الحق القانوني للمواكب والتجمعات

العميد شرطة(م)
محمد أبوالقاسم عبدالقادر

الله سبحانه وتعالى الذي خلق الإنسان وأوجده من العدم اقتضت مشيئته أن يجعله حرا، وعلى الرغم من أن الغاية من خلقه عز وجل للخلق هي عبادته سبحانه وتعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) إلا أن إرادته جل شأنه جعلتهم أحرارا حتى في عبادتهم له(فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)،ونهى سبحانه وتعالى عن إكراه البشر وحملهم على اعتناق دين محدد (لا إكراه في الدين)، وهذا يعني أن الحرية هي الأصل حتى في المعتقدات والأديان، فلا مجال لبشر أن ينتقص من حرية الآخرين ذلك أن خالق البشر وموجدهم لم يرتض ذلك لنفسه، فمن العيب والعار أن ينصب كائنا من كان نفسه وصيا على البشر يطلب منهم أن يأتمروا بأمره وينتهوا عن نواهيه فيطغى ويتجبر عليهم ويكرههم على طاعته والامتثال والخضوع له دون إرادتهم.
– ولعل الدين الإسلامي الذي يعتنقه أغلبية الشعب السوداني احترم حرية الإنسان، حتى أن الله سبحانه وتعالى تحدث لرسوله الكريم في قرآن يتلى بقوله (ولو شأء ربك لآمن من في الأرض جميعهم أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)، وهذا يعني أن الحرية قيمة أساسية وحق أصيل وهي ثابتة دينا واعتقادا من قبل أن ينص عليها في الدساتير والقوانين التي تحكم الدول ومن قبل أن يشار إليها في المواثيق الدولية والاتفاقيات الإقليمية التي في أغلبها تشوه من قيمة الحرية، حيث تجعلها قائمة في كثير من الأحيان على أسس عنصرية بغيضة، وأحيانا على أسس طبقية وفقا للمقدرة المالية، إلى غير ذلك من الأسس التي يحرمها الإسلام الذي ينظر إلى الناس جميعا بصورة متساوية في حقهم للتمتع بالحرية .
– ومن الحرية أن يعبر الإنسان عن رأيه وفكره ويدعو له، وقد يتخذ هذا التعبير أشكالا متعددة كالمقالات والخطابة والمواكب والتظاهرات والاعتصام، والإضراب عن العمل والعصيان المدني إلى غير ذلك من أشكال التعبير السلمي، ومن الأهمية بمكان أن يكون التعبير سلميا، فخروجه عن نطاق السلمية يبعده عن قيمة الحرية و يحوله إلى جريمة، والفعل الذي يخالف القانون الذي ينظم حياة الناس لا يمكن وصفه بالحرية، ذلك أنه يكون قد تجاوز الحد المسموح وشكل خطرا على الآخرين بتهديده لسلامة المجتمع وأمنه.
– والمتتبع للقوانين التي تستند إليها الدول في الحفاظ على كياناتها وتحقق بها الضبط الإداري والاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وتعمل على إنفاذها حفاظا على مجتمعاتها يلحظ بوضوح إلى أنها مجتمعة تعمل على احترام كرامة الإنسان وحريته وحقه في حرية التعبير بكافة أشكاله، ولكنها تتفق جميعا على أن حق حرية التعبير هو حق مقيد وليس حقا مطلقا لا تحده حدود، فإذا نظرنا إلى التظاهر كتعبير نجد أنه أنموذج يجسد حق الإنسان في الحرية والتجمع السلمي والتعبير عن الرأي سلبا أو إيجابا، ولكن ينظر إليه فقهاء القانون على اختلاف مرجعياتهم بأنه حق ينبغي أن يكون مقيدا وليس مطلقا، ونجد أن معظم القوانين تجعل له قيدا يتمثل في عبارة (بما لا يتعارض مع القواعد القانونية وبما لا يضر بالنظام العام والآداب والأخلاق العامة )، وهذا القيد نص عليه في أغلب الدساتير التي تحكم في عدد من البلدان على اختلاف الأنظمة السياسية التي تحكمها ديموقراطية متعددة كانت، أو شمولية لنظام حزب واحد أو ديكتاتورية عسكرية مطلقة.
– فالقوانين يجب أن تحترم، باعتبار أنها الوسيلة الفعالة التي تعتمد عليها الدولة في حماية حقوقها وحقوق مواطنيها، فمن يقوم بفعل يهدد أمن الدولة وينتهك سيادتها ويقلل من طمأنينة مواطنيها ويشعرهم بالقلق على أنفسهم وأموالهم وممتلكاتهم هو بلا شك يقوم بفعل إجرامي يعرضه للعقوبة التي تتناسب مع الفعل الذي قام به وتحقق الردع المطلوب بحيث لا يعود لتكرار هذا الفعل مجددا.
– والقانون السوداني احترم حق الإنسان في التعبير، واعتبر أن التجمهر حق مشروع للتعبير عن الرأي ولذلك فإنه فعل مشروع، ويتحول إلى فعل غير مشروع إذا تصرف أفراد ذلك التجمهر بطريقة تجعله مخلا بالأمن والطمأنينة والسلام العام، ولا شك بان التصرفات والأفعال التي تمس بالأمن والسلام العام هي تصرفات تترتب عليها آثار خطيرة تشكل جرائم تؤدي لزعزعة الأمن والاستقرار في الدولة وتتسبب في التوترات الداخلية وقد تكون سببا في فقداننا لقيم عظيمة في مجتمعنا السوداني وعدم احترامنا لعاداتنا وتقاليدنا السمحة، وأكثر من ذلك قد تكون هذه الأفعال مدعاة لتدخل دولي لدول استكبارية تستفيد من هذه الأوضاع لتحقيق أطماعها الاستعمارية تحت شعار حماية المدنيين .
– وفي اعتقادي أن القوات النظامية لا يمكن أن تتعامل بطريقة همجية مع مواطنيها وتتسبب في إزهاق أرواحهم بهذه الطرق الوحشية التي يتم نشرها في وسائط التواصل الاجتماعي، وأكاد أجزم بأن هنالك أياد خفية لها مصلحة في تأزيم الأوضاع وإشاعة الفوضى خاصة وأن هنالك مطالبات كثيرة في أجهزة الإعلام الخارجية لبعض الدول للتدخل لحماية المدنيين !!؟، ولكن هذا لا يعفي الأجهزة الأمنية من البحث والتقصي والإسراع بكشف الحقائق عن الذين يرتكبون هذه الجرائم والقبض عليهم وتقديمهم للعدالة وإعلان ذلك للمواطنين، فإعلان الشرطة بأنها لم تطلق رصاصا هو أمر موثوق منه ولكنه غير كاف فالمطلوب الاجابة على سؤال من أطلق الرصاص وقتل أولئك الأبرياء؟.
– إن المواكب والتجمعات التي تخرج الآن، وأنا اتابعها من خلال الدعوات لخروجها هي تجمعات ومواكب في أغلب الأحيان تخرج عن إطار السلمية بما ترتكبه من أفعال غير مشروعة تتمثل في إغلاق الطرق بوضع المتاريس وفي ذلك إجبار للآخرين من المواطنين غير المشاركين في هذه المواكب ليسلكوا طرقا بديلة غير ممهدة وهي بذلك تتسبب لهم في العنت والمشقة إضافة لخلق شعور عام بعدم الطمأنينة وإنفلات الأمن، وكذلك إشعال الإطارات في الطرقات وما تسببه من أضرار صحية وتلويث للبيئة، إضافة للأعمال التخريبية في أرضيات الشوارع وأعمدة الكهرباء ولوحات الإعلانات والمظلات المنتشرة على جانب الطريق وغير ذلك من أنواع التخريب الذي لا يشير لسلوك حضاري ولا يوصل رسالة مطلبية محددة وٱنما يؤكد على همجية السلوك وصناعة الفوضى.
– والملاحظ أن هناك تعاملا عنيفا من الأجهزة الأمنية تجاه هذه المواكب بسبب تحولها لتجمعات غير مشروعة قد تهدد أمن وسلامة المواطنين، وهو تعامل غير مهني وغير احترافي فعدد الشهداء الذين أسأل الله أن يتقبلهم وطريقة إصابتهم ، وكذلك العدد الكبير للمصابين في وسط المتظاهرين ومن أفراد الشرطة يؤكد ما ذهبت إليه من عدم المهنية والاحترافية، وفي رأيي أن الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتعامل مع المتظاهرين هي الشرطة، ولا أعتقد ان الشرطة بما لديها من التزام قانوني وخبرة ودراية واحترافية في التعامل مع المتظاهرين يمكن أن تتسبب في إزهاق هذه الأرواح البريئة وهذا العدد الكبير من الإصابات التي حدثت حتى في وسط أفرادها، لذلك من الضروري ان تنسحب كل القوات الموجودة الآن في المشهد إلى ثكناتها، ويترك للشرطة فقط التعامل مع المتظاهرين بواسطة قواتها المدربة والمتخصصة في التعامل مع التجمهرات والمواكب حماية لها أو تفريقها، وفي حال إذا تحولت هذه المواكب لتجمهرات غير مشروعة وأتمنى ألا يحدث ويتكرر ذلك مستقبلا وعلى منظميها الانتباه لهذا الأمر، فالمبدأ القانوني الخاص في التعامل معها يكون بالتدرج في استعمال القوة وفقا للقانون وبهذا يمكن تفريق أي تجمهر غير مشروع بأقل الخسائر، وحتى لو اضطر الأمر قائد قوة الشرطة التي تتعامل مع التجمهر لاستعمال أقصى درجات القوة المتمثلة في الذخيرة الحية فيكون ذلك بطريقة احترافية محددة ومن أفراد محددين ومحترفين وتطلق الذخيرة في مواقع محددة بصورة غير مميتة، ولذلك من غير المتصور ان يكون هناك ضحايا وأرواح عزيزة نفقدها بهذا الحجم الذي تصوره أحهزة الإعلام، ولا ينبغي لاي قوة أخرى التدخل إلا إذا طلبت الشرطة ذلك بعد أن تعلن بأنها فقدت السيطرة على الأوضاع الأمنية.
– ختاما يجب علينا جميعا أن نرتقي بسلوكنا ونتعامل بصورة حضارية وننبذ العنف والفوضى وننصاع ونمتثل للقانون فالحرية لا تعني الفوضى ويجب أن يكون سلوكنا مؤشرا بحق وحقيقة للمدنية والديمقراطية التي نطالب بها والتي ننشدها ونتمناها كمنهج للحكم، وعلينا احترام القوانين والسلطات التي تنفذها فهي مظهر هيبة دولتنا الحديثة فهل نحن مؤهلون لذلك؟

Leave A Reply

Your email address will not be published.