سؤال الإغلاق تتريس الشوارع .. تحقيق مطالب المعتصمين أم فتح الباب للانقلابيين؟

الخرطوم: الزين عثمان
يقول رئيس المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة محمد الأمين ترك لصحيفة (السوداني) إن الحكومة فاشلة وتستخف بقضية الشرق الذي أصبح إقليمه مثل كاودا فإذا استطاعت أن تدخلها بدون إذن رئيس الحركة الشعبية شمال عبد العزيز الحلو، فمرحباً بها”. وعلى هدى تصريحات الرجل الذي يغلق وأنصاره شرق السودان منذ أكثر من أسبوعين ويهدد بمزيد من التصعيد، فقد صارت البلاد الآن أشبه بكاودا مكبرة، فالجميع يمضي نحو تنفيذ سياسات الإغلاق والتصعيد انتظاراً لتحقيق مطلوباته في سودان الانتقال وإن شئت التعريف بدقة البلد الآن يبدأ إغلاقها من أمام رئاسة الوزراء وفي شارع الجامعة ولا ينتهي عند (العقبة).
البداية من (الكوبري)
لأربعة أيام على التوالي ينفذ طلاب جامعة الخرطوم اعتصاماً مفتوحاً ويغلقون طريق الجامعة احتجاجاً على الأوضاع السيئة داخل الجامعة يرفعون مطالبهم بإصلاح الأوضاع والبيئة داخل الجامعة. وتمثلت الأزمة في أوضاع السكن والداخليات في دفع الطلاب من أجل التصعيد في وقت لم تنجح فيه خطوات الإصلاح التي اتخذتها الإدارة وأصدرت بياناً قالت فيه إنها عالجت بعض الأزمات وعلى رأسها أزمة المياه وفي المقابل زادت من مستوى الحماية في الداخليات الخاصة بطالبات المجمع الطبي لكن ذلك لم يكن كافياً لدفع الطلاب عن التراجع عن اعتصامهم بل زادوا في المقابل من عمليات تصعيدهم ومطالبهم وعلى رأسها المطالبة بإقالة مديرة الجامعة من منصبها فيما لا يزال تصعيد الجامعة مستمراً في انتظار معالجة القضايا العالقة بين الإدارة وطلابها.
اعتصام في مجلس الوزراء
بعد شد وجذب وانتظار للذي لم يأتِ وقبل أسبوع بالتمام والكمال وصل مصابو ثورة ديسمبر إلى بوابة مجلس الوزراء وذلك احتجاجاً على عدم التزام الحكومة بتنفيذ مطالبهم المتمثلة في توفير العلاج والسكن للمصابين.
وانتقدت مذكرة المعتصمين عدم حفظ الحكومة المدنية لحقوق جرحى ومصابي ثورة ديسمبر، وعدم تنفيذ طلبات اللجنة السابقة التابعة لوزارة مجلس الوزراء. وكان وزير رئاسة الوزراء خالد عمر قد وعد بحلول جذرية لكل المشاكل التي تواجه المصابين منذ يونيو الماضي. وأكدت المذكرة استمرار معاناة المصابين مما أدى لاعتصامهم أمام مجلس الوزراء لتحقيق مطالبهم المعنية، واستمرار الاعتصام حتى تحقيقها. وأمس أشعل المعتصمون الإطارات أمام مبنى مجلس الوزراء مدشنين مرحلة جديدة للتصعيد ومؤكدين في الوقت ذاته عدم مغادرتهم ساحة الاعتصام ما لم يتم تنفيذ مطالبهم. وكان المعتصمون قد طالبوا في وقت سابق بضرورة أن يخرج إليهم رئيس الوزراء عبد الله حمدوك لاستلام مذكرتهم والتعهد بخريطة زمنية لتنفيذ المطالب التي جاءت فيها خصوصاً وأن من تقدموا بها يرون أنهم السبب الرئيسي لجلوس من يديرون الأمر الآن في مقاعدهم السلطوية.
بارا الأزمة تنتقل غرباً
في منطقة جبرة الشيخ قرر مواطنون إغلاق طريق الصادرات أمام حركة المرور وذلك احتجاجاً على الأوضاع هناك حيث تم إيقاف الشاحنات والبصات السفرية ذهاباً وإياباً. ووفقاً لشهود عيان، تكدست عشرات السيارات السفرية والشاحنات بعد شروع مواطنين بإغلاق طريق الصادرات.
وهو المشهد الذي بات يتكرر في الكثير من الشوارع القومية في البلاد حيث تم ابتدارها من الشارع الرابط بين الخرطوم وبورتسودان وكررها مجلس شورى الجعليين بنهر النيل وذلك احتجاجاً على قرارات والي الولاية آمنة المكي بينما يعود ذات المشهد الخاص بإغلاق الطرق وهذه المرة في شارع مدني الخرطوم وتحديداً في منطقة فداسي الحليماب وذلك احتجاجاً على انقطاع المياه بالمنطقة، وقال رئيس الخدمات والتغيير بفداسي، خضر محمد سليمان، لـ(السوداني)، إن المياه انقطعت عن حي كامل بفداسي الحليماب لمدة 14 يومًا بسبب عطل في الوابور الذي يضخ المياه. وأضاف: أبلغنا الجهات المسؤولة عن العطل إلا أنها تماطلت في معالجة الأمر، وألقت بوعود دون الإيفاء بها، رغم التزام أهالي المنطقة بترحيل الفنيين من المكتب إلى المنطقة وإرجاعهم، و الالتزام بأي مبالغ قد تترتّب على معالجة المشكلة. إغلاق الطريق في منطقة فداسي يخبر عن أن أي مشكلة في البلاد فإن أول الحلول المتاحة أمام الناس هي إغلاق الطريق القومي.
مآلات ومترتبات الإغلاق
حسناً وفي خضم المعركة بين المركز ومجلس نظارات البجا فإن وزير الإعلام وفي بيان منشور له يصف خطوة إغلاق الطريق الرئيسي بأنها ترقى لجريمة ضد الإنسانية مدللاً على قوله بالمعاناة في المستشفيات وفي الحصول على الأدوية المنقذة للحياة، الخطوة دفعت بمن يغلقون الطريق هناك لفتحه أمام حركة سيارات الدواء التي تحركت نحو الخرطوم بينما كانت الأزمة تظهر في جانب آخر حيث كان تصريح الحكومة وبيانها بمثابة الضوء الأخضر لتجار الأزمات الذين قاموا بإخفاء الأدوية وبالطبع رفع أسعارها لمن يرغبون في الحصول عليها من المرضى وهو أمر دفع البعض لتحميل الحكومة وزر هذا الارتفاع فهي من جانب تطلق التصريحات وفي الجانب الآخر تبدو عاجزة تماماً عن مواجهة المافيا. لا تتوقف التأثيرات عند بوابة الصيدليات فقط فإغلاق الطرق أيضاً كان له التأثير الكبير في زيادة أسعار الخبز في الخرطوم وهو أمر يقرأ أيضاً مع تصريحات منسوبة لوزير الصناعة قال فيها إن كوتة دقيق الخبز المتوفرة لمخابز الخرطوم بالكاد تكفي أربعة أيام مما جعل أسعار الخبز التجاري ترتفع إلى أسعار قياسية بينما أغلقت الكثير من المخابز أبوابها فيما يتعلق بتجهيز الخبز المدعوم ما يجري دفع بالترويكا للمطالبة بفتح الطريق نحو الميناء بغية انسياب السلع وعدم التأثير على المرحلة الانتقالية.
دنقلا ترس جديد
في سعيها من أجل إيجاد معالجة لأزمة الندرة في دقيق الخبز قالت الحكومة عبر لجنة السلع الاستراتيجية بأنها ستتجاوز طريق بورتسودان المغلق بالاتجاه شمالاً وأنها ستقوم بجلب القمح من المخزون الاستراتيجي المتوفر في الولاية الشمالية مع التأكيد على أن هذه الخطوة لن يكون لها تأثير على الحصة الخاصة بالولاية الشمالية لكن الخطوة نفسها سرعان ما اصطدمت بترس آخر حين رفض مواطنون هناك تحميل سيارات شركة (سين) للغلال لقمح الشمالية والتوجه به جنوباً بحسب ما تم تداوله من أخبار لم يتوان من نقلوها من إضافة عبارة (الكيزان) يرفضون نقل القمح إلى العاصمة وذلك من خلال سعيهم الجاد لخنق الحكومة الانتقالية وإثارة القلاقل في الشارع من أجل الانقضاض عليها في نهاية المطاف وهو السيناريو المرسوم بحسب رواة نظرية المؤامرة في هذا السياق.
(الفلول) متهم أول
وبمتابعة الخطاب الرسمي أو خطابات المناصرين لحكومة الفترة الانتقالية فإن ما يحدث الآن مرتب وبدقة ممن يقومون بإغلاق الطرقات والمحسوبون على النظام المخلوع الذي فشلت كل مخططاته في سبيل العودة والآن يفعل ذلك من خلال استخدام أسلوب (الخنق) عبر انتهاج سياسات إغلاق الطريق السلوك الذي يقول البعض إنه يرقى لاتهام من يقومون به بتهمة إثارة الحرب ضد الدولة التهم التي تطارد الآن رئيس نظارات البجا والنظارات المستقلة في شرق السودان وكان قد فتحت بلاغاً مسبقاً في هذا الاتجاه رد عليها ترك بقوله من يتهموننا من الخرطوم عليهم الوصول إلينا في الشرق واعتقالنا لنحدد معيار الرجولة بحسب وصفه لكن ترك أيضاً ثمة من يتهمه بتنفيذ أجندة النظام المخلوع باعتباره أحد قياداته في فترة ما الأمر أيضاً تكرر مع من قاموا باحتلال مبنى الحكومة في ولاية سنار حيث اتهمهم بيان لحكومة الولاية بأنهم كيزان وأبناء قيادات طالتهم قرارات لجنة تفكيك التمكين وفعلوا ذلك من أجل إثارة القلاقل لا أكثر ولا أقل بينما هناك من يرد على هذه الاتهامات بقوله إنها غير موضوعية فكيف يكون كل هؤلاء منسوبين للنظام المخلوع أما كان أجدى لهم أن يدافعوا عنه (السقوط).
خطة الانقلاب
بالنسبة للكثيرين فإن ما يحدث الآن في شوارع البلاد تأكيد على ضعف معادلة الشراكة من جانب وهوان المكون المدني في الجانب الآخر وبحسب الوثيقة الدستورية فإن تحقيق الأمن والمحافظة على السلامة العامة هي من صميم مسؤوليات المكون العسكري في الحكومة الانتقالية المسؤول أيضاً عن المجلس الوطني للأمن والدفاع لكن تصريحات الجانب العسكري بدأت وكأنها مشجعة لهذا السلوك فرئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان اعتبر أن عمليات الإغلاق في شرق السودان ذات طابع سياسي يتعلق بضرورة إعادة النظر في عملية تقاسم السلطة كما قال إن عملية فتح الطرق ليست من صميم مسؤولية القوات المسلحة بل الأمن الداخلي كان وسيظل من صميم مسؤوليات جهاز الشرطة حسناً لكن النائب الأول لرئيس مجلس السيادة الفريق حميدتي قال وفي آخر تصريحات له لن يسلموا الشرطة وجهاز المخابرات إلا لحكومة مدنية منتخبة حتى لا يقوم المدنيون باستغلالهما لقمع الشعب واحتجاجاته. على الدوام ظلت تصريحات مجلس نظارات البجا وقياداته إيجابية فيما يتعلق بالمكون العسكري بينما التصعيد في مواجهة المدنيين وحكومة الفترة الانتقالية فهم لم يكتفوا بالمطالبة بحل الحكومة وإنما أضافوا لهم قائمة حظر لقيادات سياسية فيما يتعلق بدخولها إلى شرق السودان.
إغلاق طريق أم خنق الحكومة
في وقت سابق قال مصدر حكومي إن المكون العسكري وحين تعلق الأمر بوضع الترتيبات لمواجهة ما أعلن عنه من إغلاق لشرق السودان رفض الجلوس للاجتماعات انتظاراً لإغلاق الطريق وحين حدث الإغلاق لم يحدث تحرك من أجل إيجاد معالجة للأزمة المستفحلة الآن وهو أمر دفع الناطق الرسمي لتحالف الحرية والتغيير جعفر حسن بمطالبة أعضاء المكون العسكري بالاتصال بالناظر ترك ومطالبته بفتح الطريق بحسبما جاء في مطالبه وقال حسن إن الالتزام مع الثورة وتحقيق أهدافها بالأفعال وليس الأقوال مشيراً إلى أن ما يجري يأتي في سياق الخطة الشاملة للانقلاب على الحكومة الانتقالية وهو ما لن يسمحوا بحدوثه كما أن عملية التزامن بين المواجهة بين مكونات الانتقال المدنيين والعساكر وعمليات الإغلاق في عدة طرق قومية أمر مثير للأسئلة والاتهامات في الوقت ذاته ويجعل من العملية أكثر من كونها عملية مطالب موضوعية لمكونات سودانية إلى كونها عملية تستهدف وبشكل رئيسي خنق السلطة المدنية وتصويرها في كونها عاجزة عن تحقيق تطلعات الناس وآمالهم.

Leave A Reply

Your email address will not be published.