انتقال رئاسة السيادي للمدنيين.. وتشكيل التشريعي عقبات وتحديات

الخرطوم: مهند عبادي
لا يبدو أن الوفاء بالالتزام المنصوص عليه في الوثيقة الدستورية والمتعلق بانتقال رئاسة مجلس السيادة إلى المكون المدني، أمرٌ يمكن تحقيقه في ظل تطورات الأوضاع الحالية بالبلاد، والمشاهد الجديدة في المسرح السياسي المتحكم فيه من قبل بعض الجهات التي تديره وفقاً لأهدافها ومصالحها العليا، وهو الأمر الذي يجعل بقاء العسكر في رئاسة السيادة أمراً سيطول قبل أن تنتقل إلى المدنيين، إلى جانب صعوبة تشكيل التشريعي في الوقت الراهن؛ نظراً لعوامل عديدة في مقدمتها تعليق الاجتماعات المشتركة لمناقشة تشكيل التشريعي، والمتوقفة منذ فترة، قبل أن تأتي عليها الأحداث الأخيرة .
حسناً، أمس الأول أعلنت السفارة الأمريكية بالخرطوم، أن استمرار المساعدات الأمريكية للسودان مرهون بتنفيذ معايير تحقيق الانتقال الديمقراطي في البلاد، وعلى رأسها التوافق حول موعد نقل رئاسة مجلس السيادة إلى المكون المدني، ولكن بالنظر لما يدور في الساحة السياسية بالبلاد هذه الأيام، فقد عصفت الأحداث بكثير من الآجال المضروبة وفقاً للوثيقة الدستورية بخصوص إدارة المرحلة الانتقالية، ومن بينها بلا شك موعد رئاسة المدنيين للسيادي، وتشكيل التشريعي الذي أصبح أمر الوصول إليه في غاية الصعوبة، سيما وأن هناك من يؤكد بأن قلقاً عميقاً بدأ يعتري المكون العسكري مع تزايد تلقيهم أسئلة من مسؤولين غربيين عن موعد وكيفية انتقال السلطة من العسكريين إلى المدنيين في المجلس السيادي، الذي من المفترض أن يتم في 17 نوفمبر، وهو ما تلته وقائع تمثلت في الانفلات الأمني بالخرطوم وإقليم دارفور، ثم تصاعدت بإغلاق منطقة شرق السودان على يد “ترك” ناظر قبائل الهدندوة، وأخيراً الكشف عن الخلايا الإرهابية.
ويرجع مراقبون المماطلة والتأخير بالنسبة للتشريعي لرغبة شركاء السلطة الانتقالية في ممارسة سلطات التشريع وإجازة القوانين بسهولة دون تعقيد، ونصت الوثيقة الدستورية – التي تحكم فترة الانتقال، على أن يترأس المجلس السيادي فرد من المكون العسكري لمدة (18) شهر، فيما يرأسه بقية فترة الانتقال شخصية مدنية من مجلس السيادة، وأضاف تعديل جرى على الوثيقة الدستورية في 3 نوفمبر 2020، عاماً إلى فترة الانتقال المُقررة في البداية 39 شهراً، لتحسب اعتباراً من يوم توقيع اتفاق السلام في 3 أكتوبر 2020، لكن مسألة انتقال رئاسة المجلس السيادي إلى المكون المدني لم تكن مشمولة في التعديلات، كما نصت الوثيقة الدستورية الموقعة بين المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير في 17 أغسطس 2019، على أن يتكون المجلس التشريعي من (300) عضو بـ”التعيين”، على ألا تقل نسبة مشاركة النساء عن (40) في المائة، كما نصت على أن يشكل المجلس التشريعي ويباشر مهامه خلال 90 يوماً من تاريخ توقيع الوثيقة ذاتها، ويكون التشكيل بواقع (67) في المائة من قوى “إعلان الحرية والتغيير”، و(33) في المائة من القوى الأخرى المشاركة في الثورة، على أن يتم تسمية النسبة الأخيرة بالتشاور بين قوى الحرية ومجلس السيادة، وبالتالي، كان مقرراً الإعلان عن تشكيل المجلس التشريعي، في 17 نوفمبر 2019، وفقاً للوثيقة الدستورية الخاصة بالمرحلة الانتقالية، غير أن المجلس لم يتشكل حتى الآن، ولكن تأخير تشكيل المجلس التشريعي جعل مجلسي السيادة والوزراء، يقومان بدوره بعقد اجتماع مشترك يسمح لهما بإجازة القوانين والتشريعات، وسط انتقادات شديدة من قبل ناشطين وأحزاب وقوى سياسية حملت المجلسين أسباب تأخير تشكيل المجلس، وهو ما يرد عليه مسؤولون في المجلس بأن السبب يرجع إلى انتظار التوافق.
وبالعودة لبيان السفارة الأمريكية نجدها قد أوضحت نتائج زيارة المبعوث الخاص للقرن الأفريقي، جيفري فيلتمان للبلاد، وأن من شروط استمرار الدعم الأمريكي للسودان بدء عملية شاملة لتطوير رؤية جديدة للأمن القومي السوداني لتوجيه أجندة إصلاح قطاع الأمن تحت سلطة مدنية، مع الاعتراف بالدور المتكامل للقوات المسلحة في سودان ديمقراطي، بجانب إنشاء المجلس التشريعي الانتقالي، وإنشاء الإطار القانوني والمؤسسي لإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وإعادة تشكيل المحكمة الدستورية، وإقامة آليات للعدالة الانتقالية. وشدد البيان على ضرورة أن يعمل مجلس السيادة كهيئة جماعية في أداء المهام الموكلة إليه في الإعلان الدستوري، وقالت السفارة في بيانها: (ستواصل الولايات المتحدة مراقبة التطورات عن كثب، بالتنسيق مع الترويكا وشركائنا الآخرين في أوروبا، والأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي)، وأشار البيان إلى المبعوث الخاص فيلتمان شكر رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، بصفته رئيس الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (الإيقاد)، على التزامه بتعزيز الحل السلمي للصراع في إثيوبيا، حيث اتفقا على الضرورة الملحة للتوصل إلى وقف إطلاق النار عن طريق التفاوض السلمي ووصول المساعدات الإنسانية، دون عوائق إلى جميع الذين يعانون.
وقف التمدد التنفيذي
وفي غضون ذلك كانت هيئة محاميي دارفور، قد دعت القوى المدنية والثورية، للضغط في اتجاه انتقال رئاسة المجلس السيادي إلى المكون المدني، لوقف تمدده التنفيذي، ودعت الهيئة، في بيان “القوى المدنية ومكونات قوى الثورة الى التمسك والمطالبة بنقل رئاسة مجلس السيادة للمكون السيادي، وأضافت: “إن انتقال رئاسة المجلس السيادي للمكون المدني لا يعني في حد ذاته تصحيحاً للوضع الحالي المعيب، ولكنه ضروري لتعزيز السلطة المدنية، واستعادة مجلس السيادة لدوره التشريفي، ووقف تمدده على الجهاز التنفيذي، وأبدت الهيئة قلقها من تنامي اتجاه إجازة الاجتماعات المشتركة لمجلسي السيادة والوزراء مزيداً من القوانين، وقالت إنها “لاحظت اتجاه مجلسي السيادة والوزراء إلى تقنين مباشرتهما لمهام المجلس التشريعي الانتقالي، والاستمرار في ممارسة التشريع بصورة تخالف تدابير المهام الاستثنائية للانتقال، وأشارت إلى أن هذا الوضع “جعل التشريع الاستثنائي يتجاوز ظرفه ومهامه بسن القوانين التي تتطلب المصادقة عليها من سلطة تشريعية منتخبة، وطالبت الهيئة بالإسراع في تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي، والمقرر تكوينه من (300) عضو، ترشحهم قوى الحرية والتغيير وتنظيمات الجبهة الثورية والمكون العسكري في مجلس السيادة، ومنحت الوثيقة الدستورية صلاحيات المجلس التشريعي إلى اجتماع مشترك بين مجلسي السيادة والوزراء، إلى حين تشكيله.
دعم دولي
قضيتا تشكيل التشريعي وانتقال رئاسة السيادة للمدنيين، وجدتا الدعم من قبل المجتمع الدولي وآخرها بيان السفارة الأمريكية الذي سبقته تصريحات لسفيرة فرنسا في الخرطوم، وغيرها من التعليقات الداعمة لهذه القضايا، وهو فيما يبدو الذي شجع المجلس المركزي للحرية والتغيير في التحرك أخيراً وإبداء رأي أو موقف واضح فيما يتعلق بدعم انتقال الرئاسة للمدنيين، وإعلان تمسكه بالأمر، عقب التسريبات التي تحدثت عن مطالبة رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان بإبعاد محمد الفكي من المجلس، التحركات الدولية الداعمة للتحول الديمقراطي، بحسب الأستاذ محمد أحمد بشير، الناشط السياسي، ستعزز من رجاحة كفة المكون المدني على العسكريين، إذا ما تم استثمارها بشكل صحيح من قبل قوى الحرية والتغيير، وذلك يتطلب، بحسب محمد، الاعتراف بالأخطاء الكثيرة التي ارتكبتها في العامين الماضيين والتفكير بشكل جاد في العمل الجماعي والالتزام به بعيداً عن الأهداف والمصالح الحزبية والشخصية الضيقة، وهذا فقط ما يمكن عبره أن تتحصن المرحلة الانتقالية من أطماع العسكر والترتيب الجيد للانتخابات المقبلة، ويضيف محدثنا أن القوى السياسية إذا ما اتفقت وتركت التشاكس في البحث عن الامتيازات والمناصب، يمكنها أن تعجل بتشكيل التشريعي، ووقتها ستجد الحكومة نفسها مجبرة على التعامل والتهادن مع كل مكونات التحالف خشية تمرير قانون في المجلس يجيز سحب الثقة من الحكومة الانتقالية بأمر الشعب السوداني.

Leave A Reply

Your email address will not be published.