في تذكُّر العُمْدَة إبراهيم محمد أحمد أبوشوك (1930-2018م)

أحمد إبراهيم أبوشوك

العمدة إبراهيم أبوشوك: لا أدري كيف وصل الشك إلى صدر المحكمة المدنية؟ وهي لم تشك في أمانتي في أي يوم من الأيام في تاريخ عملي.
القاضي الطيب العباسي: إنَّ مهمة المحكمة المدنية أولاً الشك فيما يصدر أمامها من أقوال، وتحقق حتى تصل إلى الحقيقة .
الخليفة علي مالك: ينتمي إلى أسرة الخليفة مالك عبد الرحمن الجنيد، التي رفدت الطريقة الختمية بخلفاء بارزين في السُّودان.

توطئة
بعد انقطاع عن السفرِ دام قرابة العامين ونصف، التزاماً بالتدابير الاحترازية التي وضعتها وزارة الصحة القَطريَّة للحدِ من انتشار وباء الفيروس التاجي (كورونا) بين المواطنين والمقيمين، كانت أولى رحلاتي خارج الدوحة إلى السُّودان، قضيتُ نصفها الأمتع بقرية قنتي، ونصفها المرهق والمتعب بالعاصمة القومية الخرطوم، التي أضحت تفتقر إلى ضروريات الحياة اليومية، الكهرباء في انقطاعٍ مجدولٍ، والشوارع العامة تعاني من أبجديات النظافة، ومياه الشرب تفتقر إلى المواصفات الصحية المطلوبة، وحركة المرور تنقصها الضوابط المتعارف عليها في عواصم البلدان الناهضة، والمواطن العادي مجهدٌ بطلبات المعاش اليومي التي تجاوزت مناسيب قدرته المالية. لكن العزاء في القيمة الإنسانية المخففة لهذا العناء، والتي تجسَّدت في الالتقاء بنفر كريمٍ من أساتذتي الأجلاء وزملاء الدراسة الأفاضل بجامعة الخرطوم، وأعضاء هيئة التدريس بشعبة التاريخ، وأصدقاء دار الوثائق القومية، وثلة خيرة من زملاء العمل والاغتراب الذين عادوا من ماليزيا، فضلاً عن زيارات الأهل والأصدقاء أفراحاً واتراحاً في مواقع متفرقة من العاصمة القومية وضواحيها المترامية. وفي قريتنا الصغيرة عند منحنى النيل وجدتُ الناس على دين آبائهم، إذا كان الدين يُعرَّف لغةً بعادات الشعوب وتقاليدها وأعرافها. صلينا مع أهلنا صلاة العيد في ساحة مسجد القرية العتيق، وتبادلنا الزيارات في صباحات أيام التشريق الثلاثة وأمسياتها، وذبحنا الفداء اقتداء بسيدنا إبراهيم عليه السلام. وبعدها بدأت جلسات الأنس والسمر حول موائد عيد الأضحى المتنوعة مع أبناء الأهل والعشيرة والأصحاب، فضلاً عن كاسات الشربوت والشاي والقهوة التي كانت تُوزع بين الحضور في تراتبية فريدة.
وفي رابع أيام العيد لبَّينا دعوة صديقنا فؤاد عبد الله الريح لحضور عقد قران كريمته بقرية أوسلي، حيث التقينا ببعض زملاء الدراسة في مدرسة كورتي الثانوية، وتوقفنا عند مدينة كورتي أم الغمام في ضيافة ابني العمدة أحمد عمر كمبال الأعزاء، الصديق الأستاذ عبد الحميد والأخ حسن. وبهذا النماذج المختارة كان احتفال العيد في قريتنا الصغيرة والمناسبات المصاحبة له، أشبه باحتفالات القُرى الأخرى المصطفة على ضفاف نهر النيل. وأخيراً ختمنا إجازة عيد الأضحى بمراسيم زواج اختنا الصغرى آمنة بنت وهب من لؤي محمد صالح أحمد عثمان في يوم 30 يوليو 2021، والتي حضرها جمع كريم من أهل القرية والقُرى المجاورة لها، كما شرفنا بحضور الدكتور الفحل أحمد صالح فضل والأستاذ عبد الله سليمان من مورا، والشيخ حمزة محمد الماحي ورفاقه الذين قَدِمُوا من الخرطوم، وعطَّروا عصر ذلك اليوم بمدائحٍ جيادٍ من ديوان حاج الماحي (طيب الله ثراه) في سيرة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، ونذكر منها:
القُبَّة النَخِيلاَ مَشَتِّي
شُوقِي عَلِيهَا حَسِرتِي
بِسْمِ اللهِ في ظَاهِرْتِي
بَاطْنِي ودُنْيَتِي وآخِرْتِي
يَا خَالِي الجِهَاتْ السِتِّ
سَهِّلْ لِي حَبِيبِي سَفِرْتِي
العمدة الغائب الحاضر
لكن بالرغم من عظمة مناسبة العيد وفرحة الزواج، ظل رحيل الوالد العمدة إبراهيم أبوشوك، الذي حدث في 20 سبتمبر 2018م، يشكل فراغاً كبيراً؛ لا تسد ثغراته. بحقٍ افتقدنا حضوره الأنيق في كلتا المناسبتين؛ لأنه كان دائماً يُعطِّر صباحات العيد وأمسياته بأحاديثه الشجيَّة عن تجاربه المتعددة وخبراته الواسعة، وحكاوى أهل القرية وطرائفهم الفكهة، واستشهاداته الفطنة ببعض أشعار أبي الطيب المتنبي عندما تتداعى مناسباتها إليه، وإن أنسى لا أنسى أسئلته المتكررة عن وضع المشروع الزراعي؛ لأن الزراعة في عُرْفِه كانت تعني الحياة الكريمة، والرزق الحلال الطيب، والعطاء التكافلي المنساب بين الناس أجمعين.
حاولتُ أن أسَّد ثغرةً في الفراغ العريض الذي خلَّفه رحيل الوالد عليه شآبيب الرحمة، بقضاء بعض الوقت مع أرشيف أوراقه القديمة وآثار جدي رئيس فرع البديرية محمد أحمد أبوشوك المكتوبة والمحفوظة في خزانة خشبية (دولاب) عتيقة، ربما يرجع تاريخها إلى عقد الأربعينيات من القرن العشرين. ومعظم محفوظاتها عبارة عن سجلات محكمة فرع البديرية ومحكمة عمودية قنتي، وكشوفات تعداد النخيل والفاكهة بمشروع الكلد الزراعي، واستمارات توزيع الأراضي الزراعية والسكنية، وعرائض المواطنين وشكاويهم، وإعلانات الحضور لجلسات المحاكم التي كانت تُعقد دورياً، ورسائل رسمية وأخرى إخوانية، وخطابات وبرقيات تعازي في بعض أفراد الأسرة الذين سلفوا. ومن أكثر الوثائق التي شدَّت انتباهي الخطابات المتبادلة بين القاضي الطيب العباسي، والعمدة إبراهيم محمد أحمد أبوشوك في الربع الأول من العام 1961م. وتكمن أهمية هذه الخطابات، قبل عرض نصوصها كاملة على القارئ الكريم، في النقاط الآتية:
أولاً: إنها تعكس التزام الراسل والمرسل إليه بشكليات الخطابات الديوانية، وقدرتهما على صوغ محتوياتها بلغة جزلة وأسلوب متفرد، وعرض أسئلتهما وإجاباتهما عنها واستفساراتهما وشروحهما لها بطريقة واضحة وصريحة، مع الاحتفاظ بمساحة للرأي وإبداء الأسباب.
ثانياً: توضِّح الخطابات المشار إليها إيمان العمدة إبراهيم بأهمية الاعتذار لإزالة سوء الفهم واللُّبْس الذي ورد من أحد الخطابات التي بعثها إلى القاضي الطيب العباسي؛ دون أن تعلو عزة النفس على مهنية العمل؛ وذلك انطلاقاً من قناعةٍ مفادها أن العمل الديواني يجب ألا يؤسس على الحظوظ الشخصية، بل على المهنية والنزاهة.
ثالثاً: دار موضوع الخطابات المشار إليها استفساراً ورداً على عدم إعلان العمدة للمدعي عباس أحمد دقيرمة لحضور الجلسة الأولى بتاريخ 19 يناير 1961م للنظر في الدعوى المدنية التي رفعها ضد دائرة السيد علي الميرغني. عزا العمدة عدم إعلام المدعي إلى عدم وجوده في القرية؛ إلا أن المدعي نفسه حضر أمام المحكمة وأدعى بأن كان موجوداً إلا أن العمدة لم يعلنه. وهنا ثار شك لدى المحكمة المدنية، ودفع قاضيها للاستفسار عن صحة ادعاء المدعي والأسباب التي منعت العمدة من إعلانه لحضور الجلسة المعلنة في التاريخ المشار إليه. والقاضي المقصود هو الطيب محمد سعيد العباسي (1929-2008م)، ولد بمدنية الجيلي شمال الخرطوم، وتخرج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1953م، وبعد تخرجه التحق بالهيئة القضائية، وتدرج في وظائفها إلى أن بلغ منصب قاضي محكمة عليا عام 1978. وبعد استقالته من الهيئة القضائية عام 1979م، آثر الهجرة إلى الإمارات العربية المتحدة، حيث عمل مستشاراً قانونياً للمجلس الاستشاري الوطني في إمارة أبوظبي حتى عام 1996م. وبعد عودته إلى السُّودان في العام نفسه أسس مكتباً للمحاماة، وظل يمارس فيه مهنة القضاء الواقف بضروبها المتعددة إلى أن وافته المنية بمستشفى ساهرون بالخرطوم في 29 سبتمبر 2008م. وخلال فترة عمله بالقضائية، عمل الطيب العباسي في محاكم العاصمة المثلثة، ومديرية (ولاية حقاً) البحر الأحمر، والمديرية الشمالية، ومديرية كردفان، ومديريات جنوب السُّودان. وفي المديرية الشمالية عمل قاضياً مقيماً بمدينة مروي، المدينة التي شكَّلت محطة بارزة في تاريخ حياته القضائية؛ لأن مروي كانت تزخر بتجارب العديد من موظفي الخدمة المدنية الأكفاء، أمثال القاضي الشيخ عوض الله صالح، والقاضي صالح عتيق، والإداري حسين محمد أحمد شرفي، والإداري عثمان عبد الرحيم، والأستاذ مصطفى أبوشرف، والأستاذ أحمد صالح داؤد، والدكتور حسن كشكس، والفنان عبد الكريم الكابلي: فيك يا مروي شفت كل جديد .
أما وكيل دائرة السيد علي الميرغني، الذي وردت الإشارة إليه في الخطابات المتبادلة بين القاضي والعمدة فهو الخليفة علي محمد عثمان مالك (ت. 1976م)، من مواليد قرية الغُريبة في الولاية الشمالية، ينتمي إلى أسرة الخليفة مالك عبد الرحمن الجنيد، التي رفدت الطريقة الختمية بخلفاء بارزين في السُّودان.
أخذ الخليفة علي مالك الطريقة الختمية من آبائهم، وتدرج في مراتبها إلى أن تبوأ منصب خليفة خلفاء، جالساً على قمة جهازها التنظيمي، الذي يمثل حلقة الواصل بين خلفاء الطريقة المنتشرين في بقاع السُّودان المختلفة ومركزها العام في الخرطوم. وإلى جانب كان الخليفة علي مالك مشرفاً على إدارة أملاك السيد علي الميرغني في مركز مروي؛ لذلك مثَّل دائر السيد علي الميرغني في الدعوى المدنية المرفوعة ضدها.
وفي ضوء هذه المقدمة نعرض نصوص الخطابات الأربعة، ثم نُعلِّق عليها في خاتمة هذا المقال، مبرزين جوانبها المهمة، التي تعكس بعض ملامح العمل الديواني الذي كان سائداً آنذاك، وقدرة القائمين على أمره في التعبير عن وجهات نظرهم بأسلوب مهني رفيع.
الخطاب الأول: من قاضي جزئي مروي إلى عمدة قنتي
المحكمة المدنية ق.م 35/58
عباس أحمد دقيرمة ضد دائرة السيد علي ميرغني
حضرة عمدة قنتي
لقد حددت يوم 19/1/1961 لسماع القضية، وأرسلتُ إليكم إعلاناً بتاريخ 1/12/1960 لإعلان المدعي للميعاد المحدد. وفي التاريخ المحدد (19/1/1961) لم يصل ما يفيد عن إعلان المدعي المذكور أو عدمه، ورد ردكم في 24/1/61 بعدم إعلانه لغيابه من البلد. هذا الوقت الذي أبرق فيه المدعي هذه البرقية في نفس اليوم المحدد للجلسة، يطلب التأجيل، وبينما حضر المدعي أمامي اليوم شخصياً وذكر لي أنه لم يبرح قنتي قط. أرجو تفسيرك لذلك، وقولكم إنكم لم تجدوا المدعي لإعلانه. لقد ذكر المدعي عباس أحمد دقيرمة أنكم اعطيتموه ورقة إلى مساعد الحكيم، ويقال إنك فعلت ذلك لكي تقول انه مريض، فهل هذا صحيح؟؟
أرجو رداً سريعاً
شكراً
(التوقيع الطيب العباسي).
***
الخطاب الثاني: من عمدة قنتي إلى قاضي جزئي مروي
عباس أحمد دقيرمة ضد دائرة السيد علي الميرغني
10/3/1961
السيد قاضي جزئي مروي
بالإشارة لجوابكم نمرة ق.م/35/85، بخصوص إعلان المدعي عباس أحمد دقيرمة إلى المحكمة بتاريخ 19/1/61، أفيدكم بالآتي:
1 / ذهب كاتب المحكمة إلى المذكور بمنزله الذي يبعد حوالي 12 كيلو من المحكمة مرتين ولم يجده، ورده مرفق طيه وأعيد الإعلان المحكمة، ولكن بتاريخ متأخر نسبة لعدم قيام الوابور (الباخرة) في الوقت المناسب، وأرسل باليد، والتأكد بذلك بأنه غير موقعٍ على الإعلان.
2 / المدعي من العرب الذين لديهم مواشي بالخلاء، وكون يكون في الخلاء في أغلب الأحيان يبرر قول كاتب المحكمة بعدم وجوده.
3 / برقية المدعي بمرضه للمحكمة لا علم لي بها إطلاقاً. أما قبل يومين من تاريخ الجلسة فهو غير موجود بقنتي.
4 / طلبه المقدم لمساعد طبي منصوركتي هذا بعد تاريخ الجلسة، وتقدم به إليَّ لأحوله للقاضي، وبديهي بأني ملزم بتحويله للمساعد الطبي؛ لأن الطلب مكتوب للمساعد الطبي بواسطتي، ولم أعطه ورقة إلى المساعد الطبي من عندي إطلاقاً، بل حولت طلبه للمساعد الطبي.
5 / أما ما جاء في الخطاب بأن يقال إنيَّ حولت هذا الطلب لكي أقول إنه مريض، فهذا قول منافي للحقيقة والمنطق، فمن الذي قاله، فهل أنا الذي أقرر أنه مريض أم لا؟ وإذا كنت أريد يكفي أنني لم أعلنه للمحكمة فهذا كافٍ ليفلت من الحكم الذي صدر ضده غيابياً دون سؤالي إذا كنت قد أعلنته أم لا.
6 / أنا أعتقد أن هذا الشك في أمانتي في العمل مما يعرقل سير العدالة، وهذا جائز أن يصدر من وكيل دائرة السيد علي الميرغني، وهو لا يعرف قيمة الأمانة في العمل، ولكن لا أدري كيف وصل الشك إلى صدر المحكمة المدنية؟ وهي لم تشك في أمانتي في أي يوم من الأيام في تاريخ عملي. زد على ذلك أنه ليس للمدعي مصلحة في عدم حضور المحكمة إطلاقاً، مما يبرر أن مرضه أو عدم إعلامه كله صحيح.
7 / ورغم ذلك فإن الإجراءات التي اتُخذت لو نُظرت بنوع من النية الحسنة فهي إجراءات روتينية طبيعية. وهذا ردي.
(التوقيع إبراهيم أبوشوك) عمدة قنتي .
***
الخطاب الثالث: من القاضي المقيم إلى عمدة قنتي
محكمة مروي المدنية
في 26/3/1961، النمرة ق.م 114/58
حضرة عمدة قنتي، المحترم
بالإشارة إلى خطابكم المؤرخ 10/3/1961 بخصوص إعلان عباس أحمد دقيرمة؛ أود أن أوضح لكم الملاحظات التالية:
أولاً: لقد طلبت منك أن توضح لي النقاط التي ثارت أمام المحكمة بسبب عدم إعلان المدعي، ولكنك تطرقت إلى أشياء ما كان ينبغي أن تتطرق إليها. فقد ذكرت في خطابك وهذا جائز أن يصدر من وكيل دائرة السيد علي الميرغني وهو لا يقدر قيمة الأمانة في العمل . ما ذنب وكيل دائرة السيد علي، فهل يجدر بك أن تُسيئ إلى شخص في خطاب توجهه لي بدون مبرر؟ إن هذا التحامل الذي لا مبرر له في نظري يقوي شك المحكمة التي طلبت منك أن تزيل الشك لا تقويه.
ثانياً: تقول أنك لا تدري كيف وصل الشك إلى صدر المحكمة المدنية . إن مهمة المحكمة المدنية أولاً الشك فيما يصدر أمامها من أقوال، وتحقق حتى تصل إلى الحقيقة.
ثالثاً: تقول إن الحكم صدر غيابياً دون أن تسألك المحكمة عما إذا كنت قد أعلنت لم لا. هذا اتهام آخر للمحكمة نفسها، ولكن فيسامحك الله. وإن المحكمة تعرف واجبها حق المعرفة، ولا تحيد عنه، وتؤديه بأمانة وصدق سواء أكان السيد علي طرفاً في القضية أو سواه؛ لكي أزيل الشك من صدرك في نزاهة المحكمة، أود أن أخبرك بأن الحكم الغيابي قد صدر بناءً على البرقية. فإرسال البرقية يدل على أن المدعي قد أعلن، ولهذا صدر الحكم عندما حققت المحكمة من أن المدعي لم يعلن ألغت الحكم الغيابي في الجلسة التالية، وصدر حكم حضره الطرفان.
رابعاً: تقول في خطابك ان الإجراءات التي اتخذت لو نظرت بنوع من النية الحسنة في إجراءات روتينية طبيعية. وكانت هذه آخر فقرات خطابك أي مسك الختام، ويا له من مسك.
أرجو أن تعيد النظر في المستقبل إلى الأقوال التي توجهها للمسئولين، فهذه الفقرة ما كان يجب أن تضمنها خطابك قط، وأترك لك إعادة التفكير في معناها.
(التوقيع)، الطيب العباسي
القاضي المقيم بمروي
صورة لرئيس فرع البديرية
***
الخطاب الرابع: من عمدة قنتي إلى قاضي جزئي مروي
جناب السيد قاضي جزئي مروي، المحترم
بالإشارة لجوابكم نمرة ق.م/114/58 المؤرخ 26/3/1961 رداً على خطابي المؤرخ 10/3/61
آسف أشد الأسف، فالظاهر أنيَّ لم أكن موفقاً في أن أحمَّل كلماتي المعاني التي (أقصدها) .. لم أشك، ولن أشك أبداً في نزاهة (المحكمة) إطلاقاً، خصوصاً وإنَّ هذه المحكمة نفسها هي التي حكمت لصالح المدعي حكماً غيابياً حين تخلَّف المدعى عليه عن الحضور دون إبداء أسباب مقنعة، وهي أيضاً حكمت لصالح المدعى عليه حين تخلف الشاكي عن الحضور. وهذا يوضح بأن المحكمة كانت في غاية العدالة. ولم يكن يجول بخاطري إطلاقاً شك بذات المحكمة من الناحية الأخلاقية، فمقتضى ذلك فوق نزاهة المحكمة نفسها.
أما ما جاء بخطابي عن أن الإجراءات لو نُظرت بحسن نية فهي إجراء طبيعي وروتيني ، فأنا لا أقصد إطلاقاً النظر من جانب المحكمة، بل إنما أقصد من جانب الأطراف المتنازعة فقط، وفي الأطراف المتنازعة الجانب الذي ساوره الشك في هذا الإجراء. أما موضوع تحاملي على وكيل الدائرة، فهذا حاصل فعلاً؛ لأنه قابلني شخصياً، وردد إلىَّ هذا الشك، مما دفعني أن أبالغ في الثورة، حتى خرج حديثي فيه نوع الحدة التي كلفتني هذا الاعتذار.
وأخيراً، أرجو أن يسمح ليَّ السيد القاضي أن اعتذر أيضاً لشخص السيد الطيب العباسي، قاضي المحكمة، بصفةٍ خاصة، ولو أن كلامي هذا ما كان أن يقال في الخطابات الرسمية. ولكن ذلك لتقديري له كقاضٍ أولاً وفوق الشبهات.
أرجو أخيراً، أن نوفق جميعاً لخدمة العدالة، وتركيزها بكل تضامن، ونسهِّل للرجال الذين يجلسون على كراسها مهمتهم الصعبة.
(التوقيع) إبراهيم أبوشوك
خاتمة
تؤكد الخطابات المتبادلة أعلاه بأنَّ الخدمة المدنية في السُّودان كانت على تقاليد ديوانية، والعاملون فيها على المستويين الحكومي (المؤسسات الحكومية) والأهلي (الإدارة الأهلية) درجوا على تأدية واجباتهم ومهامهم الوظيفية بدرجةٍ عاليةٍ من الانضباط والمهنية والاهتمام بقضايا الناس، دون محاباةِ لطرفٍ قويٍ على حساب طرفٍ ضيفٍ، بل كان هدفهم الأسمى إقرار العدالة التي ترضي الظالم والمظلوم، والدليل على ذلك إجراءات الدعوى المدنية التي رفعها عباس أحمد دقيرمة ضد دائرة السيد علي الميرغني. وتتضح المهنية بجلاء عندما نقرأ نصوص هذه الخطابات بتدبرٍ ورويِّةٍ، ونقف مثلاً عند استفهام العمدة على استفسار القاضي، عندما استفهمه قائلاً: لا أدري كيف وصل الشك إلى صدر المحكمة المدنية؟ وهي لم تشك في أمانتي في أي يوم من الأيام في تاريخ عملي؟ زد على ذلك أنه ليس للمدعي مصلحة في عدم حضور المحكمة إطلاقاً، مما يبرر أن مرضه أو عدم إعلامه كله صحيح. فرد القاضي العباسي عليه بحصافةٍ قانونيةٍ، قائلاً: تقول إنك لا تدري كيف وصل الشك إلى صدر المحكمة المدنية، إنَّ مهمة المحكمة المدنية أولاً الشك فيما يصدر أمامها من أقوال، وتحقق حتى تصل إلى الحقيقة . للأسف توجد مثل هذه الوثائق في اضابير الحكومة القديمة وخزائن الأهالي؛ ولكنها لا تحظى بالاهتمام اللازم والأرشفة التي تليق بقيمة المعلومات النفيسة التي تحملها بين سطورها. آمل أن يكون نشر هذا المقال في تذكر العمدة إبراهيم (1930-2018م)، حافزاً لدار الوثائق القومية بالخرطوم لتنهض في جمع الوثائق المهمة في دواوين الحكومة، وحافزاً آخر للذين ورثوا مثل هذه الوثائق بأن يهتموا بها، ولا يعتبروها من سقط المتاع؛ لأنها تكتنز معلومات قيمة، تصلح لقراءة الماضي الذي تعالج مشكلاته وقضاياه، واستيعاب الحاضر ببصيرةٍ نافذةٍ، واستشراف المستقبل برؤيةٍ ثاقبةٍ، فضلاً عن أنها تساعد في رسم خطط واستراتيجيات الذين يتحدثون عن إعادة تأهيل الخدمة المدنية بمواصفات جديدة ومواكبة لمتطلبات العصر واحتياجات المجتمع السُّوداني.

Leave A Reply

Your email address will not be published.