مهلاً و أهلا أيها ألموت (45)

من السبت إلى السبت… كمال حامد

** بدأت هذه السلسلة قبل عامين تقريباً بعنوان مهلاً أيها الموت في فترة اختطف الموت من بيننا كما من الأصدقاء و المعارف و الشخصيات العامة، و وجدت من يتهمني بالخوف من الموت و من يرجوني أن أترك هذه السيرة، فكان أن عدلت العنوان بإضافة أهلا تأكيداً على الترحيب به و الاستعداد له، و ذهبت أبعد من ذلك إذ كتبت( الحلقة الأخيرة) ناعياً فيها نفسي، واحتفظ بها في مكان أمين، فقد تكون حلقة قادمة لا يعلم موعدها غير الله.
**فقدنا هذا الأسبوع من الشباب و أعظم الفنانين والأطباء وأشهر العلماء، وعدداً من الأهل والأقارب، نسأل الله لهم و لنا الرحمة.
** اليد ترتعش وأحاول الكتابة عن زينة الشباب أخينا الأصغر أبوهريرة حسين، وسبب الرعشة دعوة من داخلي لتكون البداية بالفنان الصديق الحميم رفيقنا في الاغتراب الأستاذ عبد الرحمن عبد الله، كلا البداية بالطبيب الجراح الإنسان الخبير كمال أبوسن، و لكن لابد من الكتابة وطلب الرحمة لمن فقدناهم.
** أبوهريرة حسين عرفناه عن قرب لقربه من الملاعب وقيادة حملة تشييد إستادات الناشئين في العاصمة، وتوليت المسؤولة الإعلامية لافتتاح ملعب جاميسكا بشمال أمدرمان، وفي تلك الأيام أحسست بأن الشاب يعاني ويتحمل، وقد حدث إذ بعدها لزم السرير الأبيض.
** شاركت معه في ندوة بقناة النيل الأزرق قدمها الزميل الصحفي الأستاذ محمد عبد القادر، و كانت البلد تغلي بالتظاهرات، وموضوع الندوة الحوار مع الشباب، بدلا من مواجهتهم، وكان ابوهريرة الأعلى صوتا في هذا الاتجاه، ومؤكد أن علو صوته وحماسه للنزول للشارع والحوار مع شباب الثوار قد عجل بقرار تعيينه وزيرا، وكان حينئذ عريساً.
**ازدادت معاناته النفسية ومضاعفات الأمراض بعد اعتقاله السريع مع الفوج الأول من قادة الإنقاذ، وقضى شهوراً وحين أطلق سراحه كان شخصاً وشكلا ولونا آخر غير ما هو معروف عنه، و كان الاحساس بقرب الأجل المحتوم.
** انقطعت أخباره في الشهور الماضية، ويصلنا ما يشير بأن تقدما في العلاج بالجسم العليل ونور البصر، إلى أن جاءنا الخبر الأخير بنهاية حياة شاب شغل الدنيا بحماس وروح خطابية عالية، وطموحات غير محدودة ولكن كلها إلى نهاية عند مليك مقتدر لن يظلم عنده احد.
** الفنان عبد الرحمن عبد الله يضرب به المثل في الصبر على الآلام، التي بدأت بظهره ثم شلت حركته، و لم أصدق عيني حين زرته بعد غياب بمنزله بضاحية النسيم شرق العاصمة السعودية وهو نفس الحي الذي كنت أسكنه، وحسنا أن وافق على تسجيل حلقة معه لتبث في أحد أيام العيد مطلع هذه الألفية، تحدث فيها عن معاناته التي بدأت منذ الثمانينات في حادث مروري ثم عادت في التسعينيات و اجلسته في الألفية.
**تحدث بألم و لم يكن به ما يتحرك غير وجهه ولسانه وذاكرته، وحكى آلامه، و بعد بث البرنامج، أتاني هاتف من زميلنا الإعلامي بالأبيض الأستاذ الرشيد يوسف يبلغني بقرار والي الولاية وقتها الأخ الدكتور غلام الدين عثمان بتكوين لجنة برئاسته لعلاج بلوم الغرب، مفتتحا بعشرة آلاف دولار، ومثلها من الأرباب صلاح إدريس، و تواصلت اللجان واكتمل المطلوب للعلاج في المجر،
**عاد معافى و بنفس حماسه ملأ الساحات والقنوات و اسجى باعذب أغانيه و كأنما. على موعد مع القدر ليكمل المسيرة، ولكنها نفس الآلام تذهب و تعود وحملت معها مؤخرا مصاعب المسالك البولية وآلام البروستاتا، و ذهب للعلاج الأخير بدعم رسمي وشعبي، ولكنها كانت النهاية بمصر والعودة بالصندوق إلى مقابر حمد النيل.
**لن تكتب الكثير عن الجراح العالمي الإنسان كمال أبوسن الصديق وأحد محطاتنا في عاصمة الضباب، ولكن سبقته إلى قبره أعماله الإنسانية والبسمات التي رسمها على شفاه مرضاه و أسرهم والمنظمة الإنسانية التي تركها.
‘وفاة الدكتور كمال أبوسن كانت مفاجأة فقد أسلم الروح إلى بارئها في العاصمة التشادية، وعاد للخرطوم جسدا، و لم يكن في استقبال جثمانه وتشييعه الا البعض وهذه لوحة أخرى من لوحات عدم الوفاء وعدم تخليد ووداع من يستحق.
**من الذين شق نعيهم علينا هذا الأسبوع الفنان العازف الماهر الملحن يوسف القديل، ومن أهلنا الجعليين فقدنا محمد الحسن الأموي، ومن ديم القراي بلغنا نعي أحمد الوسيلة و فاطمة الألباب العوض وست النفر عبد المحمود عيسى ومن أهلنا بدنقلا فقدنا السيد شاكر سعيد عطية، و شاركت عطبرة بالدموع برحيل السيد صلاح الكعيك، وحمهم الله جميعاً ورحمنا و (إنا لله و إنا إليه راجعون).

Leave A Reply

Your email address will not be published.