مساحة الشعور عندما تفوق مساحة العطاء

همسة تربوية… د.عبدالله إبراهيم علي أحمد

أحياناً قد لا نحتاج الشخص الذي يعطينا المظلة، وإنما نحتاج الشخص الذي يبتل معنا، فمساحة الشعور تفوق مساحة العطاء، فمن يشتري خاطرك وأنت الغلطان، فاشتريه بعمرك وأنت الكسبان، فهناك أشياء تُعطَى ولا تُطلَب، كالاهتمام والمحبة والتواصل والوفاء والمشاعر وغيرها، فمن أسرار السعادة، مساعدة الآخرين والوقوف معهم، فالشعور بالآخرين حاسة سادسة لا يمتلكها إلا الأتقياء، وأبسط العطاء الإبتسامة في وجوه الآخرين خصوصاً حين يحزنون، فهي خصلة قد يفتقدها الكثيرون.
والعطاء كلمة حلوة تحمل في طياتها كل الجمال، فنحن في عصرٍ يغلب عليهِ طابع المادة وتحقيق الذات والوصول إلى ما نريد، وقليل من يشعر بالآخرين، فكما نحن نعيش لتحقيق أهدفٍ معينة، فالآخرون يبحثون عن أشياء تخصهم أيضاً، وقد تختلف أهدافهم عنا، وقد يحتاجون الى شعور بالعطاء يفيدهم، فالعطاء من الممكن وصفهُ بأنه القلب الذي يعطي من دون مقابل، فما أجمله من شعور للذي يأثر على من حولهُ، وغالباً ما نجد أن الشخص الذي يمنح هذا العطاء يشعر بالأمان والراحة في حياته، فيا ليت تعلمنا ثقافة العطاء منذ الصغر، والكثيرون يعطون بدون مقابل وبعضهم قتلتهم ظروق الحياة، غير أن الحياةَ لا تقتل أحد، بل نحن من نقتل أنفسنا. والإهتمام يحتاجهُ الجميع سواء أن كان كبيراً  أو صغيراً، ولو خيروني بين شخص يحبني وآخر يهتم بأمري، لأخترت من يهتم بي أكثر، والاهتمام لا يحتاج أن تعرف تفاصيل حياة من تهتم بأمره،  فهو شيء نابع من القلب، وما أقبحَ الخيانة فهي تقتل كل شيء جميل قد يبنيهِ شخص لأجل إنسان، والمساعدة عند الحاجة لأمرٍ مهم، وإياك أن تتخلى عن مد يد العون.
ويحضرني مثلاً صينياً يقول: (من يريد السعادة لمدة ساعة، فليأخذ قيلولة، ومن يريد السعادة لمدة يوم، فليذهب للصيد، ومن يريد السعادة لمدة عام، فليرث ثروة، ومن يريد السعادة طول حياته، فليساعد الآخرين)، وأشار عظماء المفكرين أيضاً إلى نفس الأمر حيث قالوا: تكمن السعادة في مساعدة الآخرين، فعلى قدر ما تعطي تأخذ، والمعنى الحقيقي للحياة هو خدمة البشرية.
نعم نحن نعيش بما نأخذ ونصنع حياةً بما نعطي، ويقول محمد يونس الحائز على جائزة نوبل للسلام في ذات السياق: الحصول على المال سعادة وجعل الناس سعداء هو قمة السعادة، وعطاء الآخرين أمر جيد لك بقدر ما هو جيد لهم، لأن العطاء يمنحك هدف، وعندما يكون لديك هدف تسعى إلى تحقيقه تكون إنساناً سعيداً، هكذا نتعلم أن العطاء أفضل من الأخذ، هذا القول المأثور معروف لدينا منذ الأزل، حيث أظهرت الأبحاث العلمية بيانات مثبتة تفيد بأن العطاء وسيلة قوية لنضج الإنسان، وعنصر أساسي لدوام السعادة، كما أظهرت الدراسات أيضاً، أن الإيثار له تأثير قوي على الدماغ ويؤدي إلى الشعور بالسعادة، فلا يهم كم سنعطي، بل المهم هو مدى رغبتنا في العطاء، فمن الطبيعي أن نحب أمراً ونكره آخر، ولا بأس في ذلك، فليس المهم اختيار الأمر الصحيح، إنما اختيار ما نراه مناسباً لنا أيضاً.
ويقول هارفورد مايكل نورتن:
العطاء بهدف يحدد ما الذي سيفعلونه بمالك، ويؤدي ذلك إلى الشعور بسعادة أكثر من منحك المال وأنت لا تعلم في أي شيء سيستخدم!، فالمطلوب معرفة طرائق الدمج بين الرغبات والمهارات وبين ما يحتاجه الآخرون.
أخيراً البعض يشعر بشيء من الخوف بأن يُفهم العطاء على أنه نوع من التملق، على سبيل المثال عندما يطلب أصدقاؤنا أن نقدم تبرعات، وفي هذه الحالة بعضنا يعطي لتجنب الشعور بالخزي بدلاً من العطاء من باب الكرم أو الاهتمام، فلا يشعرنا هذا النوع من العطاء بالرضا وإنما يؤدي إلى الشعور بالاستياء.

Leave A Reply

Your email address will not be published.