Bank of Khartoum Visa Card

على هامش مؤتمر نظام الحكم في السودان 2-2

صديق البادي

ذكرت في نهاية الحلقة السابقة أن الضرورة تقتضي تأجيل تعيين حاكم إقليم دارفور لحين إجراء دراسات كافية وافية عميقة متأنية يقوم بها خبراء مختصون في كافة المجالات المرتبطة بهذا الموضوع الحيوي آخذين الدروس والعبر من التجارب السابقة داخل القطر وخارجه، ومستندين على المعلومات الدقيقة والحقائق والأرقام والإحصاءات والموارد ومصادر الدخل والخرط التي تبين الحدود بين الأقاليم وداخلها وتحديد العلاقة بين المركز بسلطاته السيادية والتنفيذية والتشريعية وبين السلطات الإقليمية. وفي حالة إقرار قيام الحكم الإقليمي فهل تظل الولايات قائمة بوضعها الراهن بولاياتها وحكوماتها الولائية ومجالسها التشريعية أم يتم إلغاء مناصب الولاة والحكومات الولائية والاكتفاء بوجود مديرين عامين في كافة المصالح الحكومية ويتبعون فنياً لوزاراتهم المختصة وإدارياً لحكومة الإقليم، وأن تخضع الشؤون المالية بإيراداتها ومنصرفاتها لوزارة المالية الإقليمية، والموضوع لا يحتمل التسرع وإتخاذ قرارات فطيرة تنجم عنها معضلات خطيرة ونتائج وبيلة … وبعد توقيع الاتفاقيات في جوبا في اليوم الرابع من شهر أكتوبر عام 2020م قبل سبعة أشهر تم الاتفاق بين قادة الجبهة الثورة على توزيع نصيبهم في المناصب الدستورية فيما بينهم واختاروا ثلاثة أعضاء بمجلس السيادة (المترهل عددياً) وتم اختيار دكتور جبريل إبراهيم وزيراً للمالية وتعيين آخرين في مواقع وزارية وتنفيذية. ويبدو جلياً من التصريحات والأنباء المتداولة أن اتفاقاً قد تم بينهم على اختيار السيد مني أركو مناوي ليكون حاكماً لإقليم دارفور ولعله قد أصابه الضجر وعيل صبره لتأخر صدور القرار وأخذ يصرح تباعاً بأن اتفاقيات جوبا لم تنفذ وفقاً لما هو متفق عليه وأن البطء لازم التنفيذ. وأصدر رئيس الوزراء قراراً بتعيين مني أركو مناوي حاكماً لإقليم دارفور، وبعد أن يؤدي القسم هل سيباشر مهامه في هذه المرحلة من الخرطوم عاصمة البلاد ويصبح بمثابة منسق بين الحكومة الاتحادية وحكومات ولايات دارفور أم يذهب لمباشرة مهامه المبهمة وسلطاته غير المحدودة حتى الآن من فاشر السلطان عاصمة ولاية شمال دارفور والعاصمة التاريخية لدارفور الكبرى منذ القدم والبداية تكون بوصول الحاكم وحاشيته من حرس ورجال مراسم ومكتب تنفيذي وسكرتارية … إلخ، ويطرح بعد ذلك سؤال .. ثم ماذا بعد؟ وهل سيقوم بتكوين حكومة إقليمية مكونة من عدد من الوزاء الإقليميين ويعني هذا قيام وزارات إقليمية تضم عدداً كبيراً من الموظفين ويخضع تعيين الوزراء الإقليميين لمحاصصات بين المكونات الدارفورية السياسية والإثنية، وهل يتعامل ولاة ولايات دارفور وحكوماتهم رأساً مع الحكومة الاتحادية أم يتم تعاملهم معها عبر وسيط بينهما هو السلطة الإقليمية. وبالنسبة للمال هل يكون التعامل بين وزارات المالية الولائية ووزارة المالية الاتحادية أم تتم التعاملات المالية بين الطرفين عبر وزارة المالية الإقليمية…وصرح مني أركو مناوي بأن البلاد فيها الآن ثمانية جيوش وأدلى بذات التصريح آخر ونقبله ، وهذا واقع مزرٍ إذا كان ما ذكروه صحيحاً ولا يمكن الاعتراف إلا بجيش قومي واحد فقط ويمكن بتفويض منه في ظروف استثنائية وجود ذراع تابعة له تكون جزءاً منه وخاضعة له تماماً لأداء مهام محددة مثل كافة الأسلحة المتخصصة. اما الحركات الحاملة للسلاح خارج المنظومة الرسمية للدولة فيمكن استيعاب من يستوفون شروط الالتحاق بالقوات المسلحة وتأهيلهم وتدريبهم ليسهل دمجهم ومنحهم الرتب التي تناسبهم والذين لا يرغبون في الانضمام للقوات المسلحة ويريدون العودة لمهنهم القديمة أو الذين لا تنطبق عليهم شروط الانضمام ولم يجتازوا المعاينات يمكن مساعدتهم بإيجاد فرص عمل وتسهيلات في حدود الممكن تتيح لهم العيش الكريم. وقد أعلنت على الملأ ونشرت قوائم بأسماء حركات تمرد صغيرة يبلغ عددها حوالى ست وثمانين حركة لكل منها قائد يدير الحركة ويرأس المقاتلين وكل منهم ينتظر أن ينال حظه من السلطة والجاه وماذا يفعل مناوي حاكم دارفور مع هؤلاء؟ .. وفي المفاوضات المتعلقة بدارفور في جوبا أجيزت عدة قرارات من ضمنها قرار يقضي بدفع سبعمائة وخمسين مليون دولار سنوياً لدارفور لمدة عشرة أعوام وقطعاً إن إعلان مثل هذه القرارات تفرح المواطنين وتدغدغ عواطفهم وتكسب الحمد والشكر وترفع أسهم من توصلوا لها من الطرفين المتفاوضين اللذين ينطلقان من مشكلة واحدة وجعلها ملزمة للحكومة، ولعل لسان حالهم وهم في حالة نشوة كان يردد قول أبي العلاء المعري (وإني وإن كنت الأخير زمانه لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل)، ولكن إذا تعذر على وزارة المالية توفير المبلغ المطلوب (سبعمائة وخمسين مليون دولار) مع التعهد باعتبارها ديناً مستحقاً يدفع عندما تتحسن الأوضاع الإقتصادية والمالية يخشى الحادبون على استقرار الوطن واستتباب الأمن في دارفور أن يثير هذا ويفجر غضباً مكتوماً ويسعى الذين لم يضعوا السلاح من الحركات الدارفورية لتفجير شرارات تمرد جديدة أكثر شراسة وإشعال نيرانها واعتبار ما تم الالتزام بدفعه لدارفور إذا لم ينفذ مجرد (حبال بلا بقر) وأمنيات وأرقام مكتوبة على الورق ولا وجود لها في الخزينة العامة … وعند التوقيع على اتفاقية أبوجا في عهد الإنقاذ السابق شغل مني أركو مناوي موقع مساعد أول رئيس الجمهورية والمشرف المسؤول عن ولايات دارفور وتزامن ذلك مع أيام العز البترولي والتدفقات النقدية الدولارية الهائلة على الخزينة العامة التي لم تستثمر الاستثمار الصحيح في القطاعات الزراعية والصناعية وغيرهما ولعل الامتيازات والمخصصات ومال التسيير وغيره كان يدفع بسخاء له (مال للخناق) وعندما أزف انتهاء دورة تكليفه ليتم تجديدها أو عدم تجديدها خرج غاضباً وهو يردد ساخراً أنه كان يعمل أشبه بمساعد حلة في لوري ولعل لسان حاله كان يردد (سلطة للساق ولا مال للخناق) وعاد الآن للسلطة مجدداً ولكن بلا مال للخناق كما حدث من قبل ولا مال حتى للساق، أما بالنسبة للسلطة فالمطلوب منه أن يراعي ظروف الوطن عامة ودارفور الكبرى خاصة ولا ينازع السلطة الاتحادية ووزارة المالية حول تعهدات وأرقام لا توجد في الخزينة العامة للدولة في الوقت الراهن، وعليه ألا ينازع الولاة حول سلطاتهم لأنها سلطات أصيلة وليست له هو سلطات محددة ولحين انعقاد مؤتمر الحكم وتقريره بشأن الحكم الإقليمي نأمل أن يرضى بدور تشريفي وتنسيقي ويساهم في جمع الصف ولكن أي شد وجذب ونزاع سيؤدي لتمزيق النسيج المجتمعي والسلطوي. وما ذكرته هنا ينطبق على كافة أقاليم وولايات السودان. ومؤتمر نظام الحكم في السودان ليس المقصود منه الوصول لنتائج عاجلة لتمرير إصدار قرار. وهو مؤتمر مهم وحيوي ومصيري ويحتاج لأناة ليقوم الحكم الإقليمي على أساس صلب متين وأي تسرع (وكلفتة) ستؤدي لقيامه على أساس هش ضعيف وينبغي العمل الجاد لقيام نظام حكومة الكترونية يقرب الشقة بين الحكم الإقليمي وبين القرى والمناطق مهما تكن بعيدة نائية. والمواطن في الماضي كان يرتبط أكثر بالحكم المحلي المتمثل في المجالس الريفية ومجالس المدن التي أهملت وحطمت عمداً لهدف القصد منه إحداث عملية إحلال وابدال وملء الفراغ بمن كان يطلق عليهم (أهل الحل والعقد) بتنظيمهم ومنظماتهم الكثيرة بأسمائها وأوصافها العديدة وحتى اللجان الشعبية التي كانت تؤدي دوراً مقدراً في الخدمات ضعفت وحولت للجان تعبوية سياسية مع إهمال الجانب الخدمي، والمطلوب الآن تنشيط اللجان الخدمية والجمعيات التعاونية في القرى والأحياء بالمدن وإعادة المجالس الريفية ومجالس المدن لسابق عهدها مع منحها السلطات الكافية لمراقبة الأسواق وكبح الجشع وإيقاف الفوضى ولا بد أن يكون لضباط الأسعار ومسؤولي التموين وجود ودور معتبر.
ومؤسسات الدولة تتكامل أدوارها والضرورة تقتضي تكوين المحكمة الدستورية على جناح السرعة لأن تجميد عملها الذي امتد لزمن طويل أدى لخلل ونقص في المنظومة العدلية وكذلك فإن تكوين المجلس التشريعي الإنتقالي قد تأخر كثيراً وقبل أن يتم تكوينه حدثت خلافات بين مكونات قوى الحرية والتغيير وبين الجبهة الثورة حول رئاسة المجلس وكل طرف يرى أنه الأحق برئاسة المجلس. وعند انتخاب وتكوين أول برلمان سوداني افتتح في مستهل عام 1954م نال الحزب الوطني الإتحادي الأغلبية ورشحت هيئته البرلمانية السيد إبراهيم المفتي المحامي عضو الحزب لرئاسة البرلمان ولكن الحاكم العام رفض هذا الترشيح معللاً ذلك بأن المفتي لن يكون محايداً عند إدارته للجلسات ورئاسة المجلس، ولذلك تم اختيار السيد بابكر عوض الله الذي كان يعمل قاضياً بالأبيض ليرأس البرلمان لأنه في تقديرهم كان مستقلاً محايداً وحسماً للشد والجذب بين قحت والثورية يمكن اختيار شخصية قومية مستقلة ذات وزن لتولي رئاسة المجلس التشريعي الإنتقالي وجل الرؤساء الذين تولوا الرئاسة في البرلمانات السابقة كانوا من القانونيين وتولى ثلاثة من غير القانونيين منصب رئيس البرلمان (بمختلف تسميات البرلمان) وهم دكتور مبارك الفاضل شداد والبروفيسور النذير دفع الله والعميد دكتور محمد الأمين خليفة. ويمكن أن يتم تعيين نائبين لرئيس المجلس التشريعي الانتقالي المرتقب أحدهما ينتمي لقوى الحرية والتغيير والآخر ينتمي للجبهة الثورية. وقد يرضي هذا الحل عدداً كبيراً من قيادات هذا الطرف وذلك الطرف لئلا يتقدم عليهم هذا الشخص أو ذاك بروتكولياً داخل تنظيمهم إذا تولى الرئاسة!! وعلى الجميع أن يتساموا على الصراعات العقيمة حول المواقع والسلطة وهي ظل زائل وفي كل الأحوال فإن كل ما يدور يحدث داخل البيت السوداني وهو مقدور عليه ولكن الأخطر هو الانشغال بمعارك وقضايا تعتبر من الصغائر وسفاسف الأمور ويشتد الجدال كما كان يحدث بين أهل بيزنطة والعدو على الأبواب … وبين السودان والجارة أثيوبيا قضيتان إحداهما حول سد النهضة والأخرى حول الفشقة السودانية التي تعدى عليها الأحباش، والحكومة الإثيوبية ظلت تتعامل مع هذه القضية بدهاء وخبث وتنسب كل اعتداءات للفشقة الإثيوبية للشفتة رغم أنها تراقب الموقف وتحركه من وراء ستار والخريف على الأبواب والمتوقع أن تحدث اعتداءات إثيوبية على الأراضي الزراعية في الفشقة ولعبت القوى الأجنبية والدول لتي لها مطامع في الفشقة وموانيء السودان وغيرها تقف في هذا النزاع مع إثيوبيا وستدعمها عسكرياً ولوجستياً إذا تطلب الأمر ذلك وستسعى لجر البلدين الجارين لحرب استنزافية مفتوحة، الغرض منها إضعاف السودان لأنه لو اتحدت كلمة بنيه واستثمرت موارده الهائلة فإنه سيصبح لا محالة ماردا اقتصادياً ورقماً لا يستهان به، وهم لا يريدون له ذلك ويسعون لجعله في حالة توهان وغيبوبة وعدم استقرار. ولذلك فإن الموقف يتطلب عدم التخلي عن حقوق السودان في أراضيه مع التريث والحذر وعدم التهور والامتناع عن الدخول في حرب يستفزونه للدخول فيها، وستقف فيها القوى الأجنبية وتلك الدولة وغيرها مع إثيوبيا.

Leave A Reply

Your email address will not be published.