ما بين الصحافة الإلكترونية والورقية.

خالد محمد إسماعيل.

 

نعيش اليوم عصر العولمة والمعلوماتية، ثورة الاتصالات، عصر التحول الرقمي وعصر الإعلام الإلكتروني.. لكن الإحلال الذي حدث للصحافة من ورقية إلى الكترونية له أيضاً تبعاته، شأنه شأن الدواء الذي لا يخلو من آثار جانبية، فالصحافة الإلكترونية وفرت للقارئ جهدين هما المال والوقت، المال الذي كان ينفقه على شراء صحيفته والمتصاعد تدريجياً، والوقت الذي كان يهدره في الحصول على صحيفته نفسها.
ولكن ما كل ما يتمناه المرء يدركه، كما يقال، فالصحافة الإلكترونية لا تعطي متصفحها متعة القراءة، إن كان يريد ذلك، بل تكون قاصرة على العناوين البارزة فقط، وحتى هذه الخدمة مربوطة بوجود الانترنت وجودته وسرعته، وهو أبطأ انترنت في المنطقة العربية، كما صنف مؤخراً، وهو نفسه خاضع لقبضه الحكومة ممثلة في الهيئة القومية للاتصالات، فبين الفينة والأخرى يتعرض الإنترنت للقطع المتعمد من قبل الحكومة لدواعٍ لا يعلمها المستخدم، كما أن الشريحة المستفيدة من خدمة الانترنت هم من يمتلكون أجهزة ذكية، وهذا غير متاح للجميع، ولا يجيد استخدامها الجميع، فكل هذه العوامل مجتمعة تضع الصحافة الإلكترونية كمنافس غير شرس للصحافة الورقية في بلادنا، في الوقت الذي اتجه فيه معظم المداومين على مطالعة الصحف في العالم للتحول للصحافة الإلكترونية on line، أما الصحافه الورقية نفسها من حيث الإمتاع، فلا بديل لها ومجتمعنا السوداني عرف بعشقه للقراءة عموماً وقراءه الصحف خصوصاً منذ القدم حتى قيل فيه: (القاهرة تكتب وبيروت تطبع والخرطوم تقرأ)، ويحكى في هذا الصدد أن الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة قال للرئيس الراحل جعفر نميري :”إنت تحكم خمسة عشر مليون سياسي”، حسب عدد سكان السودان آنذاك”، فكان حتى العامل الكادح والبائع على أرصفة الطرقات له صحيفته، وأذكر أن هناك كانت صحيفة تسمى “الشماشة” أوقفها نظام الإنقاذ القمعي في مهده، لكن القراء اليوم أصبحوا لا حول لهم ولا قوة أمام جنون الأسعار الذي لم تسلم منه حتى الصحف الورقية! فصار القارئ الحريص على اقتناء صحيفته اليومية، لا يتسنى له ذلك، إلا باستقطاع جزء من مصروفه اليومي المخصص لعيشه، وكما الخبز قوت الشعب مدعوماً من قبل الدولة، فمدخلات الصحافة هي الأخرى حَرية بالدعم وليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، فالغذاء يكون للجسد والذهن معاً، ولكن من يجرؤ على النطق بكلمة “الدعم” هذه؟ إلا أن يكون عنترة هذا الزمان، فالدعم يرى فيه خبراء الإصلاح الاقتصادي أنه سر التخلف الاقتصادي الذي تعاني منه الدول، وبناءً على هذا ينبغي محوه من قاموس اللغة، ومن ذاكره الأمة ما أمكن ذلك، وإذا دلفنا لعقد مقارنة بين مطالعي الصحافتين الإلكترونية والورقية، نجد أن قراء الصحافة الورقية ما زالوا كُثراً، وأنا واحد منهم، بل أجد نفسي مديناً لها لأنني نهلت منها الكثير، منذ أن تعلمت القراءة في المدارس، ثم غدت قراءة الصحف والمجلات هوايتي الأولى، وهذا الحال يجري على الكثير من بني جيلي، ولا أبالي إن قيل فيَّ: بأني غير مواكب للعولمة.. وبالعودة لارتفاع تكلفة مدخلات الصحافة الورقية، الذي أدى بدوره لارتفاع سعر الصحف السيارة، الذي هو الآخر قلص أرقام التوزيع لهذه الصحف، فإذا استمر الحال على هذا المنحى، قد يؤدي لتوقف الصحف الورقية عن الصدور؛ لأنها تصدر من مؤسسات تستوعب الكثير من الأيدي العاملة، مما يعني تشريد هذه الأيدي، وهي تعول أسراً، ولا نشاط لها سوى هذا المجال.
وإذا كانت الصحافة يطلق عليها “السلطة الرابعة” إذن هذه السلطة لها استحقاقها على الدولة، واستحقاقها دعمها كي تكتمل أركان الديمقراطية، وتكتمل أهم منابر حرية الرأي والتعبير، وهي الصحافة، ولا نظام ديمقراطي بدون صحافة حرة، ومدعومة من قبل الدولة.

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.