bankak mawjood

حتى الصندوق دعا للمرونة: “إصلاح الظل والعود أعوج” (2)

نصف رأي || خالد التيجاني النور

 

(1)
ما سر توقيت قرار الحكومة فرض هذه الزيادات الفاحشة بمضاعفة أسعار الوقود بكل تبعاتها الكارثية؟ ليس للأمر علاقة بتحرير ولا إصلاح، إذ لا تعدو أن تكون مغامرة أخرى تسبّبها متلازمة الرهان الحكومي المولع بحل سحري يأتيه من الخارج، فقد أزف موعد تقييم البرنامج المفروض عليها من مجموعة أصدقاء السودان تحت رقابة صندوق النقد، وتريد الحكومة أن تثبت بهذه الإجراءات القاسية المفتقرة لأي رؤية أنها ملتزمة باشتراطات البرنامج بغض النظر عن التبعات المأساوية على المواطنين، وقد سبق للحكومة القيام بخطوة مماثلة في 21 فبراير الماضي بخفض سعر العملة الوطنية على عجل دون توفرالاشتراطات اللازمة لذلك، استباقاً للتقييم المرحلي الأول الذي تم في أوائل مارس الماضي، والنتيجة ما نراه اليوم من مطاردة الحكومة اليائسة للسوق الموازي للحفاظ على سعر صرف متوهم لن يتحقق أبداً بالفهلوة.
(2)
حيث من المفترض أن يبتّ المجلسان التنفيذيان لصندوق النقد والبنك الدوليين بنهاية الشهر الجاري في شأن قبولهما لوصول السودان لـ”نقطة القرار” التي تؤهله رسمياً للاستفادة من مبادرة “هيبيك”، وهي عملية معقدة ومتطاولة على أية حال سوف تستغرق وقتاً لتصل نهايتها عند “نقطة الإنجاز”، أي باكتمال تنفيذ كل الاشتراطات المطلوبة لخفض الديون، وحسب بيان للصندوق فإن هذا المسار سوف يستغرق ثلاث سنوات حتى يصل لمبتغاه في يونيو 2024.
لا حاجة لأن نعيد سوق ما تناولناه مراراً من خطل إصرار الحكومة على الرهان المرضي على الحلول الخارجية، في غياب تام لأي سياق واقعي، ذلك أنها التي لم تجن منها شيئاً حتى الآن سوى وعود خاوية ودعم بلاغي وسراب بقيعة، ولو كانت للوعود الدولية من جدوى لما كانت النتيجة ما نراه اليوم من أوضاع مأساوية يدفع ثمنها غمار الناس.
(3)
حتى لا يظن أحدهم أننا نتعسف بهذا القول، لندع صندوق يقيم جدوى النهج الحكومي، ففي آخر نسخة من “التقرير القطري للسودان العام 2020″، كانت السمة الرئيسية لذلك التقرير تشكيكه في نجاعة الإجراءات الحكومية في تحقيق الإصلاح المرجو في ظل غياب شروط موضوعية، فقد تضمن توقعات قاتمة في قراءته لمستقبل الأوضاع الاقتصادية في البلاد، وأبدى تحفظاً واضحاً حول جدوى الإجراءات التي وصفها بأنها “صعبة ومؤلمة”، وأن القدرة على تحملها شعبياً “تتسم بالهشاشة بالنظر إلى طول أمد الاختلالات الاقتصادية و بسبب ضغوط التضخم العالية وانعكاساتها، مع ضعف القدرات في إدارة الملف، وتأخر الشروع في تنفيذ الإصلاحات”.
(4)
وركّز في تقييمه على استكشاف مدى قدرة المواطنين على تحمّل تبعات هذه الإجراءات القاسية في ظل هذه التعقيدات، وخلص إلى نتيجة ليست في صالح نهج الحكومة الحالي في تجاهل عواقب ما أقدمت عليه دون اعتبار لمآلاته، ودون توفر الاشتراطات الموضوعية اللازمة، فقد لفت التقرير إلى”تآكل الاستعداد العام”، أي تراجع شعبية الحكومة، للتسامح مع “الاصلاحات المؤلمة”، مما يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، وتزايد الاحتقان الذي سيؤدي بالضرورة إلى زعزعة الاستقرار السياسي، وقد يقود إلى انهيار الفترة الانتقالية الهشة أصلاً.
(5)
أما الشرط الموضوعي الذي شدّد عليه التقرير ما نص عليه بأن “أحد العناصر الأساسية لنجاح برنامج الحكومة للإصلاح هو توفر التمويل الكافي من المانحين لدعم الانتقال الصعب إلى اقتصاد قائم على السوق يعمل بشكل جيد”، لافتاً إلى “أن المساعدات المالية للسودان من قبل المانحين كانت أقل بكثير من المبالغ المطلوبة لتسهيل التكيف الهيكلي التدريجي المنظم للإصلاح الاقتصادي”، حيث قدّر أن هناك حاجة ملحة لحصول الحكومة على منح بنحو 5,4 مليار دولار بصورة مباشرة لدعم موازنة 2021، وهو أمر لم يتحقق وغير وارد في ظل تمنع المانحين، وهو ما جعل الصندوق يقر بأنه “قد تكون هناك حاجة إلى المرونة في الجداول الزمنية للإصلاح نظرًا لهشاشة الظروف الاجتماعية والاقتصادية”.
(6)
وبناءً على ذلك اعتبر التقرير أن البرنامج المراقب من الصندوق”يواجه مخاطر عالية، بما يعني العجز عن تحقيق الهدف المرجو منه بتحقيق سجل موجب لأداء الاقتصاد الكلي وتنفيذ الإصلاحات، ضمن الشروط الأخرى لتسوية عبء الديون، وتسهيل الحصول على تمويلات خارجية”.
والسؤال، هل استطاعت الحكومة على الرغم من كل الاحتفالات التي تقيمها بفك “العزلة الخارجية”،استطاعت أن تحصل فعلياً على موارد مالية مباشرة من المانحين لسد عجز الموازنة، وهي المعضلة الأساسية؟، ذلك أن أي إجراءات باسم إصلاح في غياب هذا الشرط اللازم لن تنتج إلا المزيد من التخريب الاقتصادي.

Leave A Reply

Your email address will not be published.