Bank of Khartoum Visa Card

ديفيد كاميرون: يصنع الظلام ثم يمتهن بيع المصابيح

صديق محمد عثمان

– الأعمال التجارية إما أن تكون سلعية أو خدمية، أي إما أن العمل التجاري يقدم للجمهور سلعة يكثر استهلاكها أو خدمة لا غنى للجمهور عنها. وفي الحالتين ليس بالضرورة أن يقدم العمل التجاري سلعة أو خدمة جديدة غير موجودة في السوق، بل إن الأعمال تنافس بعضها في تجويد ما هو موجود من سلع أو خدمات.
– في العام ٢٠١٤ قام صحفي في البي بي سي بالتنكر في زي عميل لإحدى شركات العلاقات العامة التي تسعى إلى إدخال شركة صينية إلى سوق الخدمات الصحية في بريطانيا، واتصل ذلك العميل المتنكر برئيس لجنة المخابرات في البرلمان البريطاني السير مالكولم ريكفند. وقد يذكر القارئ اسم السيد ريكفيند كوزير للخارجية البريطانية أو وزير الدفاع؛ فقد تولى الرجل حقائب هذه الوزارات خلال حكم حزب المحافظين تحت رئاسة رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر وخلفها السير جون ميجور . الحقيقة أن السير ريكفنيد ظل وزيراً منذ العام ١٩٧٩ الذي شهد فوز حزب المحافظين بزعامة مارغريت تاتشر وحتى العام ١٩٩٧ حينما خسر الحزب الحكومة لحزب العمال بزعامة توني بلير. بدأ ريكفيند حياته الوزارية وزيراً للدولة للشؤون الخارجية وختمها وزيراً للشؤون الخارجية، وبين هذين التاريخين تنقل في وزارات مثل الدفاع وشؤون أوروبا وشؤون اسكتلندا ووزارة المواصلات.
– ولكن الوزير السابق ورئيس لجنة الاستخبارات بالبرلمان حينها سرعان ما وقع ضحية سهلة للعميل المتنكر وراقت له فكرة جني المال باستخدام نفوذه وعلاقاته بحكومة المحافظين الجديدة بقيادة ديفيد كاميرون لترتيب لقاء لمسؤولي الشركة الصينية المزعومين برئيس الوزراء ديفيد كاميرون لمناقشة إمكانية دخول الشركة لمجال الخدمات الصحية، خاصة وأن السير ريفكيند كان يترأس لجاناً ومجالس إدارات مستشفيات أو خدمات صحية. ورغم أن الفضيحة التي فجرها الصحفي أدت إلى الإطاحة بالسير ريكفيند من مقعده المريح في دائرة جيلسي المضمونة لحزبه، إلا أنه لم يذهب بلا احتجاج حيث قال (كيف تتوقعون من وزير سابق أن يعيش على راتب نائب برلماني؟)، كان حينها راتب النائب يبلغ ٦٧ ألف جنيه في العام. لكن هذا الاحتجاج استفز الصحفي الذي فجر القضية فذهب ينقب في الملف المالي الشخصي للسير ريكفيند ويحسب عدد وعوائد المواقع التي يحتلها في الخدمات الصحية أو مؤسسات العلاقات الخارجية أو الدفاع والأمن، واستطاع جمع وثائق تثبت أن الدخل السنوي للسير ريكفيند من مواقع النفوذ وما يترتب عليها من مصالح يتجاوز ال ٤٨٠ ألف بقليل.
– ولم يذهب السير ريكفيند للمعاش ويستمتع بما جمعه من مال بعد تعذر نزوله الانتخابات عن دائرة جيلسي في العام ٢٠١٥، كلا وإنما قامت جامعة الملك (king’s college) بتعيينه أستاذاً زائراً بروفيسور، كما منحه المعهد الملكي للخدمات المتحدة (روسي) عضوية متميزة، كما عينته جامعة لندن رئيساً للجنة لدراسة مستقبل منظمة الكومونولث حتى تستطيع التقرير بشأن مستقبل معهد الكومونولث التابع لها.
– خلال الأسبوع الماضي ضجت وسائل الإعلام بفضيحة جديدة بطلها هذه المرة رئيس الوزراء الأسبق السيد ديفيد كاميرون والذي كان في الحادثة السالفة مستهدفاً بالوساطة فأصبح الآن في مكان السير ريكفيند، حيث تم الكشف عن قيامه بالاتصال بوزير الصحة مات هانكوك لتقديم مقترح من شركة ترغب في أن تكون وسيطاً في الخدمات الصحية، غير أن الخدمة التي ترغب الشركة في تقديمها هذه المرة غريبة بعض الشيء وليست في الحقيقة خدمة صحية ولكنها ترغب في تقديم مقترح لإدارة مرتبات العاملين في الحقل الصحي!! وما زاد طين السيد ديفيد كاميرون بلة أن وساطته لمقترح هذه الشركة تأتي بعد أسابيع فقط من رفض الحكومة البريطانية التجاوب مع المشاعر الشعبية الطاغية المطالبة بتحفيز كوادر الخدمات الصحية عن مجهوداتهم في مكافحة جائحة كورونا وفك تجميد الزيادة السنوية في مرتباتهم والذي يسري منذ العام ٢٠١٠، وبالمقابل أعلنت الحكومة عن مكافأة الممرضين والممرضات فقط بزيادة تبلغ ١٪؜ فقط في مرتباتهم، متحدية بذلك المشاعر الشعبية الكبيرة بالامتنان لكوادر الخدمات الصحية من أطباء وغيرهم، الذين وضعوا أنفسهم في الخطوط الأمامية لمكافحة الجائحة أحيانا بلا حماية كافية، مما أدى إلى ارتفاع حالات الإصابة والوفيات بينهم.
– في مفتتح هذا المقال أشرنا إلى أن الأعمال التجارية إما أن تقدم للناس سلعة أو خدمة، وقدمنا هنا تجربتين لرجلين من أهم رجال السياسة البريطانية في العقود الأخيرة، وهما يقدمان خدماتهما ولكنها خدمات مختلفة عما عهده الناس، فالمتوقع من أشخاص بلغوا أعلى مناصب السلطة السياسية في بلادهم أن يقدموا عصارة تجاربهم كمرجع وحكمة لتطوير الأداء التنفيذي للسلطة ومؤسسات الدولة وتجويد قيامها بوظيفة خدمة المجتمع، لكننا بالمقابل نشاهد أشخاصاً يستخدمون نفوذهم السابق لتمكين وترسيخ مفهوم واحد وهو مفهوم حصرية صناعة السياسات العامة بحيث يصبح على المجتمع شراء خدمات ونفوذ من يملك أن يمهد للاجتماع برئيس الوزراء أو التأثير على وزير الصحة، ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل نكتشف أن مادة الخدمة التي يقدمها هؤلاء هي جوهر مهمة السياسي الذي يصنع لنفسه مهنة من الادعاء بأنه يملك المؤهلات لتنفيذ سياسات تجعل حياة الناس أفضل.
– بالمقابل نحن هنا نشاهد أشخاصاً خدموا كسياسيين ثم احتفظوا بما تحصلوا عليه من معلومات بحكم مواقعهم وبعضها يتعلق بأوضاع صنعتها سياساتهم ويريدون أن يصنعوا لأنفسهم عملاً تجارياً بالتربح من السوء الذي خلقته السياسات والتشريعات التي نفذوها. ويمكنك أن تتخيل عزيزي القارئ عامل الكهرباء أو السباكة أو غيره ممن تستأجرهم لتنفيذ أعمال في منزلك؛ يتعمد تنفيذ الأعمال الكهربائية في منزلك بطريقة تجعلك ملزماً بالتعامل معه حصرياً، وفي ذات الوقت هي تضمن تكرار الأعطال بصورة راتبة تضمن له سوقاً وخدمة راتبة. لكن مهلاً فإن الأعطال الكهربائية أو أعطال السباكة في المنزل تبدو تافهة جداً إذا تصورت معي أن شخصاً زرع في نظام تغذية منزلك بالكهرباء أو الماء أو الغاز مثلا مادة أو غازاً أو ما يعمل ببطء على إصابة أفراد أسرتك بأمراض تجعلهم عرضة للاعتماد الدائم على خدمات وأدوية صحية، ألا يفوق ذلك جريمة الأعطال الكهربائية؟، هذا بالضبط ما فعله هؤلاء السادة الذين أجازوا تشريعات ونفذوا سياسات، ثم امتلكوا مفاتيح تصحيحها أو مداخل التلاعب عليها، ثم راحوا يعرضون خدماتهم في هذا الشأن.

Leave A Reply

Your email address will not be published.