bankak mawjood

الطفل الجان

الخرطوم: محمد أزهري

1
حياة هادئة، كانت تعيشها عائلة في إحدى قرى غرب أم درمان، لا تنقصها السعادة رغم الوضع المادي المتدني، رب العائلة كان يفعل كل ما في وسعه للحصول على الرزق الحلال، لم يقف على مهنة واحدة بل كان لا يرحم جسده أو يستهين به ليوفر لقمة عيش كريمة لأفراد عائلته الذين لا يتعدون أربع أشخاص زوجة وثلاثة أطفال، أصغرهم (ح) ثلاثة سنوات، ونسبة لصغر سنه كان باعث الفرحة في المنزل أو محور الإهتمام لوالديه وإخوته، هذا الوضع جعله يشعر بأهمية عظمى وبالتالي فرض شخصية قوية داخل العائلة، مكنته من الحصول على أي شيء يطلبه دون أخوته، (ح) كان مدلل العائلة بلا منازع.
الوضع يمضي كما يخطط له رب العائلة (م)، يخرج صباحاً يضرب الأرض بحثاُ عن الرزق، ثم يعود غانماً، ليكمل بقية يومه بين العائلة، ولا يسنى طفله الصغير من أشيائه الخاصة، رغم حالات الغيرة التي تعتري إخوته لكنه لم يستطيع أن لا يميزه بحكم أنه أصغر (البيت)، ورمانته.
العائلة تعيش في منزل كبير يتقاسمه (م) مع شقيقه الأكبر برفقة عائلته المكونة من خمسة أشخاص زوجة وأبناء، جميعهم يعيشون في سلام، لكل منهم حياته الخاصة لا يتدخل أحدهم في شئون الآخر، بينهم علاقة أخوية قوية لا تخللها الخلافات والمشاحنات.
2
ولأن الحياة لا تمضي كما يشتهى الإنسان، فإنها خطفت شقيق (م) الكبير فجأة تاركاً خلفه زوجة وأربع أبناء في وجه العاصفة وقسوة الحياة، دخل (م) في حزن عميق على رحيل شقيقه الذي كان يقاسمه كل شيء حتى السكن في المنزل، فكر كثيراً في قسوة الحياة وصعوبة الظروف ومآلاتها، لكنه لم يتردد في إنه سيكون العائل الوحيد لأبناء شقيقه، لم يستبعد فشله في توفير لقمة العيش لكنه قرر أن يتخذ موقفاً رجولياً يكفيه شر لعنات الناس وألسنتهم الساخطة، داخل في نقاش مستفيض مع زوجته فهي لم تخالفه الرأي في أن يعول أبناء شقيقه لكنها اعترضت على شيء ربما فاجأها به وهو أن استسمحها في الزواج من أرملة شقيقه ليضمن وجود الأبناء في منزلهم، زوجته رفضت بشدة ثم دخلت في نوبة من البكاء لكنها في نهاية الأمر وافقت على مضض، بعد إنقضاء فترة الحبس الشرعية طرح (م) فكرة الزواج على أرملة شقيقه التي تفاجأت ورفضت ثم آخيراً وافقت على الزيجة.
3
بدأت حياة أخرى للعائلة تضاعفت الضغوطات على الرجل، الذي نجح في جمع شمل الأسرة وضرب حولها ستار قوي منعها من التشتت والإزلاق في الهاوية خصوصا وأن أبناء شقيقه على أعتاب طور المراهقة، بالمقابل زادت همومه ومشاغله فأصبح يقضي معظم وقته خارج المنزل للحصول على أكبر قدر من المال لمجابهة احتياجات العائلة التي أصبحت (كبيرة) بين ليلة وضحاها، رغم الضغوطات المادية والنفسية على الرجل لكن ما زال صغيره (ح) محور الإهتمام، بل لم تؤثر إضافة عائلة أخرى لوالده على تلبية طلباته واحتياجاته.
الزوجة الثانية أي أرملة شقيق (م) وزوجته الأولى بدأتا تضفيان شيء من المشاحنات داخل العائلة، الهدوء بدأ يتثرب خارج فناء المنزل، كما يتثرب غاز الطبخ من إسطوانة مثقوبة، تنتظر إشعال ثقاب لتنفجر وتنسف المنزل بما فيه، المشاحنات أخذت منح آخر بين الزوجتين، أصبحت النقاشات غير هادئة، الأصوات تتعالى مع تبادل الشتائم، الأطفال ينظرون في تعجب لما يحدث بين أمهاتهم، الصغير (ح) كعادته كان يخرق البروتوكول المنزلي، يمكث وقتا طويلاً مع (ضرة) والدته بل هي أصبحت تعتني به كثيرا إلى أن أصبح يناديها بـ(ماما)، تقتني له الحلوى من الدكان بل تحمله معها في أغلب مشاوريها القريبة في الحي، أي أصبح يحبها كما يحب والدته بالضبط، مع هذا كان الخلاف يتطور شيءً فشيء بين الزوجتين، الرجل حاول تهدئة الأوضاع بينهما مرات ومرات، لكنه لم يفلح في نزع فتيل الأزمة المتجزرة بين (الزوجة وضرتها) كموروث أنثوي طبيعي.
4
استفحل الخلاف من الزوجتين، مع بوادر قطيعة داخل المنزل، بالمقابل تشعب أمر الزوج واحتار في زوجاته، لكنه قرر تحدي الصعاب حفاظاً على تماسك العائلة الكبيرة، يخرج صباحاً يصارع الزمن ويعود ليلاً ليبدأ صراع جديد في سماع ما دار خلال اليوم بين الزوجتين، لا يفصله من الهم إلا شغب صغيره (ح) الذي يعيش في كوكب آخر لا يعرف فيه إلا طلباته من الحلوى والألعاب، فهو الوحيد الذي يكسر حاجز الخلاف ولا يعنيه في شيء ينادي كل منهما بـ(ماما) يخرج مع من ترتدي ثوبها تأهباً للخروج من المنزل.
الزوجة الثانية مع استمرار الخلافات وتطورها، حاولت إنهاء الخلاف بتسديد ضربة قاضية للزوجة الأولى، بل قررت أن تجعلها بين (حية وميتة)، بطريقة لا يفكر فيها صاحب عقل، بل حتى من فقد عقله، قررت أن (تحرق حشاها)، وبعد تفكير إجرامي مستفيض فكرت في قتل الطفل (ح) الذي يحبها ويناديها بـ(ماما)، لماذا فكرت في قتل (ح) لأن أكثر الكرهين لها لا خطر في باله أن تقتله بحكم الحب الكبير الذي تكنه للطفل، وكثير من سكان المنطقة يعتبرونه ابنها، لذلك فكرت في التخلص منه لتكون بعيدة كل البعد عن دائرة الاشتباه.
انتظرت بذوغ الشمس، ليحضر (ح) كعاته إلى منزلها ليتناول الشاي، بالفعل اقتحم المنزل دون استئذان، فإحتضنته لكن هذه المرة تضمر في نفسها السوء، أحضرت له الشاي تناوله في شغب، ثم حملته وخرجت به خفية ، توقفت في (دكان) قريب صنعت له (ساندوتش) ربما هنا دخلتها حنية الأم، لكنها واصلت ومضت في طريقها بعيداً حتى اختفت على القرية تماماً، والطفل يحكم رجليه على خصرها في أمان، يلاعبها، في إطمئنان ولا يدري أنه يمضي في طريق الموت، السيدة، اهدت إلى منزل يقع في نهاية قرية أخرى تغطيه أشجار، المنزل يبدو مهجوراً وجزء من حائطه محطم لا حياة فيه، دخلته مترددة ثم أسرعت إلى مرحاض (بلدي)، السيدة لم تتردد في إلقاء الطفل داخله، قبل سقوطه ربما شعر بالخطر فأصبح يبكي ويناديها (ماما – ماما – ماما)، لكنها لم تستجب لنادء براءته حتى سمعت صرخاته داخل المرحاض، ثم تلفتت يمنة ويسرى وغادرت المكان بهدوء وكأنها لم يفعل شيء.
5
عادت إلى المنزل وواصلت حياتها طبيعية، بعد ساعتين فقدت الأم طفلها (ح) أرسلت شقيقه الأكبر إلى منزل ضرتها لإحضاره، لكنه عاد وقال إنه لم يجده هناك ولم يحضر إليه كما زعمت الزوجة الثانية، انتفضت والدة الطفل وخرجت تبحث عنه هاتفت والده الذي عاد مسرعاً أبلغوا مساجد القرية والقرى المجاورة أخطروا الشرطة، كل المنقطة خرج للبحث عن (ح)، دون جدوى، الوقت يمضي، والأم والأب يناهاران كلما مضت ساعة، الأب كان أكثر ثباتاً لكن بعض الجرائم والحوادث التي حدثت للأطفال تجول بذهنه وتجعله يحترق من الداخل ويمني نفسه أن لا يجد طفله المدلل في سوء، الأم نقلت إلى المنزل مغمى عليها، والد الطفل خلال بحثه اقترب من المنزل المهجور ثلاثة مرات وفي المرة الآخيرة دخله ووقتها كان الطفل قد انهار من شدة البكاء، الوالد اقترب من المرحاض، لكنه لا يملك عصاة سحرية لمعرفة أن انبه داخله، فغادر المكان دون أن ينقذ ابنه.
الوقت يمضي والحال يزداد سوءً، بالنسبة للوالدين، بالمقابل كانت الزوجة الثانية تبحث معهم وتبكي بحرقة وكأنها استشعرت خطورة موقفها واسترجعت ذاكرتها من (ح)، وهو يناديها (ماما – ماما – ماما)، وهو على ثقب (الحفرة)، الجميع يبحث، تشاركهم الشرطة البحث، لكن كل الجهود كللت بالفشل، وأصبح الطفل في أعداد الموتى أو المفقودين.
6
بالتزامن مع إلقاء الطفل داخل مرحاض بالمزل المهجور، تأبط رجل حقيبته من ولاية الجزيرة واستقل بص سياحي إلى الخرطوم، الرجل كان في قضاء فترة إجازة انتهت قبل يوم من إلقاء الطفل داخل المراحاض، الرجل وصل إلى الخرطوم وحضر إلى منزله في الساعة السابعة مساءً وكان المنزل هو ذات المنزل المهجور الذي إسقط الطفل في مرحاضه، ونسبة وصوله متأخر وضع الرجل حقيبته وأسرع نحو المرحاض لقضاء حاجته، لكنه بمجرد دخوله سمع صوت غريب ينطلق من داخل المرحاض، الرجل أصيب برعب حقيقي لأن الصوت يشابه صوت الإنسان، خرج مسرعا قبل قضاء حاجته واستدعى أحد جيرانه، وبعض الشباب، داخلوا جميعاً إلى المرحاض وبدأوا في مخاطبة ما بداخله في اعتقادتهم أنه (جان)، الطفل استجمع قواه واطلق صرخات عالية وهو يبكي، هنا ميزوا أنه طفل لكن بعضهم يصر على أنه (جان)، لم يفعلوا شيئاً حياله وقتها بل أسرعوا بإستدعاء الشرطة التي بدورها استدعت فرقة الإنقاذ البري التابعة للدفاع المدني، رغم احتشاد الشرطة إلا أن الأمر ما زال غامضاً ومخيفاً بحكم أن فتحة المرحاض لا تدخل طفلاً، لكن أحد أفراد الإنقاذ البري قرر الدخول إلى المرحاض بعد أن قرأ بعض سور القرآن، أحدثوا له فتحة كبيرة نزل عبرها بواسطة الحبال فكانت المفاجأة أنه طفل حي، المنقذ طلب سحبه بعد أن أحكم قبضته بالطفل، خرج وذهل الجميع بما فيهم أفراد الشرطة، الطفل كان منهاراً فكان أول طلب تفوه به (داير موية)، بعد أن روى ظمأه، أجاب أن (ماما) هي من أسقطتته داخل المرحاض، بعض الحاضرين سمعوا نداء اختفاء طفل من قرية مجاورة في المسجد، فأسرعوا إلى المسجد واتصلوا على رقم الهاتف المتروك مع بيان الطفل فحضر والده مسرعاً، عند رؤيته لابنه سقط وإنهار من هول الصدمة خصوصاً عندما قال لوالده إن (ماما) – (ف) هي من أحضرته إلى هنا وأسقطته داخل المرحاض، الشرطة أسرعت إلى المنزل وقبل أن تلقي القبض عليها أجهشت بالبكاء واقتيدت إلى القسم لمواجهة جريمتها التي لم تكتمل بفضل رعاية الله للطفل، وحسب إفادة رجل الدفاع المدني الذي أنقذ الطفل قال إن المرحاض أرضيته جافه تماماً نسبة لغياب صاحب المنزل لفترة طويلة، وهذا ما حفظ الطفل وجعله حياً لفترة طويلة.

Leave A Reply

Your email address will not be published.