Bank of Khartoum Visa Card

أحزاب تسرق كحل الطموحات الوطنية من عيون الشعب (1 (

د. عادل النيل

لا تبدو الصورة الدستورية والسياسية بشكل عام في المشهد السوداني الحالي والسابق منذ ستة عقود كفيلة بإيقاف التنميط والتناسل الحزبي الذي يبعثر طموحات الشعب ويسرق أحلامه دون وعي، فالواقع أن كل الأحزاب كانت هشة وغير ناضجة، قائمة على الجهوية أو الطائفية بشكل أساسي، ومرتكزات أخرى متغيرة تتعلق بضعف بنيتها السياسية والفكرية.
منذ الاستقلال وحتى اليوم، يعتقد غالب الشعب أن الأحزاب وسيلته التي يمكن أن تترجم طموحاته إلى واقع ينهض بالبلاد، فيما تستغل النخب ذلك الاعتقاد أو الإحساس وتغذيه بالخطب والشعارات لكسب الصوت الانتخابي ثم لا يحدث شيء، وذلك لأن النخب تقضي وقتها في تحطيم بعضها ما جعل الأحزاب تنشغل عن برامجها بمعاركها وتحقيق مكاسبها السياسية.
في المرحلة السياسية الراهنة ربما تبدو الحاجة أكثر إلحاحا لتغيير الفكرة الديموقراطية وإعادة النظر في الوضع الحزبي، فهناك عشرات الأحزاب التي تسجلت ومضى عليها الزمن ثم تساقطت كأوراق الخريف، وذلك أحد أسباب إضعاف الديموقراطيات لأن الناس لم يُتح لهم الوقت كي ينمو لديهم شعور بالولاء لهذا الحزب أو ذاك أو يتعرفون على برامجها، بل كان ولاؤهم للزعماء الذين يسيطرون على الأحزاب التاريخية.
في الولايات المتحدة الأمريكية يبرز الحزبان الجمهوري والديموقراطي بصورة متكررة دون فرصة فعلية لغيرهما، وذلك منطقي لأن برامج الحزبين كافية للناخبين الذين يتجهون إلى الصناديق فيما يبقى كثيرون في بيوتهم غير مقتنعين بأي منهما في انتخابات رئاسية أو تشريعية أو حتى بلدية. كلٌّ يمارس الديموقراطية حتى بالصمت والامتناع.
لماذا ينجح حزبان فقط بصورة دورية منذ مائتي عام؟ إنها الشفافية وفعالية تنفيذ البرامج الانتخابية على المستويين الرئاسي والتشريعي، ويلتقي الجميع في الانتخابات النصفية التشريعية والدورة الثانية الرئاسية لجرد الحساب. إلى جانب ذلك النزاهة في تمويل الحزبين حيث يحصلان على تبرعات كبيرة لتمويل برامجهما الانتخابية، وكل ذلك وفقا لما يقره الدستور.
في الحالة السودانية، ينجح حزبان فقط انتخابيا ويرسبان في امتحان البرامج، وترسب جميع الأحزاب الباقية ومعها الوليدة لأنه ليس هناك تمويل حقيقي لها، وليست هناك نزاهة ترصد تمويل الحزبين الكبيرين الذين يمكنهما اختراق كل القواعد الانتخابية دون أن يخضعا لمساءلة النزاهة الدستورية.
على ذلك يبقى الوضع السياسي شبيها بما عليه الحال الرياضي حيث يسيطر فريقان فقط، هما الهلال والمريخ على المشهد الرياضي ويحرزان البطولات المحلية وينافسان في القارية، فيما لا توجد فرصة حقيقية لغيرهما من الأندية لأن كلمة السر هي التمويل الذي يموّل شراء المحترفين ويدفع رواتب اللاعبين وينظم المعسكرات، ثم بعد ذلك يتضاءل قطر دائرة الإنجاز لأن اللاعبين بلا طموح فعلي أو ثقافة كروية في كسب البطولات.
في إحدى الولايات الأمريكية، ربما نبراسكا، هناك فرصة كبيرة وثمينة لفوز مرشحين غير ديموقراطيين أو جمهوريين على المستوى البلدي، دون التشريعي لمجلسي النواب أو الشيوخ، وذلك يحدث في أمر يهم الناس بشدة وليس فيه مكسب للمرشح غير محبة الناس وتقديرهم، ويحدث ذلك لأن مواطني الولاية لديهم قناعة وهي أنه لا توجد طريقة ديمقراطية أو جمهورية لتنظيف الشوارع، وبالطبع لا يمكن للسيناتورات أو النواب أن ينظفوا شوارع المواطنين لذلك لا يفضلون هذه الانتخابات ولا يتهافتون عليها.
هذا النموذج هو الذي يحتاجه المواطن السوداني ولكن يظل يضل الطريق إليه في كل محفل ديموقراطي، ما إن يبدأ إلا وتأتي الغشاوة التي تجعله يميل ذات اليمين واليسار مؤملا وطامحا ومتطلعا إلى المستحيل في نخب تمارس التضليل والكيد السياسي بعيدا عن المصلحة الوطنية، فتظل الشوارع قذرة والمصانع معطلة والمزارع يابسة. يفيض النيل سنويا فيغرق الناس، وينحسر فيعطش الناس، ولا تتوفر الخدمات بصورة إنسانية كريمة، ثم تهطل الأمطار سنويا ولا تجد مصارف فيغرق الناس وتتهدم بيوتهم وجروفهم، ويستمر الوقوع في الفخ على هذا المنوال.
التضليل السياسي المستمر ممارسة غير أخلاقية، ولا يمكن لأحزاب تستقطب الناس لبرامجها وتستجدي أصواتهم الانتخابية أن تخدعهم دون أن تقدم القليل أو الكثير لأجلهم. ثم إن الصورة الشعبية تغيرت ومعها العقلية السياسية في القواعد وذلك يستتبعه الكف عن التضليل والتلاعب بالعقول، فأحزاب التجارب الديموقراطية السابقة لم يعد لديها الكثير لتكسبه.
مع تغير المزاج السياسي لا بد من تغيير قواعد اللعبة بداية بالفكرة الحزبية نفسها وجدواها، وقبل أن تولد الأحزاب دون أساس فكري وبنية سياسية قوية من الضروري النظر فيما يمكن أن يقدمه الحزب من برامج للخدمة الوطنية وقدرته على تنفيذها، وقبل ذلك التواصل الفعال بين قيادته وقواعده حتى لا تستأثر القيادات بالسلطة الحزبية وكأنها تملك صكوك الغفران التي تفصلها عن قواعدها وتعيدها إلى حصاد صفري كبير هو هذا الوطن المغلوب على أمره.

Leave A Reply

Your email address will not be published.