حرية التعبير .. القحة ولا صمة الخشم

د. محمد علي عبد الجابر

في الأيام القليلة الفائتة احتفلت الأكاديمية السويدية بتكريم اثنين من الصحافيين بمنحهما جائزة نوبل لهذا العام، فلبينية وآخر روسي، في موقف يبعث الكثير من رسائل الاطمئنان للمشتغلين عموماً بحقوق الإنسان اعترافاً بدورهما في التصدي الشجاع لقضايا حرية التعبير والنضال من أجلها، مما يؤكد مكانة الصحافة في حياة الشعوب، ودورها الجوهري في بناء المجتمعات، وذلك لتمهيد الطريق بتأمين حرية التعبير التي توفر الظروف المواتية للناس، وبالذات أصحاب العطاء منهم المشاركة في البناء بعيداً عن القوانين الإستثنائية وبعض الإعتبارات السياسية التي تضعها بعض الدول لتكون أبواب العمل العام حكراً عليها وعلى من ترضى عنهم، وقطعاً فإن هناك كثيراً من النضال والتضحيات الجسام تقدم من أجل استكمال حقوق الإنسان ومن باب أولى تحريره من الخوف والكبد وتكميم الأفواه وصياغة العلاقات بين الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني والجماهير العريضة على أسس متساوية من الحقوق وفي إطار القانون، فحرية التعبير نزعة فطرية يتماهى معها الإنسان للتعبير عما يجيش في خاطره من انفعالات، وتجاوب مع مختلف الظروف والمواقف الحياتية فضلاً عن التعبير عن آماله وتطلعاته وأشواقه التي قطعاً تتمدد وتتجدد مع تطور الحياة.
ظل قدر الصحفيين الباحثين عن الحقيقة، في كل زمان ومكان، هو التواجد في مناطق التوتر وجبهات القتال والاعتداءات على الآمنين التي تكون في مرات معلومة لاعتبارات اثنية ودينية وسياسية مثلاً حتى لا يفسحوا المجال للروايات الحكومية (السمجة) وبآلياتها الإعلامية البالية أن تلوي عنق الحقيقة (وتدوس) عليها بالكذب المختلق الذي يبرر لها الإجهاز على الرأي الآخر وحقوقه المشروعة بالقانون ظل قدر الصحافيين سعيهم في دروب البحث عن الحقيقة أن يطالهم سيل من الاتهامات والتخوين والعمالة، ويبلغ بهم الترصد قتلهم بدم بارد بتدبير المكايد والمؤامرات، ورغم التضحيات الجسام العالية الثمن والمتكررة في كل مناسبة وحين، إلا أن ذلك لم يهزم فكرة النضال من أجل حرية التعبير التي هي بوابة المجتمع لإحداث التفاعل الإنساني والحضاري من خلال تبادل الفكر بالتواصل (كجالب) للإبداع والتجربة الإنسانية .
ورغم أن المواثيق والدساتير الدولية، وكثير من مواثيق الشرف قد حرّمت المساس بحقوق الصحافيين في الوصول للمعلومات والأخبار وتحصين المصادر التي تمدهم بالأخبار، إلا أن الممارسة أكدت أن الكثير من الدول تضع من العراقيل والشروط القاسية المعقدة حتى تمنع الباحثين من الوصول للأخبار بالذات في عالمنا الثالث، حيث إن كثير من الأوضاع فيه بعيدة وغير دستورية والوعي العام بحقوق الإنسان متدنٍّ، وبالتالي يعاني هذا القطاع من صحافيين ومراسلين صنوفاً أو أنواعاً من التشريد والسجن والقتل في أحيان وحالات موثقة، فلا غرو إذن أن يتعاظم اهتمام الأمم المتحدة بتخصيص يوم للاحتفال بحرية التعبير وإعتبارها حقاً مقدساً، فضلاً عن أن المعادلة القديمة الخجولة (القحة ولا صمة الخشم) شبت عن الطوق وتقدمت الصفوف وأضحت جزءاً في معايير مقاس قيمة الدول الحضارية والإنسانية واستعدادها لمواكبة احترام حقوق الانسان حتى تجد مكانها في المجتمع الدولي، وصدق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يوم أن قال: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتم أحراراً).

Leave A Reply

Your email address will not be published.