يامريم..ماكان أبوك

أجندة || عبد الحميد عوض

(1)
ايام مفاوضات نيفاشا، اتصلت هاتفياً بسيد الخطيب الناطق الرسمي باسم الوفد الحكومي، لأسأله عن آخر ما توصل إليه التفاوض، وقبل أن أكمل سؤالي، بادر بإغلاق سماعة الهاتف في وجهي، دون أن يتطلف بي ويعتذر.
تواصلت بعد ذلك مع دينق الور،الناطق باسم الحركة الشعبية، فسألته طلبي، وبكل تقدير أرشدني على سيد الخطيب، فأشرت إليه بأن “الخطيب السيد” أغلق السماعة في وجهي، فتعاطف الور معي، واستغرب التعامل بتلك الطريقة مع صحفي، قلت له، إن المشكلة ليس في “الخطيب” إنما في السلطة التي تغير طبائع الناس ومعاملتهم، وراهنته على أنه لو جاء هو وزيراً بعد المفاوضات، سيعيد ما فعله سيد الخطيب معي أو مع غيري من الزملاء.
مضت الأيام والسنوات، وجاء دينق الور، وزيراً للخارجية، وفي يوم من الأيام، لاحقته بحثاً عن معلومة، فضاق بي ذرعاً بعد أكثر من مكالمة فأغلق الهاتف في وجهي، ولم أحزن لحظتها لأني كسبت الرهان.
(2)
مريم الصادق المهدي،وهي في صفوف المعارضة، أوجدت علاقة جيدة مع الصحافيين، وحرصت على التواصل معهم، وغالباً ما تدعوهم بنفسها لنشاطات الحزب، وتٌرسل لهم البيانات ومواقف حزبها من هاتفها الخاص، كما أنها سجلت حضوراً إعلامياً واسعاً على صفحات الصحف الورقية، والإذاعات، وقنوات التلفزة ، متحدثة عن حزبها وطائفتها، وأسرتها الكبيرة، والصغيرة، وكل قصص حياتها.
مريم لم تكن استثناء داخل حزب الأمة القومي، الذي يكن له الصحافيون تقديرا خاصا، مقابل تقديره لدور الصحافة، خاصة من جانب رئيس الحزب، الإمام الصادق المهدي، عليه شآبيب الرحمة والغفران، إذ تمسك الإمام في أصعب اللحظات باحترامه للصحافة في السلطة وحينما ينتقل لمقاعد المعارضة.
(3)
بعد أن تبوأت حقيبة الخارجية، تغيركل شيء عند مريم المنصورة ، فمنذ تعيينها في الثامن من فبرايرالماضي، لم تتكرم حتى تاريخ اليوم بتصريح صحفي خاص، ولا حوار لأي صحيفة سودانية وترفض- بشهادة الصحفيين خاصة الذين يغطون الشؤون الدبلوماسية- الرد على اتصالاتهم ورسائلهم، وعلى العكس من ذلك حاورتها بكل يسر عدد من القنوات الأجنبية، وللأمانة كان هناك تصريح يتيم قبل يومين للوكالة الحكومية
من عملوا في تغطية الشؤون الدبلوماسية، وضعوا مريم على رأس قائمة الأسوأ من بين كل الذين تعاقبوا على الوزارة خلال السنوات الأخيرة، بمعيار التعامل مع الصحفيين، ويستبعد بعضهم فرضية المقارنة اصلاً ، وإحقاقاً للحق فإن بعض وزراء العهد البائد، مثل مصطفى عثمان، وابراهيم غندور، وغيرهما كانوا الأكثر اهتماماً بمد الصحفيين بالمعلومات والتصريح لهم بصورة شبه يومية، رغم وجود ناطق رسمي باسم الوزارة، علماً انه حالياً لا وجود للمنصب حالياً، او قد يكون موجوداً بلا أثر.
(4)
دعك من التصريحات الخاصة او الحوارات المباشرة، فطوال مدة تعيينها في الوزراة، وحتى اللحظة لم تعقد السيدة الوزيرة، مؤتمراً صحفياً واحداً لوسائل الإعلام المحلية، يحدث ذلك رغم أهمية الملفات الساخنة التي تحركت فيها الوزيرة، بما يشمل ملف سد النهضة، والحدود مع اثيوبيا، وفي كل تلك الملفات تكتفي المنصورة بتصريحات في مجلس السيادة او مجلس الوزراء او مجلس الشركاء، لا يتم دعوة الصحفيين لها، ولا تٌطرح فيها أسئلة، ويأتي حديثها مبنيا على العموم، ولايُقدم أجوبة بقدر ما يثير أسئلة جديدة.
وفي نشاطها داخل وزارة الخارجية، يكتب مكتب إعلامها، ما يسميه خبراً، وهو آخر تصنيف يستحقه من بين جميع أشكال الكتابة، لأنه على درجة عالية من البؤس والفقر، ويهتم بالشكليات وتنعدم فيه المعلومات التي يبحث عنها الرأى العام.
(5)
-خذ مثالاً نشطت مريم الصادق المهدي، يميناً ويساراً، في المبادرة الأمارتية المثيرة للجدل، ومنذ أول يوم، وحتى إنتهت المبادرة بما إنتهت اليه، لم تخرج السيدة الوزيرة، بأي تصريح، يطلع الرأى العام السوداني، بماهية تلك المبادرة، وبنودها، وفائدة السودان منها، أو الأضرار التي يمكن تلحق به، حال قبوله بها، وتركت الباب واسعاً امام التكهنات والإشاعات.
(6)
خارج السودان، قدمت الوزيرة في مرات عديدة تنويرات للجاليات السودانية عن الملفات التي بيدها، وتحدثت عنها في ندوات، كما حدث في قطر، قبل فترة، أما داخلياً فلم تتكرم على”الجالية السودانية” بشيء من هذا القبيل، إلا مرة واحدة في تنوير خصص لوسائل الإعلام، مع التركيز على الاجنبي منها.
خلاصة الأمر، أن تعامل الدكتورة مريم مع الإعلام، جاء مخيباً لآمال من عرف المنصورة كسياسية معارضة، وأثبت في نفس أن معظم سياسيينا من طينة واحدة، كما اثبت أن السلطة تعمي البصر والبصيرة.

Leave A Reply

Your email address will not be published.