مبادرة حمدوك.. سيناريوهات الأزمة السودانية

الخرطوم: وجدان طلحة

أطلق رئيس الوزراء عبدالله حمدوك أمس الأول، مبادرة لتوحيد القوى السياسية، أرسل خلالها رسائل في بريد الحكومة والمعارضة. وهي ليست المبادرة الأولى التي يتم إطلاقها.. ففي وقت سابق أعلن الحزب الشيوعي عن مبادرة لاستمرار الثورة السودانية، فضلاً عن مبادرة وقف وراءها حزب الأمة تطورت حتى أضحت مبادرة إصلاح قحت، فلماذا تعددت المبادرات؟ ولماذا أطلق حمدوك مبادرته الآن؟.

ماذا قال حمدوك؟
رئيس الوزراء في خطاب مبادرته حول الأزمة الوطنية، قال إن بلادنا تشهد أزمة وطنية شاملة منذ الاستقلال، ولم ننجح طوال ٦٥ سنة في تحقيق المشروع الوطني المُتوافق عليه من كل السودانيين، منوهاً إلى أن مبادرته تقوم على أسس للتسوية الشاملة، عبر توحيد الكتلة الانتقالية في برنامج وطني يحافظ على الانتقال ويرعاه.
مؤكداً أهمية إصلاح القطاع الأمني والعسكري للوصول إلى جيش مهني وقومي، فضلاً عن توحيد مراكز القرار داخل الدولة عبر آليات متفق عليها بالذات في السياسة الخارجية.
وقال إن المبادرة ترتكز على إنجاح عملية السلام واستكمال بقية مراحلها، موضحاً أهمية تحقيق العدالة وعدم الإفلات من العقاب، مشيراً إلى تقوية التوجه الحكومي لعلاج المشكلة الاقتصادية، منوهاً إلى أنهم قضوا سنتين متشاكسين في البرنامج الاقتصادي.
بالإضافة إلى أن ارتكاز المبادرة على إنجاح عملية السلام واستكمال بقية مراحلها، ومعالجة قضية العدالة بأسس واضحة تضمن عدم الإفلات من العقاب وإنصاف الضحايا وأسرهم.
وأضاف في مؤتمر صحفي أمس، أن مبادرة وطنية لحل الأزمات الاقتصادية والسياسية في البلاد، تشمل توحيد المؤسسة العسكرية ومراكز القرار في الدولة وتكوين المجلس التشريعي خلال شهر واحد، وتوحيد مراكز القرار داخل الدولة وخصوصاً السياسة الخارجية إلى جانب المؤسسة العسكرية، وقال إنه سيتم طرح المبادرة على كل السياسيين، منهم المدنيين والعسكريين، لإنشاء آلية باسم آلية حماية الفترة الانتقالية.
وقال إذا لم ننجح في حل أزمتنا السياسية، ستظل جميع الملفات الأخرى “واقفة” في مكانها. وأضاف: الواقع مُخيفٌ حالياً، في أن يكون السودان أو لا يكون.
واضحة في التشظي الحالي في كل المؤسسات، تشظٍ بين المدني والمدني نراه في الحرية والتغيير، والتشظي في تحديات الشركات بين المدنيين والعسكريين، أيضاً التشظي العسكري العسكري داخل المؤسسة وهذه واحدة من الأشياء المُقلقة جداً.

رد المجلس المركزي
بعض مكونات مركزية قحت أكدت أنها لا تحتاج إلى مبادرة من رئيس الوزراء لإصلاحها لأنها أدرى بتفاصيل الصراع، مشيرة إلى أن إصلاح الحرية والتغيير، وصفت حديث حمدوك عن توحد القوى السياسية والعلاقة بين المكونين العسكري والمدني بـ(النوايا الطيبة)، مشيرة إلى أنه لا توجد مبادرة حقيقية لجمع أطراف الحرية والتغيير، لافتة إلى أن حمدوك قلق من مشاكل سياسية بين القوى السياسية والعسكر فيما بينهم، موضحة إلى أن العلاقة بين الحرية والتغيير والسلطة التنفيذية والسيادية تحتاج لإعادة ترتيب، وهي غير منظمة ولا بد من رؤية موحدة لقحت داخل قحت مع أطراف السلام، وبين السلطة التنفيذية ومجلس السيادة، وقالت إن بعض القوى السياسية تسعى إلى تدمير قحت، وتثير الفتن.
عضو مركزية الحرية والتغيير جمال إدريس أكد في تصريح لـ(السوداني) أنهم لم يسمعوا بمبادرة من حمدوك، وقال نحن نعمل على معالجة أوضاعنا في الحرية والتغيير، وقطعنا شوطاً طويلاً في توسعة الهياكل وتصحيح مسارها وإشراك القوى التي شاركت في الثورة.
تصدعات داخلية
المحلل السياسي ماهر أبو الجوخ يذهب في حديثه لـ(السوداني) إلى أن النقطة المركزية في مبادرة رئيس الوزراء هي إعادة القوى التي صنعت الثورة لمنصة التأسيس والاتفاق، وقال إنها تعرضت لتصدعات داخلية أثرت بشكل إجمالي على التأييد الشعبي والسند للمرحلة الانتقالية، بالتالي أهمية هذه المبادرات بما في ذلك التي أطلقها رئيس الوزراء أمس أنها تسعى إلى تحقيق وحدة قوى الثورة لأن الاستمرار في عدم الوحدة والاستنزاف للمعارك الثنائية وحرب الكل ضد الكل ستؤدي عملياً إلى إذهاب المرحلة الانتقالية ووقتها فإن السيناريو لن يكون انقلاباً أو ديكتاتورية وإنما انهياراً للدولة السودانية بشكل كامل.
أبو الجوخ أوضح أهمية توحيد قوى الثورة والتي عليها مسؤولية كبيرة للمحافظة على السودان كدولة، وقال إن مبادرة حمدوك فيما يختص بقوى الثورة وتشكيل المجلس التشريعي واستكمال مطلوبات السلام والتوصل إلى اتفاق سلام مع الحركة الشعبية شمال برئاسة الحلو كلها إجراءات باتت ضرورية ورفع الصوت عالياً بأن تلك الإجراءات بما فيها التشريعي الذي كان من المقرر تكوينة بعد 90 يوماً والآن نتحدث عن عامين، وأضاف: أن هذا الموقف يشدد على تشكيل التشريعي.
سيناريوهات الفشل
مراقبون لم يستبعدوا أن ترفض قحت مبادرة رئيس الوزراء، لأن الأمر الآن انتصار لفريقين بالحرية والتغيير الأول مهيمن على القرارات والآخر جالس على الرصيف يتفاجأ بها عبر وسائل الإعلام، وقالوا ربما تسللت إليهم قناعة بأن حمدوك استجاب للقوى التي اعتادت أن تجتمع معه عندما تنشب خلافات داخلية، مستدلين بالقوى التي ذهبت إليه وطالبته برفع الدعم عن الوقود عندما عارضت بعض مكونات قحت للقرار، لكن السؤال الذي يحتاج إلى إجابة ما الذي يحدث إذا رفضت القوى السياسية المبادرة أو تركتها جانباً ؟
المحلل السياسي ماهر أبوالجوخ رأي في تصريح لـ(السوداني) أنه إذا فشلت المبادرة ولم تستجب القوى السياسية ولم يتم تشكيل المجلس التشريعي خلال المدة المحددة فإن هناك سيناريوهين، الأول إما أن يعتبر رئيس الوزراء ما تم هو سحب ثقة منه بالتالي تقديم استقالته، وسيناريو ثاني أن يعتبر هذا الفشل تفويضاً لحكومته وشخصه لاتخاذ مايراه مناسباً لحل أي من تلك الملفات، وقال احتمال نجاح المبادرة وارد وكذلك فشلها وارد وفي كلا الحالتين لن يكون المشهد كما هو عليه اليوم.
30 يونيو
تحليلات أشارت إلى أن رئيس الورزاء عبدالله حمدوك قدم خطاباً للشعب السوداني الأسبوع الماضي، وقدم أمس مبادرة لتوحيد القوى السياسية، وتساءلوا لماذا خرج حمدوك للمواطنين في فترة قريبة وقبل 30 يونيو؟، ونوهت إلى أنه يريد أن يمتص غضب المواطنين والقوى السياسية التي تطالب بالسقوط الثالث بأنه ليس ضعيفاً، ويريد إرسال رسالة بأنه يعمل من أجل إنجاح الفترة الانتقالية.
آخرون قللوا من هذه الفرضية وقالوا إن القوى السياسية قررت الخروج نهاية يونيو، بالتالي فإن خطاب حمدوك لن يغير شيئاً، مشيرين إلى أن هذه المبادرة مرتبطة بنجاح مرحلة انتقالية وليس 30 يونيو، كما أن الحكومة تحتاج لأرضية شعبية وسياسية تسندها لأن الوضع السياسي الآن هش ويظهر في الوضع بالبلاد إجمالاً، مؤكدين أنه لا بد من خلق واقع سياسي مستقر لأن الوضع بتعقيده الحالي مشكلة كبيرة.
ذهاب الحكومة
محللون سياسيون رفضوا الربط بين توقيت المبادرة وبين تعليق المفاوضات بين الحكومة والحركة الشعبية شمال جناح عبدالعزيز الحلو، وبين الأوضاع الاقتصادية المعقدة التي يعيشها المواطنون الآن، وقالوا المفاوضات لم تفشل بل تم توقيع اتفاق في القضايا الرئيسة المتفق حولها بما في ذلك الحكم الذاتي الذي تم إقراره بقانون، وبالتالي الوضع لا علاقة له بالأوضاع الاقتصادية، لأنه إذا ذهبت الحكومة الحالية بأي شكل فإن الحكومة القادمة ستستمر في نفس السياسات، مشيرين إلى أن الصراع السياسي الداخلي بالحرية والتغيير ذهب مراحل بعيدة أثر على الحكومة وأدائها التنفيذي وشعبيتها وهذا يعتبر تحدياً، مشيرين إلى أنه عندما كانت القوى متفقة كان الشارع يقف معها، لكن حالة التشتت السياسي أغضبت الشارع لذلك تم إطلاق المبادرة.
مبادرة اللجنة الفنية
20 مايو الماضي أطلقت اللجنة الفنية لإصلاح الحرية والتغيير مبادرة للإصلاح بدار الأمة القومي ضم الاجتماع عددا كبيرا من القوى السياسية وتجمع المهنيين وبعض الأجسام المطلبية والمبادرات الوطنية والمنابر النسوية لمواصلة النقاش حول مبادرة حزب الأمة القومي لمعالجة أزمة الحرية والتغيير والوضع الانتقالي، وأمن الاجتماع على ضرورة اختيار مكون مدني جديد لمجلس السيادة، وتجميد عمل المجلس المركزي للحرية.
اللجنة أكدت خلال الاجتماع أن المجلس المركزي للحرية والتغيير الحالي لا يمثل الحاضنة السياسية، وطالب بضرورة مخاطبة أجهزة الدولة لعدم اعتماد أي قرارات تصدر عنه إلى حين عقد المؤتمر التأسيسي، واختيار مجلس جديد يمثل الحرية والتغيير.
وكان قد تقرر عقد مؤتمر تأسيسي خلال 14 يوماً لهيكلة الحرية والتغيير، وحمل مسؤولية حالة التردي والعزلة بين الحاضنة السياسية والشارع للمجلس المركزي الحالي.
انقلاب المدنيين
عضو الحرية والتغيير أمجد فريد كتب على صفحته بالفيس بوك أن المبادرة التي طرحها د. عبدالله حمدوك أمس، حول إصلاح الطريق الذي تمضي فيه الثورة، بما يمثل تغييراً جديداً في توازن القوى ويكاد يماثل لحظة ٣٠ يونيو ٢٠١٩ التي أعادت التوازن بعد مذبحة فض الاعتصام، معتبراً أن طرحها يمثل الانقلاب المدني باتجاه إصلاح المسار نحو تحول مدني حقيقي ويقطع الطريق أمام الانقلاب العسكري، مشيراً إلى أن التشظي والانقسامات بين مكونات القوى السياسية المدنية، والتوتر المتزايد بين المكونات العسكرية وتحديداً الجيش والدعم السريع، هي العوامل الأكبر في التمهيد لانقلاب عسكري أو إشعال حرب أهلية في البلاد.
هذه المبادرة مرتكزها الأساسي هو توحيد أكبر كتلة ثورية باتجاه تحقيق أهداف الثورة الأساسية والمحورية. وأكبر وأهم هذه الأهداف هو إصلاح المؤسسة العسكرية والأمنية في تركيبها الداخلي وتعاملها مع المجتمع، بهدف تكوين جيش واحد جديد يضم الجميع ويكون له عقيدة واحدة تمثل حماية الوطن والحدود والخضوع للقيادة السياسية المدنية في إطار شكل علاقة مؤسسية واضحة يحكمها القانون. الجيش والمؤسسات الأمنية والعسكرية يجب أن تكون جزءاً من جهاز الدولة وليس تكويناً فوقها ويسود عليها، ويتضمن ذلك خروج الجيش والأمن ومؤسساتهما من مجال الاقتصاد الذي يتم فيه استغلال النفوذ المؤسسي لهذه المؤسسات بشكل غير عادل وفي نفس الوقت يحد من سيطرة مؤسسات الدولة المدنية (وزارة المالية) على المال العام، وقال إن ترك هذه النقطة للعسكريين وحدهم (إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والعسكرية) هو أحد أكبر النواقص التي شابت صياغة الوثيقة الدستورية، وفي اعتقادي أن ما طرحه د. حمدوك يتجاوز هذا الطرح إلى إعادة تكوين جديد لهذه المؤسسات وإعادة هذا التكوين يجب أن يكون محوره المواطنين والمدنيين باعتبار أن الأجهزة الأمنية والعسكرية هي أجهزة دولة معنية بتقديم خدمة الأمن والحماية لهؤلاء المواطنين وبالتالي يجب أن تكون خدمتهم وهمومهم هي مركزها وليس غير ذلك.
ما أشار إليه د. حمدوك أيضاً حول توحيد مراكز القرار (خصوصاً في السياسة الخارجية وإيقاف رحلات الشتاء والصيف للطائرات القادمة من والمغادرة إلى تل أبيب بواسطة أحد مراكز اتخاذ القرار في الدولة بدون تنسيق مع الآخرين والزيارات غير المتفق عليها بين مراكز المحاور المختلفة)، وتنفيذ وإكمال اتفاقيات السلام، وتكوين المجلس التنفيذي خلال شهر والذي يجب أن يكون ممثلاً حقيقياً ويضم كافة وكل القوى الوطنية التي ساهمت في إنجاز الثورة وإنهاء هذه (المحركة: كما وصفها حمدوك حول محاولات احتكاره)، بالإضافة إلى مطلب الثورة المركزي حول قضية العدالة وانهاء الإفلات من العقاب وقضايا المحكمة الجنائية الدولية، والتوافق حول سياسات الإصلاح الاقتصادي بحوار جاد وعلمي، بالإضافة إلى تفكيك دولة الحزب لصالح تكوين دولة الوطن وذلك عبر مؤسسات عدلية وشفافة، هي كلها أهداف مهمة للانتقال وتتطلب تكوين آلية حماية هذا الانتقال بحسب أهداف الانتقال التي لخصتها المبادرة، وترك التشاكس السياسي حول ما يتعدى هذه الأهداف لحين إكمال تحقيقها والتأسيس لنظام سياسي مستقر يستطيع استيعاب مثل هذا الصراع.

Leave A Reply

Your email address will not be published.