رقصتُها .. أجنحةُ الروحِ إلى المُبتَغَى

ياسمين ابراهيم

لا تعرفُ متى بدأ جسدها في تكوينِ أفلاك إيقاعه المتسقة، ولا كيف احتشدت أنجمُ موسيقاه وامتدت بطولِ البهاء. نحنُ لا نعرف كيف اجتازَ إيقاعها وتماوجها جدرانَ الجمود وصمتَ الحجرات المستكينة إلى عاديةِ الأشياء والفراغِ المستطيل. “إنْفَنْسِى. ما تَعسِّمى جسمك”، تنصاعُ العروسُ المرتقَبة إلى سوط “العلّامة” التى لا تترددُ فى إشهارهِ تزامناً مع عثراتِ الأقدامِ والجسد الذي لا يطاوعُ اللِّين (والانفداعة). هي .. ترقبُ العروس ومعلّمةَ الرقص معاً، ذهنُها الطفولي يختزنُ الإيقاعاتِ فى مروجِ ذاكرتها  لتنثنى طوعاً تحت ريح انعتاقٍ سِرِّى، ثم تنسابُ ينابيعُ تمايلاتها من أعلى أنغام الرغباتِ إلى سهلِ الجنونِ الفسيح. “لسّة رجّعِى أكتافك ورا وحرّكي …” تشيرُ معلمةُ الرقص إلى أردافها “كدة .. كدة ..، بالجنبة اليمين وتاني شمال”، الأرجلُ تتبادلُ الانثناءَ سنداً للحركة اليمين واليسار، كحصانٍ متأهبٍ لكسبِ سباقه الأخير. معلّمة الرقص، سيّدةُ الساحةِ الصغيرةِ المربعة، العارفةُ بزوايا التنغيم، مهندسةُ الانسياب في عُلُوّ صهيل الاندياح وهبوطِ حوافر الانسجامِ على نسقِ الاتجاهات. أما هي، “أمال”، إذْ ترتقبُ خلودَ العروسِ إلى راحتِها القصيرة وخُلوَ الساحةِ للبنيّات الصغيرات، تبارياً في الرقصِ، تعلمُ أنها سيّدة الكونِ انطلاقاً بأجنحةِ روحِها إلى فضاءِ اشتعاله .. يقينِه .. وكواكب غموضِه وحقيقتِه. ترقص … ترقص … يتساقطُ صفقُ خجلٍ دخيل تحت غصونِ تماهيها الذي يمتدُ طويلاً .. فارعاً، تغمضُ جفنَ شتائها وتعبئُ مواسمَ انطلاقِها بالحكاياتِ الملوّنة وزهرِ التوقّدِ والرجاء. “من فريع البان .. اليسوح نديان .. الله يا سلام” .. طق .. طَرَق .. طق .. تتَطَق .. البنات .. الصَفْقات .. (والدلوكة) تئنُ تحت تواثبِ الحماس. “تعرفي، إبراهيم لما خطبني، كان مهتماً جداً بموضوع رقيصي ده. حِس الفنان الظاهر”، تضحك وهي تستدعي قطرات ذاكرة الزمكان إلى حقولِ توقٍ دفينٍ ومتمرّد. “مرة جا عطبرة بعد سفر شغل طويل و أهااا قال إلا أرقص. أنا أبيت. كنت خجولة”. القطراتُ تستحيلُ شلال يقظةٍ حميمة، تباغتُ نعاسَ الأهواءِ القديمة بضياءِ الحكي وصلصالِ الحُب. “أمي قالت لي خلاص أرقصي وبِت عمّتي ما صدّقت وجابت (الباغة) عشان تدق عليها. هي أصلاً كانت بتشاغلني بي أغنية عن نقل إبراهيم في شغله من مدني للدويم وبُعد المحبين وكدة ههههه”. الفستان “الكلوش” يدورُ مع دورانِها .. تتمددُ ريشاتُ رفيفِه ناميةً من خِصرِ الألحان إلى دفءِ صدرِ الأغنيات إذْ يتسع، يعانقُ في خفقانِه الذراعين .. طيورُ الإلهامِ في سماءِ العذوبة .. وملتقَى صباحاتُ الوعدِ بالغمام … “من ود مدني للدويم .. يا الله الحِبَيّب وين .. أشيلك وين يا للِى للّا .. وأخُتّك وين يا للِى للّا .. أحب الشايل الوابور جاز.. أحب القطر الودّا وجاب .. يا الله سلامة الركّاب .. يا الله الحِبَيّب وين” .. ترقص .. ترقص ..، هي ذات الطفلة التي ابتكر جسدُها قواميسَ التثَنّي منذُ الأزل وإشراقاتِ التحليق ..فالانعتاقُ لا يتخيّرُ سنينَ أفلاكِه في صدحِه للشموس..، “طبعاً إبراهيم كتب فيها قصيدة (رقصة)” تسترسل.
صوتُها يضفّرُ الحكايا من عتقِ البيوت الوسيمة، يسدِلُ (مساير) دفئها على صقيعِ الزمانِ وجفاءِ الأمنيات الوضيئة. جلستُ على “بنبر” شَدْوِها أشهدُ ميلادَ الأغنياتِ وتميمةَ النبؤاتِ الغامضة، (يوم المُشاط) إذْ ترتدي ثوبَها الجديد بحسبِ الطقوس، (اللقيمات) والرز باللبن، الحناء وصندل الفرح، أتذوّقُ الزغاريدَ وأحتشدُ بالعطورِ .. والحُبورِ والخالات، قهوةُ مُتعَتى تُصاعِدُ صحوَ إئتلافى و(دلوكة) سردِها  (والحبّوبات) قعَدن وباركنَ اصطفافَ الأقمارِ على ضفّتى رقصِها.
الروحُ لا تنسى نقشَ المزاميرِ على صباحاتِ بصيرتِها، فحتى بعد أعوامٍ طِوالٍ من النخيلِ والرحيلِ والتواتر، رقصتُها .. ياااا رقصتها تعودُ من سِفْرِ الحنين بأوتار الإشتعال ومن ألقِ السكونِ بطبلِ الاتساق، فكان “سبت فانداس” وفرقة الزاندي التي زيّنت إحدى أمسيات السجانة، يقفُ مُحييّاً من جنوبه “ال في الشمال” ويصدحُ بالدليب، كي تورقَ غصونُ المَحنّةِ في تجانسِ الجروحِ وصمتِ الشجون. “أمال” .. ترقص، وحين ترقص، تنْفَرُّ أجنحةُ روحها عن سماءِ توقها (ال ما غابت)، تتشابى إلى ألف نجمةٍ من اليقين، يدوزنُ المطرُ إيقاعَه على خطواتِ رقصها وتستريحُ كل الغمائمُ على مُقلتَى انسجامها .. “ما شعرتَ، مشيت أصفّق، لقيت نفسي أرقص. لما فتّحتَ، لقيتني المرأة الوحيدة ومُحاطة بالناس حولي” .. رقراقُ ضحكتها يسالمُ حوشَ بوحِها الهتون. مُحاطة بي كل الخُلوق والخُلوق كايسين الفرح فيك وإنثنائك عند ملتقَى الوعود.
“أمال” .. ترقص .. ترقص ..
فالروح لا تنسى نقشَ المزاميرِ على صباحاتِ بصيرتِها
الروحُ لا تنسى نقشَ المزاميرِ
الروحُ لا تنسى
الروحُ لا ..

Leave A Reply

Your email address will not be published.