إلى أين تتجه سفينة الفترة الانتقالية؟!

صديق البادي

السياسات الداخلية والخارجية بينهما تكامل، وهما وجهان لعملة واحدة، والعلاقات الخارجية يفترض أن تبنى وفقاً للمصالح الداخلية التي تحدد بوصلتها، وهما لا ينفصلان، وبينهما وحدة اندماجية وتوأمة سيامية. والوطن شهد في الفترة الانتقالية تخبطاً في السياسات الاقتصادية بطريقة تعلم الزيانة في رؤوس اليتامى، نتج عنها تضخم رهيب وهبوط للقيمة الشرائية للعملة المحلية للدرك الأسفل، ويتم التمويل بالعجز بطباعة الأوراق النقدية بكميات هائلة بدون تغطية، وتشهد الأسواق فوضى وهمجية وارتفاعاً جنونياً في جميع الأسعار، والحديث عن سعى وزارة التجارة لضبطها ومراقبتها وتحديد السعر التأشيري لعشرة سلع ضرورية لم ينفذ حتى الآن، وذهب هباءً منثوراً.
إن قطاعات واسعة من الشعب تمثل الأغلبية الساحقة تعيش في معاناة وضائقة معيشية، والدخول والمرتبات أقل كثيراً من تغطية قيمة الضروريات، ولو في حدها الأدنى، ومن بين أسباب هذه الكارثة الاقتصادية والمالية والمعيشية صدور سياسات وقرارات هوجاء اتخذت ونفذت بزيادة مرتبات العاملين في الدولة بنسبة خمسمائة وخمسين في المائة، تحولت بعد فترة قصيرة من تنفيذها لمرارة في الحلوق ومعاناة أليمة في المعيشة، وكانت رواتب العاملين القديمة أفضل من الجديدة، وبدلاً من هذه الزيادات الكارثية كان الأجدى والأنفع هو إعادة التعاونيات في أماكن العمل والسكن، مع إعادة توزيع المواد التموينية بأسعار معقولة من المصانع وأماكن الإنتاج للمستهلك عبر اللجان الخدمية بالأحياء دون حاجة لوسطاء جشعين. وفي الأيام الفائتة أدلى بروفسور يعمل بجامعة الخرطوم بحديث ذهبت بذكره الركبان، وذكر العالم الجليل أن راتبه في الشهر خمسة وأربعين ألف جنيه، وهو يساوي منصرفات ونثريات ابنته الطالبة الجامعية، ولا يتبقى له من راتبه إلا صفر كبير.
وذكر المعلمون والمربون الأجلاء أن من عمل منهم عشرات السنين، وبلغ الدرجة الأولي فإن راتبه الشهري تسعة وعشرين ألف جنيه، أي ما يعادل حوالي ألف جنيه في اليوم، وأن الأسرة التي تتكون من خمسة أفراد، فإن هذا المبلغ الشهري يسد أربعة عشر في المائة من احتياجاتها، وتعاني الأسرة من عجز قدره ستة وثمانين في المائة، وعلى النقيض من ذلك تماماً يدور همس وجهر عن صرف بعض المسؤولين العاملين بالدولة في أعلى مراقيها مرتباتهم وامتيازاتهم بالعملة الحرة، وتأتيهم هذه المنح من السوق الأوربية المشتركة أو من غيرها من الخواجات، ومن حق أي سوداني أن يعمل في منظمة دولية أو إقليمية، ويتلقى مرتبه ومخصصاته بالعملات الأجنبية، وكذلك من حقه أن يكون له مكتب استشاري وتعاملات معهم ويصرف منهم بالعملات الحرة، ولكن لا يحق لأي سوداني يعمل في الحكومة وأجهزة الدولة ومؤسساتها أن يأخذ دولاراً واحداً من جهة أجنبية، بدلاً من أخذ راتبه ومخصصاته من خزينة الدولة، لأن في صرفه من جهة أجنبية شبهة رشوة ومفسدة وخدمة لها وتنفيذ أجندتها، ونرجو ألا يكون ما يتم تداوله على نطاق واسع صحيحاً. وكما ذكرت في المرة الفائتة فإن قوة التحمل قد نفدت أو كادت، وأن أساتذة جامعة الخرطوم سيتوقفون عن العمل حتى تتحقق مطالبهم، والموافقة على الأرقام التي حددوها، وكذلك قدم المعلمون مطالبهم وحددوا الأرقام التي تكفل لهم العيش في حد الكفاف والعفاف، وإذا لم تنفذ مطالبهم أعلنوا أنهم سيتوقفون عن العمل، وقطعاً أن كل الفئات الأخرى العاملة في الدولة تعاني نفس معاناتهم، ومطالبهم نفس المطالب، وإذا لم تنفذ فإنهم سيتوقفون عن العمل، وبذلك يحدث عصيان مدني شامل بكل هدوء بلا مظاهرات وهتافات وتخريب وحرائق، ولو أن الحكومة الانتقالية منذ البداية ركزت على العمل والإنتاج والاهتمام بهموم المواطنين وخدماتهم وقضاياهم الحيوية لما بلغت الأوضاع هذا الحد من السوء، ولما حدث انفلات أمني فظيع لم يشهد الوطن مثيلاً له من قبل. والمؤسف أن الحكومة والسلطة الانتقالية دخلت في معارك في غير معترك، وانشغلت بقضايا انصرافية، وخاضت في مسائل ليست من اختصاصها، وهي من صميم اختصاص الجمعية التأسيسية التي سيتم انتخابها بعد انتهاء أمد الفترة الانتقالية. والسيد رئيس الوزراء مكلف بقيادة الجهاز التنفيذي للدولة، ومطالب بالتركيز على هذه المهمة أكثر من أي اهتمامات جانبية أخرى، والمعروف أن (قحت) بكل ألوان طيفها هي التي رشحته واختارته لهذا الموقع، وأرادت أن تكون حاضنته السياسية، ولعله رضي على مضض أن تقوم بهذا الدور مع وقوفه على بعد مسافة متساوية من كل مكوناتها وأجندتها، عندما تحدث تباينات وخلافات بينها. وقدم مبادرة مكتوبة نشرها على الملأ، وهي من حيث الصياغة والعرض لابأس بها، ويمكن لكثيرين غيره أن يكتبوا مثلها أو أفضل منها، ولعل سيادته وانطلاقاً من تلك المبادرة أراد أن يخلق هيكلاً تنظيمياً باختياره لهيئة سبعينية قابلة للزيادة ولها رئيس، وبالضرورة ستوجد سكرتارية.. إلخ، وأيضاً تم اختيار لجنة فنية للمبادرة… وتبعاً لذلك توجد في الساحة قحت بهياكلها ومجلس شركاء السلطة والجبهة الثورية بكل مكوناتها، أضف لذلك الجسم التنظيمي لمبادرة دكتور حمدوك، ولو أقيم مجلس تشريعي انتقالي، واختير لعضويته العامة وعضوية لجانه المتخصصة أصحاب مؤهلات رفيعة وقدرات عالية وخبرات تراكمية كل في مجال تخصصه لوضع الخطط والبرامج والمتابعة والمراقبة، لأغنى ذلك عن كل تلك الحواضن… وأن من حق السيد رئيس الوزراء وغيره ومن حق المدنيين وكبار الجنرالات بمجلس السيادة أن يتطلع كل منهم لموقع رئيس الجمهورية إذا كان يأنس في نفسه القدرة والكفاءة، وهذا تطلع وحق مشروع لمن يرغب في الترشح لرئاسة الجمهورية في المستقبل، ولكن عليهم جميعاً أن يدركوا أن الفترة الانتقالية عندما تنتهي، ويتم انتخاب وتكوين برلمان سمِّه جمعية تأسيسية، فإن على أعضائها في الجلسة الافتتاحية الأولى وهي جلسة إجرائية اختيار رئيس البرلمان الذي يؤدي القسم أمام الأعضاء، ويبدأ في إدارة الجلسة بفتح باب الترشح لانتخاب رئيس مجلس السيادة والأربعة الآخرين، وبعد ذلك يتم فتح باب الترشيح لاختيار رئيس الوزراء الذي عليه أن يشكل حكومته بعد ذلك، ويتبع ذلك تكوين لجنة قومية لوضع الدستور ولجنة فنية وتعرض مواد الدستور بعد وضعه على الجمعية التأسيسية لتتم مناقشتها بنداً بنداً وعرض الدستور مكتملاً لإجازته بأغلبية ثلثي الأعضاء في مرحلة القراءة الأولى والثانية والثالثة، وبعد ذلك يعتمد الدستور ويصبح ساري المفعول. والجمعية التأسيسية القادمة هي التي تحدد نوع الرئاسة في المرحلة التي تلي إجازة الدستور المرتقب، وهل يحكم السودان بنظام رئاسي، ويتم انتخاب رئيس الجمهورية انتخاباً حراً مباشراً من الشعب عبر صناديق الاقتراع، أم هل يتم التوافق على نظام رئاسي برلماني يختار فيه البرلمان رئيس الجمهورية، ومن الخيارات التي يمكن أن تقدم هو اختيار نظام مزدوج رئاسي وبرلماني (برلماسي) كما هو مطبق في فرنسا بانتخاب رئيس الجمهورية انتخاباً مباشراً من الشعب وانتخاب البرلمان لرئيس الوزراء، ولكل منهما سلطات واضحة محددة . وخلاصة القول إن انتهاء فترة السلطة الانتقالية الحالية لن تشهد انتخاب رئيس جمهورية، بل ستشهد انتخاب جمعية تأسيسية، وعليه فإن كل من يتطلع تطلعاً مشروعاً لموقع رئيس الجمهورية فإن عليه أن ينتظر حتى تنتهي الفترة الانتقالية وتنتهي فترة حكم النظام البرلماني الذي يلي الفترة الانتقالية حالياً وبغير ذلك سيهدرون طاقاتهم ويبددون أموالهم بلا فائدة في هذه الفترة سعياً لذلك الهدف… وفي نيجيريا كان أوباسانجو حاكماً عسكرياً لنيجيريا لفترة انتقالية وأوفى بعهده ووعده وأعاد السلطة للشعب، وأجريت انتخابات عامة فاز بها شيخو شقاري بموقع رئيس الجمهورية، وبعد سنوات عاد أوباسانجو للسلطة في ثياب مدنية، بعد أن خاض الانتخابات الرئاسية، وفاز وتولى السلطة حتى انتهت دورة رئاسته، وهو الآن المفوض السامي للاتحاد الأفريقي في القرن الأفريقي وليأخذ من هم في السلطة في الفترة الانتقالية، عسكريين ومدنيين، هذا الدرس من أوباسانجو ومن المشير سوار الدهب.

Leave A Reply

Your email address will not be published.