مقاربات إدوارد سعيد،صمويل هانتينغتون، ومحمود محمد شاكر! (2) العلاقات الملتبسة بين الشرق والغرب وأثر ذلك علينا!

الدكتور الخضر هارون

يقول إدوارد سعيد إنه وحتى منتصف القرن الثامن عشر كانت غالبية المستشرقين من علماء اللاهوت وتلامذة اللغات السامية والمختصين في الدراسات الإسلامية، أي أن بؤرة الاهتمام كانت هي العالم الإسلامي. إلا أن اليسوعيين Jesueits (مجموعة تبشيرية في إطار المذهب الكاثوليك) قدوسعوا مفهوم الشرق ليشمل الصين فنشأ مختصون في شأن الصين Sinologists .تدفق المغامرون وكذلك الرحالة على بلاد العرب والمسلمين والهند والصين وبدأ أولئك جميعاً في تدوين مدونات اختلطت فيها المبالغات والأساطير بالكراهية الدينية والعرقية التي أججت نيرانها الحروب الصليبية من قبل والتي استمرت زهاء قرنين من الزمان وفي المقابل جاء احتلال المسلمين لشبه جزيرة آيبريا على مدى ثمانية قرون ثم احتلال الدولة العثمانية لأجزاء واسعة من أوروبا الشرقية والبلقان وإسقاط عاصمة الإمبراطورية الرومانية المسيحية الشرقية وضمها للدولة العثمانية (استنبول الآن- قسطنطينية، سابقاً) تبعه احتلال الغرب عبر الاستعمار لجل بلاد المسلمين في آسيا وإفريقيا ليزداد البغض عمقاً في نفوس الطرفين. والآن ترعب تدفقات المسلمين على أوروبا وأمريكا بعض الأوربيين وبعض الأمريكيين فيزداد التوجس وبالمثل تريب بلاد المسلمين، تدخلات الغرب الدائمة المباشرة أو عبر المؤسسات الدولية في شؤونهم الداخلية والسعي إلى فرض قيم وممارسات تتصادم مع ميراث وثقافة شعوب هذا الجزء من العالم عبر الترغيب والترهيب. وهكذا يستمر هذا السعار المحموم الذي لا يكاد يدع فرصاً للفهم المتبادل المفضي للاحترام المتبادل الذي تقوم عليه قيم التعايش بين الحضارات والثقافات على قاعدة (أرغب في أن أعيش وأدع الآخر يعيش) في وئام وسلام وفق ما يتخذ كل طرف لنفسه من وسائل العيش التي يرتضيها لنفسه.
قال شوقي متحسراً يصور قسوة الاستعمار عند شنق الشيخ السبعيني المجاهد عمر المختار على يد المستعمرين الطليان:
ركزوا رفاتك في الرمال لواء
يستنهض الوادي صباح مساء
يا ويحهم ركزوا منارا من دم
يوحي إلى جيل الغد البغضاء
ما ضر لو جعلوا العلاقة في غد بين الشعوب مودة وإخاء لكنهم اختاروا ما يحيي تلك البغضاء في النفوس كلما سنحت السوانح .
في أم درمان حصدت مدافع المكسيم نحو عشرة آلاف قتيل من السودانيين في جبل كرري في ساعة أو ساعات قليلة ونبش اللورد (المتحضر) كتشنر رفات الإمام المهدي فاستبشعت ملكة بلاده تلك الفعلة بقولها فيما رواه آلان مورهيد : هذا فعل من العصور المظلمة! رغم أنها ابتهجت بنصره في كرري بالقول لقد اقتص له تعني أن كتشنر قد انتقم لمقتل غردون وهو عين ما قاله وينستون تشرشل الذي جاء مراسلاً حربياً مع الجيش الغازي، فيما معناه، وإن كان ما قاله يستبطن الاعتراف بشجاعة السودانيين: لقد قتلناهم ولم ننتصر عليهم! وتشتم من ذلك كله رائحة الدم والانتقام لكبرياء الإمبراطورية الجريح. ولعل بعض ذلك مما جعل مورهيد يعنون للباب الرابع في النيل الأبيض واصفاً سقوط دولة المهدية بـ انتصار المسيحية !
حقاً ما ضر لو جعلوا العلاقة بين الشعوب مودة وإخاء. ذلك النبل يحدث بقناعة لا يطرقها الشك ولا يتطرق إليها، بأن البشر متساوون في الإنسانية كأسنان المشط لا يميز بينهم لون ولا جهة. لكن ذلك يظل في زمرة الأماني العذبة العصية على التحقق، تحول دون تحقيقها ذرائع واهية بغرض التسلط ونهب الثروات.
تأمل بأدناه كيف يبرر الإنجليزي مارلو، أحد شخصيات، رواية الروائي جوزيف لونار (انجليزي من أصل بولندي توفي في ١٩٢٤) التي عنوانها قلب الظُلمة، استعمار الشعوب المختلفة عن الشعوب الأوروبية بالقول: إن الفتح يعني في معظم الأحيان أخذ الأرض من أولئك الذين تختلف ألوان بشرتهم عن ألوان بشرتنا وتحمل وجوههم أنوفاً فطساً قليلا بالمقارنة مع أنوفنا، ليس فيها ذات الشمم.
ذلك ليس عملاً منصفاً وجميلاً إذا أمعنت النظر فيه، لكن الذي يجعلها مقبولة هي الفكرة من ورائها، مجرد الفكرة وليس مجرد إحساس عاطفي زائف، لكنها الفكرة من ورائها وليس مجرد اعتقاد أناني. شيء تقيمه أنت وتنحني إجلالاً له وتضحي من أجله…. يبرر حكم الامبريالية لأولئك المختلفين الذين ذكرهم ربما جعلهم الاستعمار بشراً!
ورغم أن ما ورد جاء على لسان أحد شخصيات الرواية والتي احتفى بها النقاد باعتبارها نقداً للاستعمار، سيما وأن المؤلف من أصل بولندي وأن بلاده نفسها قد خضعت للاستعمار، إلا أن المثقف النيجيري ( شينوا آبشي) اعتبر الرواية في جملتها مسيئة للإنسان الإفريقي.
وقد اقتبس العبارة إدوارد سعيد في مقدمة الفصل الثالث من كتابه الاستشراق في الفصل المعنون بـ الاستشراق حالياً الآنOrientalism Now باعتبارها تعبر عن نظرة الأوروبي للآخر المختلف خَلقاً، لوناً وقسمات!

Leave A Reply

Your email address will not be published.