وزير المالية السابق المدير التنفيذي لمنتدى البحوث الاقتصادية لمنطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط دكتور إبراهيم البدوي لـ(السوداني):(1) هذه الفترة الانتقالية أكثر تعقيداً فيها ثنائيات عدمية هناك تعقيدات كبيرة مرتبطة بهذا الانتقال ومرتبطة بالثورة نفسها

تمرّ الساحة السياسية السودانية بتعقيدات منقطعة النظير، أفرزت حالة من الضبابية لمآلاتالأوضاع في الفترة القادمة، وفاقم من الأوضاع المأزومة، توتر العلاقة بين أحزاب الحاضنة السياسية ممثلة في أحزاب وتنظيمات قوى الحرية والتغيير من جهة، وبين المكونين المدني والعسكري من جهة أخرى، التي يبدو أنها وصلت إلى طريق مسدود، كما أن الاختلاف بين قوى الحرية والتغيير أدى إلى إضعاف الحاضنة السياسية، وتجيء هذه التباينات في وقت تشهد فيه الساحة أوضاعاً اقتصادية وأمنية متدهورة.
(السوداني) أجرت حواراً شاملاً مع وزير المالية السابق دكتور إبراهيم البدوي، قدم خلاله قراءة موضوعية للتحديات التي تجابه حكومة الفترة الانتقالية، كما قدم تشريحاً للحالة الاقتصادية ووصفة للعلاج. والبدوي عرف باعتداله في تناول القضايا السياسية ونظره إلى القضايا من زاويا موضوعية، إضافة إلى أنه الخبير الاقتصادي الذي أحدث جدلاً إبان توليه منصب وزير المالية في أول تشكيلة لحكومة الثورة عندما شرع في مضاعفة الأجور وتطبيق سياسات اقتصادية انتقدتها بعض الأحزاب، لكن كان لديه مرافعاته المهنية التي تباينت حولها وجهات النظر.. الحوار تناول قضايا الراهن، السياسية والاقتصادية فإلى مضابطه.
حوار: فاطمة مبارك
#أهلاً بكم دكتور إبراهيم؟
شكراً على الاستضافة، وأنا سعيد بإتاحة الفرصة لي للنقاش حول الأوضاع السياسية والاقتصادية الراهنة ومآلاتها واستشراف المستقبل.
#كيف تنظر إلى أوضاع الراهن السياسي؟
هذا سؤال محوري ومهم جداً، وأنا كمراقب شأني شأن معظم السودانيين المهتمين بالشأن العام، أعتقد أن الانتقال في فترة مابعد ثورة 19 ديسمبر المجيدة مقارنة بالانتقالات السابقة التي تمت بعد ثورة أكتوبر 1964م وانتفاضة “مارس/ابريل” 1985م،أعتقدأن هذا الانتقال بالذات تكتنفه صعوبات كبيرة جداً.
#ماسبب هذه الصعوبات؟
هناك تعقيدات كبيرة مرتبطة بهذا الانتقال ومرتبطة بالثورة نفسها،وجزء كبير جداً أيضاًمرتبط بطبيعة نظام عمر البشير،الذي كان أشبه بالاستعمار الاستيطاني، وعنده تركه ثقيلة جداً تنوء بها العصبة أولي القوة، فالسلطة الانتقالية والفترة الانتقالية والحاضنة السياسيةالانتقالية،تحملت مسؤوليات كبيرة جداً، وبالتالي لابد أن ترتقي إلى مستوىالمسؤولية والتحدي.
#هل تتوفر الظروف لهذا الارتقاء؟
للأسف، الكسب العام للفترة الانتقالية يعوزه الكثير من ناحية الإنجاز،والأخطر من ذلك من ناحية المفاهيم والرؤية..على سبيل المثال،إذا نظرنا إلى الفترة الأخيرة بعد سقوط نظام جعفر نميري، نجد أن القيادة العسكرية كانت لديها رؤية واضحة،وليس لديها أيأهداف أوطموحات سياسية.. المشير سوار الذهب كان همه الأساسي تسليم السلطة للمدنيين، وبعض المراقبين آنذاك كانوا يرون أن المسألة كانت متعجلة،ربما كان يستحسن أن تطول الفترة الانتقالية لفترة حتي تهيئ البلاد بصورة أفضل، والأحزاب نفسها تتهيأ.
#ماذا بشانالأوضاع الآن؟
الآن البلاد تُحكم بواسطة شراكة بين المكونين العسكري والمدني، والمكون العسكري هو شريك أصيل في الثورة بحكم انحيازه التام والمهم جداً في مرحلة مفصلية، لكن أيضاً حدثت أحداث هزت هذه الشراكة علىرأسها جريمة فض الاعتصام، وهذا موضوع معالجته تحتاج إلى حكمة وأمانة فكرية وشجاعة من قبل قادة الطرفين، وهذه واحدة من المعضلات.. لدينا أيضاً الوضع البنيوي للقوات المسلحة المتعلق بثنائية الجيش والدعم السريع، وهذه مسألة تعمدت بصيرورة لها علاقة بالثورة نفسها، حيث لعب الدعم السريع دوراً أساسياً ومهماً جداً بجانب الجيش في دعم الثورة، وبذلك أصبحت له مرجعيته..مسألة توحيد القوات مسألة لابد منها،لكنها تحتاج إلى تفاهمات وتسوية ولا أحد يتحدث عن هذه التسوية بصورة واضحة حتى يتفهم الناس.
#هل هناك موضوعات أخرى؟
الموضوع الآخر، هناك لاعب جديد دخل الملعب السياسي، حركات الكفاح المسلح واتفاقية جوبا، وبالتالي أصبحت الحاجة إلى عقد اجتماعي مهمة جداً،حتى ينظم طبيعة العلاقة بين طبيعة هذه القوى وينظم مؤسسة الحرية والتغيير بالعودة إلى منصة التأسيس وكل الاعتبارات المهمة التي لابد منها،حتى يكون هناك ربط بين هيكلة الحرية والتغيير وعلاقتها بالمؤسسات الانتقالية مثل السلطة التنفيذية والتشريعية والسيادية في مجلس السيادة.. هذه كلها مسائل معقدة جداً،لذلك أفرزت حالة من عدم اليقين والجزع وسط الشعب السوداني.. والسؤال إلىأين نمضي؟ وماهيمآلات الفترة الانتقالية؟ هناك تعقيدات كبيرة متعلقة بالعلاقة بين الحواضن،فلم تعد لدينا حاضنة بل أصبحت لدينا حواضن.. الحواضن السياسية للسلطة الانتقالية وبين شباب الثورة،وأفتكر اعتزال شباب الثورةللتواصل والعمل المشترك مع الحواضن السياسية يعدّ من أكبر المهددات للثورة.
#من المسؤول من عدم تواصل الشباب؟
في رأيي هذا قصور كبير جداً من قيادة الحرية والتغيير، أنها لم تستطع استقطاب الشباب،لأن الشباب هم أصحاب المصلحة الحقيقية في مستقبل هذه الثورة، وهم الذين صنعوها وهناك بالطبع فاعلون آخرون،لكن غربة الشباب من ما يحدث الآن خلل كبير في الفترة الانتقالية،أيضاً تكلس وبرود الحالة النفسية الثورية التي اجتاحت الشعب السوداني في بدايات الثورة والإحساس بالقنوط، وهذه كلها من المسائل التي تعد مهددات كبيرة لمآلات الثورة.
#…………..؟
طبعاً الراحل المغفور له بإذن الله دكتور منصور خالد في كتابه المشهور “النخبة السودانية وإدمان الفشل”،تعرض إلى عدم قدرة النخبة السودانية على تجاوز معادلات صفرية مدمرة،وهذا نفسه موضوع بحث أهتم به أنا مع آخرين، موضوع مايسمى بالمتلازمة السودانية،وهيأن تكون هناك حالة ثورية بعد نظام شمولي متطاول ألحق ضرراً بالبلاد والعباد، وتتراص الصفوف ويتم عمل ثوري كبير يطيح بالنظام، ويسنده تحالف كبير بين القوى السياسية والاجتماعية، لكن بعد نجاح الثورة تبدأ الخلافات حتى في أثناء الفترة الانتقالية، وتأتي الانتخابات معبرة عن تنافس انتخابي وليس عن مشروع تحول ديمقراطي حقيقي، وبالتالي هذه المشروع لايصمد وسط الخلافات وعدم الإحساس بالتغيير، وبالتالي البلد تكون مهيأة لردة شمولية جديدة.. أعتقد أننا لم نستفد كشعب ونخبة بالذات من التجارب السابقة مثلما يظهر الآن..
# تقصد أن التجربة الانتقالية الحالية تحمل ملامح نفس التجارب السابقة؟
هذه التجربة أكثر تعقيداً،فيها ثنائيات عدمية،على سبيل المثال يمكننا القولإن هناك ثنائية وإن كانت ليست واضحة بصورة كبيرة،بين الكتلة الحضرية الموجودة في الخرطوم والمدن الكبرى خاصة الجزء الشبابي منها وبين الريف السوداني،ويمكن أن نعد الريف السوداني كتلة تقليدية تمثلها قوى سياسية معينة، والكتلة الحرجة الحضرية،ربما تكون هناك قوى مختلفة تمثلها أوعلى الأقل نقول إنها كتلة ولاؤها السياسي في طور التكوين، وبالتالي أعتقد هذا تحدياً في أننا نبني أجساماً سياسية أو نعيد إطلاق المشروع الديمقراطي المستند إلى الأحزاب السياسية،بحيث إنها تستطيع عمل مواءمة بين الكتلتين.. هذه مسألة مهمة..المسألة الثانية التحدي الكبير جداً،هو الثنائية المتعلقة بالفعل الثوري السلمي الذي حدث في شوارع الخرطوم والمدن الكبرى،والفعل الثوري المسلح التراكمي الذي أحدثته الحركات المسلحة طيلة الفترة الماضية، التي أيضاً ساهمت في إضعاف النظام البائد،لابد أن يكون هناك نوع من المواءمة.
#ما ضرورة هذه المواءمة التي ذكرتها؟
الآن هناك تقاطعات،فمثلاً الإعلان السياسي الذي تم في (8سبتمبر) هو إعلان في رأيي ولد شبه ميت،لأنه لايمكن أن تكون أقوى حركتين من الحركات الموقعة على اتفاق جوبا، خاصة أنها في إقليم دارفور، خارج هذا الاتفاق، حتى الأحزاب الموقعة فيها بعض التباينات، وهذاواحد من التعقيدات،بالإضافة إلى أن دور الشباب في هذه المرحلة كان واضحاً جداً، في هذه الثورة والمرحلة الانتقالية، ولم يكن بنفس القوة والتأثير في الثورات السابقة..يمكن الطبيعة الديمغرافية والتحول الديمغرافي الذي حدث خلال الثلاثين سنة الماضية أفرزا وضعاً ديمغرافياً متفرداً،لم يكن موجوداً في المرحلتين الانتقاليتين السابقتين،فمسألة استيعاب الشباب وإعادة إطلاق المشروع والخطاب السياسي لكي يستقطب هؤلاء الشباب، أو هم أنفسهم يسعون لتكوين أحزاب أو حزب يمثل قطاعاً كبيراً منهم،أفتكرهذه استحقاقات مازالت غير موجودة..كذلك موضوع العدالة الانتقالية المتعلق بفض الاعتصام وموضوع توحيد الجيش،وأيضاً الطموحات السياسية للقيادة العسكرية في السلطة، هذه أعتقد تستوجب مساومات.
#ماهو تصورك لهذه المساومات؟
الثورة نجحت بتضحيات الشباب والمد الثوري القوي،لكن في النهاية كما ذكر الأخ الصديق الشفيع خضر،قال هذه الثورة على عظمتها لم تسقط نظام الإنقاذ بالضربة القاضية واحتاجت إلى مساومة وتسوية سياسية مع القيادة العسكرية التي انحازت للثورة،سواءأكانت قيادة الدعم السريع أو القوات المسلحة، وبالتالي تكون نفس ذهنيةالمساومة والتسوية برؤية وطنية ثاقبة،يجبأن تتمتسوية سياسية ومساومة وطنية وليست نفعية بمعايير واضحة تناقش على رؤوس الأشهاد.. فحتى نحصن الانتقال الديمقراطي وفي نفس الوقت نقتص لشهداء الثورة، نحتاج إلى تسوية سياسية تأخذ في الاعتبار الموقف السياسي العام واستحقاقات العدالة الانتقالية.
# ماهيأطراف هذه التسوية؟
تشمل القوى الثورية سواء في المجال المدني أو العسكري أوالشبابي أو الحزبي..الآن لدينا مسارات متباينة ومتوازية بالتالي أرىأن الإعلان السياسي لايمكن مقارنته بمشروع العقد الاجتماعي..
دعينا نعطي كل ذي حق حقه،ومشروع العقد الاجتماعي،صحيح قدمه الإمام الصادق وحزب الأمة، لكن أي تحليل موضوعي يعده أفضل الخيارات لأنه وفر عدة مزايا.
#مثل ماذا؟
أهمهاأنه وضع الأساس لبناء تحالف قاعدي يستند إلى مؤتمر تأسيسي، والمؤتمر التأسيسي ليس لتحديد الآليات المتعلقة بطبيعة العلاقات بين الأجسام الثورية، لكن أيضاً يوفر آليات تنظم العلاقة وحاكمية الحرية والتغيير وكتلة السلام وغيرها من هذه القوى،فيما يخص أداء مؤسسات الفترة الانتقالية، الآن الوضع مختل جداً، لدينا مجلس مركزي أو جسم يفترض أنه يمثل تحالف الثورة، هو عاجز عن ممارسة دور رقابي على السلطة التنفيذية أويتفق على مجلس تشريعي، وبالتالي أتاح مساحة للسلطة التنفيذية ومجلس الوزراء أن يكون المنفذ والحكم في نفس الوقت، وهذا خلل كبير جداً، ودكتور إبراهيم الأمين أشار إلى هذا الموضوع وأنا أتفق معه،ويعني أننا ليست لدينا مرجعية سياسية يعتد بها.
#لكن هناك أيضاً اختلاف حول العقد الاجتماعي؟
أعتقد الاختلاف حوله غير موضوعي وفيه دوافع، إما لتنافس سياسي أو لمكايدة سياسية،لكن لا توجد رؤية الآن بما في ذلك الإعلان السياسي تقدم بديلاً موضوعياً للعقد الاجتماعي،هذا العقد قدم إطاراً متيناً ويرد الأمر إلى مؤتمر تأسيسي يستند إلى دراسات عميقة حول أنظمة الحكم وتوطين مشروع سلام جوبا في إطار قومي..الإعداد لمرحلة الانتخابات وتقنين البنية القانونية والناظمة لعملية الانتقال الديمقراطي وتنظيم العلاقة مع المؤسسة العسكرية،هذه كلها الآن متروكة في الهواء..الإعلان السياسي إذا قُيّم بصورة موضوعية هوعبارة عن شعارات عامة، والاختلاف الذي حدث حوله أعمق بكثير من الاختلاف حول العقد الاجتماعي، لأنهناك قوى اجتماعية وسياسية غير موجودة في الإعلان.
#قلت في حوار سابق إن السودان موجود في ممر الحريةوالتطور الضيق.. هل هناك تهديدات لخروج السودان من هذا الممر؟
هناك تهديدات كبيرة جداً..السودان صحيح في ممر ضيق، وصحيح حدث انفراجإلى حد ما في الجانب الاقتصادي، لكن حدث تدهور في الجانب الأمني، ليس أمن المجتمعات والدولة إنما أمن الأفراد، وهذا مؤشر لوجود أزمة ممثلة في عدم قدرة الدولة على بسط الأمن واكتساب الهيبة والتقدير من قبل الكيانات المختلفة،سواءأكان فيما يخص الجريمة العادية المتمثلة في المدن أو الصراع الأهلي الموجود الآن في الأقاليم المختلفة، وهذا مهدد خطير جداً ويؤدي إلى إضعاف قيم ومعاني الثورة الديمقراطية، وقد يمهد لردة شمولية على ضوء عدم وجود محكم.. العقد الاجتماعيأفضل إذا تم بصورة توافقية وتم استيعاب الشباب والمؤسسة العسكرية.
#لماذا لم تتوقع النجاح للإعلان السياسي؟
من ضمن أسباب فشل الإعلان السياسي، أنه لايحظى بدعم المؤسسة العسكرية ولادعم حركتي دارفور، وهم بحكم الأمر الواقع شركاء أصيلين، والفترة الديمقراطية من ضمن ماتقتضيه الانتقال الديمقراطي وخضوع المؤسسة العسكرية للإدارة المدنية المنتخبة، فلابد من وجودهم، لذلك أنا تحدثت عن المساومات الوطنية التاريخية وهي ليست نفعية وإنما سياسة وطنية، لأن هناك حقائق، قوى موجودة تحكمها سوق السياسة، وأنت كصحفية أكيد سمعت كثيراً من تصريحات السياسيين الرنانةوالقادة العسكريين، لكن في واقع الأمر هم أشخاص يتعاملون في سوق السياسة، فيها حسابات ومصالح ومبادئ ونحن نحاول تعظيم المبادئ، لكن لانغفل أن المواقف السياسية أيضاً مدفوعة بمصالح حتى لو كانت أيديولوجية.

Leave A Reply

Your email address will not be published.