صنائع الخير والنهضة

البوني
(1 )
تزامنت المتغيرات السياسية في بلادنا والمتمثلة في ثورة ديسمبر العظيمة مع متغيرات عالمية وإقليمية ولعل أهمها ما أحدثته جائحة الكورونا من هزات اقتصادية واجتماعية والسياسات الاقتصادية (الصندوقية) التي بدأها دكتور البدوي ومن أعقبه من سياسات تحرير قاسية، كل هذا أدى الى ركود عام، فمكاتب الدولة في معظمها أصبحت تعمل بنصف طاقتها اللهم إلا المؤسسات الجبائية لما توفر من قدرات مالية للعاملين فيها . المدارس والجامعات تراجعت في أدائها الى مرحلة سلق البيض، أما السوق فأصابه الشلل التام اللهم الا في ما يؤكل ويشرب مع التقليل وبالطبع لايمكن ان تستمر الحياة بهذه الوتيرة فكل المؤمل الآن أن تبدأ رحلة التعافي لتعود الحياة الى طبيعتها ولو ببطء.
(2 )
فئتان لم تتأثرا بهذا الركود، الفئة الاأولى المسافرون وعلى وجه التحديد المغتربون والساعون للاغتراب، فهؤلاء أعدادهم في تزايد فنظرة الى مكاتب خدمات الجمهور التابعة للشرطة حيث الجوازات والتأشيرات تشعرك بان كل البلاد في حالة بحث عن سفر، اغترابا الى دول الخليج أو هجرة الى اوروبا أو المجهول وفي نفس الوقت سوف تلاحظ أقواما قادمين من بلاد مجاورة يبحثون عن الرقم الوطني السوداني، فكأنما هناك عملية إحلال وإبدال لسكان السودان مع عدم وجود لمصطلح الهجرة غير الشرعية في بلادنا وهذه قضية أخرى جلوها الان ، وتمعنوا في حركة الخارجين من السودان فهم من أعمار مختلفة ومستويات مهنية وأكاديمية وحرفية مختلفة، فكل هؤلاء قنعوا من خيرا في البلاد ومن حلول كان يظنونها قادمة مع المتغيرات السياسية فاختاروا الحلول الفردية.
(3 )
أما الفئة الثانية التي خرجت من حالة الركود الماثلة هي فئة الزراع من مزارعين وعمال زراعيين فهذه الأيام مع حلول فصل الخريف بكل تباشيره يمكننا القول ان هناك سبعة ملايين سودانية وسوداني (الرقم تقريبي مأخوذ من كتلة السكان والقوة العاملة فيها في مجال الزراعة) يخرجون كل صباح يحملون أدواتهم الزراعية الى الأرض كي يفلحوها وعدد النساء فيهم أكبر من عدد الرجال وغالبيتهم العظمى في مناطق الزراعة المطرية حيث لم تشق ترعة ولم يعبد طريق ولم تحفر بئر أو حتى حفير متوكلين على الحي الدائم طامعين في غيثه المبارك من أجل بذروهم التي يبذرونها ومن اجل حيواناتهم التي يرعونها حتى الذين في القطاع المروي قد تحركوا نحو حواشاتهم وهم ينظرون للسماء لفشل في الري، فهذه الملايين التي حركها الغيث النازل هم الذين يهبون الحياة لكل السودان فانظروا لحصائل الصادر التي فاقت السبعة مليارات (طبعا حصيلة متواضعة جدا جدا) لتروا انها جاءت مما ينتجه هؤلاء الملتصقون بالأرض، فالبترول قد ذهب مع الجنوب والذهب (حمدو في بطنو) وأنا ما بفسر وانت ما تقصر.
(4 )
بما أن اي عملية إصلاح لابد من ان تبدأ بالمعطيات فأي تعافٍ اقتصادي لابد من ان يبدأ بهؤلاء الملايين المشار إليهم لانهم مع توقف البعض عن العمل (الفقرة الاولى) ولجوء البعض للحلول الفردية (الفقرة الثانية) لم يبق إلا هؤلاء القابضون على الجمر، فهؤلاء لابد من ان يبدأ بهم اي إصلاح او أي محاولة للنهوض هم الذين يعطون أقصى ما عندهم لينتجوا أقل ما تجود به الأرض لعدم وجود المعينات وهنا تكمن المفارقة نفوس مبذولة وغيث نازل وأرض معطاءة وعائد ضئيل فإذا لم يفكك هذا اللغز، فلا إصلاح ولا نهضة ولا أمل. وغدا نفصل إن شاء الله.

Leave A Reply

Your email address will not be published.