bankak mawjood

بدون أبواب..!

العين الثالثة || ضياء الدين بلال

 

-١-
كان ذلك في العام ١٩٩٨م، كُنّا في بدايات العمل الصحفي، صحيفة “الوفاق” لمؤسسها الراحل المقيم، محمد طه محمد أحمد، تفوق السبعين ألفاً من التوزيع اليومي.

الجميع ينتظرون ما يكتبه ود جنقال في أبوابه( أسرار وخفايا)، وفي مقاله اليومي بالصفحة الأخيرة.
كان يغرِّد خارج سرب الخطاب الحكومي، يشرِّق ويغرِّب، يغنِّي مع صديق أحمد والنعام، وفي ضيافته تجد عبد الله محمد خير وكدكي.

وحينما يزأرُ محمد طه في وجه السياسيين، تطير عصافيرُ الكلام، وتجزعُ السحالي والضباع، وتهربُ الثعابين إلى جحورها.

-٢-
كتب مقالات ٍعن قيادي رفيع ، في قمة سطوته التنظيمية، الرجل لم يحتمل إشاراتِ محمد طه وتلميحاته.

وجدته نهارئذٍ بمكتبه بصحيفة الوفاق ثائرًا ثورةً عارمة، تخرجُ الكلمات من فِيهِ كحِمم البراكين، وفي عينيه لهيبٌ وبرقٌ ورعدٌ.

تمَّت مُصادرة صحيفة “الوفاق” من المطبعة، وحُرق العددُ في خلاء الخرطوم الممتد.

كان الأستاذ محمد طه يفتح صحيفته للمُعارضين، وينقل مقالاتهم من صحف المَهَاجر “الخرطوم والاتحادي والغد”.

-٣-
كُنّا نُحاورُ أشرسَ زُعماء المعارضة، حاج مضوي وعلي محمود حسنين وفاروق كدودة وغيرهم.

في أول مُقابلةٍ لي مع الدكتور حسن مكي، قامت الدنيا ولم تقعد، وارتفع صوتُ المتطرفين:
حسن مكي يستهزئ بسيدنا عثمان بن عفان، فقد كفرَ الرجل ..!

اشتعلت منابرُ المساجد، وخرجت المظاهراتُ تطالبُ بمحاكمة حسن مكي ومحمد طه بالتشيِّع، والمحاور (شخصي غير الضعيف).

والقصصُ عن “الوفاق” لا تنتهي، والكتابة ُعن الراحلِ المقيم محمد طه محمد أحمد تحتاجُ لكتبٍ ومجلات.

-٤-
تذكّرت كلَّ ذلك وأنا أتلقى خبر رحيل ِالأمير ِالشجاع عبد الرحمن عبد الله نقد الله.

اثنان كانا يرفضان الحديث لصحف الخرطوم، الراحلان نقد الله وسيد أحمد الحسين.

وضعتُ على نفسي تحدي الفوز بمحاورة الأمير نقد الله، وإخراج صوته للعلن عبر صفحات “الوفاق”.

كان الصديق العزيز، حسن إسماعيل سيد أحمد، هو من يُرتِّب لنا تلك اللقاءات مع رموز حزب الأمة.

في ذلك الوقت، كانت الجبهةُ الشرقيةُ مُشتعلةً، والحكومة غاضبةً من دور حزب الأمة وتصريحات السيد مبارك الفاضل وخروج السيد الصادق عبر عملية( تهتدون).

-٥-
نجحتُ في محاورة الأمير نقد الله والفوز بالسَّبق الصحفي، تناقلت الوكالاتُ والصحفُ تفاصيلَ المقابلة الداوية.

وجدتُ نقد الله، رجلاً شهماً كريماً، مضيافاً، متسامحاً، إلا مع الإنقاذ، صارعها بشراسة وقوة وشرف.
منذ ذلك اللقاء، كنت ُكثيراً ما أزوره في منزله بود نوباوي، وأعجب لذلك البيت المرحاب، أسوارٍ بلا أبواب.

شعورٌ فيّاضٌ بالطمأنينة والأمان، كرمٌ بات لا يُوجد حتى في الريف، حيث استطالت هنالك الحوائط، وأغلقت الأبواب بالجنازير، وعلت أسلاك الحماية الشائكة المنازل .

في حالةٍ نادرةٍ تشبه ملاحم الأغاريق، ما يقارب العشرين عاماً، ظلّ الأمير طريح الفراش يُقاوم الموتَ بالصبرِ الجميل.
-٦-
في كل هذه السنوات، ظل الأمير تحت الرعاية ِالمنزلية العطوفة الرحيمة، لا أحدَ يخدمُه غير أهل بيته دكتورة سارة وأبناؤه.
سنكتب الآن:
رحل عن الدنيا، سياسيٌّ صادق ٌوشجاع، يقول الحقَّ ولو على نفسِه وحزبِه.

لا يُنافقُ، ولا يُداهنُ، ولا يٌخادعُ، ثائرٌ حقيقي وليس ناشطاً مُزيفاً يُمسي على قولٍ ويصبح على نقيضه، ويحلمُ بالشتاء الدافئ والصيف الرطيب.

السياسة في قاموس الأمير، مواقف ومبادئ وليست مناصبَ وغنائم َوبيعَ السراب في قوارير الأماني العذبة.

رحم الله ُالأمير وأسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
{إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}

Leave A Reply

Your email address will not be published.