ منحى آخر.. فباختفاء النقابات كمؤسسات وعي قادرة على إدارة الصراع.. وسمه ما شئت.. مطلبيا كان أو طبقيا.. فإن حاضنات جديدة قد تقدمت لتدير الصراع عبر مكوناتها.. ونعنى بها القبلية والجهوية والعشائرية والعنصرية.. وهذا عين ما تشهده بلادنا اليوم.. الإحتجاجات والإعتصامات والتظاهرات.. أصبحت حواضنها القبائل والعشائر والجهويات.. وهذه خطورتها.. أن معركتها وإن بدت فى ظاهرها في مواجهة الحكومة.. فهي فى الواقع تضرب في عمق النسيج الإجتماعي.. وتهدد الوحدة الوطنية.. لأنها تطعن فى خاصرة الوطن.. وحقا.. كل عام ترذلون..!

Leave A Reply

Your email address will not be published.