كابلي نجوم لا تأفل (1-2) ربيع رياضنا ولى

سعيد عباس

حالة فنية انسانية استثنائية لأبعد الحدود يصعب تكرارها واعادتها مهما كان وكأنها حالة كونية نادرة الحدوث والتكرار كما الشهب والنيازك والاخاديد البحرية القديمة ، غنى بلغة رفيعة ورصينة اختار كلماتها من اضابير كتب الادب الجاهلي والعباسي، فصنفه جمع كبير بانه فنان الطبقة المثقفة والمستنيرة معا ، ولكنه افشل تصنيفهم عندما غنى وبمهارة متناهية الروعة والابداع للتراث والادب الشعبي فشدا (بالشيخ سيّروا) و(خال فاطمة) و(الجنزيرفي النجوم) و(فرتيقة ام لبوس)…الخ فصنفه كثيرون بأنه عبقري الاغنية التراثية ، ولكنه الهب نيران العشق والوجد وهجر الحبيب عندما غنى للشباب والعشاق حديثا بـ (حبيبة عمري تفشى الخبر) و(حبك للناس خلاني) و(شذى زهرٌ ولازهر) …إلخ إلا أن المتصوفة احتكروه و قالوا بأنه مجذوبهم ودرويشهم وذلك عندما سرق أحاسيسهم والبابهم بـ (ياربي صلي على المدثر) ثم ضرب الطار والدف وهو يوقد نار المجاذيب (بليلة المولد يا سر الليالي) لكن السياسيين والدبلوماسيين اعتبروه دبلوماسيًا وسفيرًا لجمال الكلمة و روعة الابداع التي لا تعرف ولاتعترف بالحدود الجغرافية وذلك عندما شدّ اما الزعيم جمال عبد الناصر بـ (آسيا وإفريقيا) ليقف الزعيم عبد الناصر مصفقًا ومتفاعلًا عندما قال كابلي (مصر يا أخت بلادي يا شقيقة) ليتناثر ألقه وفنه دون تأشيرة أو جواز سفر في كل البلدان العربية والافريقية والعالمية ، إلا ان حواء السودانية قالت بملء فيها انه عشق المرأة السودانية ونصيرها الاول منذ عهود خلت وذلك عندما دعمها ومجّدها وساندها وقال (اي صوت زار بالامس خيالي) إنه الكابلي وكفى .
الخرطوم : سعيد عباس
بطاقته الشخصية
هو عبدالكريم عبد العزيز محمد عبد الكريم يوسف عبد الرحمن الكابلي وكلمة (الكابلي ) تنسب الى جده الذي وفد الى السودان من العاصمة الافغانية كابول وذلك في بداية القرن التاسع عشر ،حيث استوطن والده ببورتسودان بعد ان ولد عبد الكريم فيها في بداية ثلاثينيات القرن الماضي وكان والده نائب رئيس ميناء بورتسودان في اربعينيات القرن الماضي وكان جده لأبيه تاجرًا ثريًا متجولًا بين الاقطار العربية والآسيوية حيث استقر به المقام بالقاهرة ليعمل مع احد اكبر تجارها ومن ثم يتزوج ابنته الوحيدة جدة الكابلي السيدة مبروكة احمد علي الدروي وهي ذات اصول تركية من ناحية والدتها ووالدها افغاني، ليأتيا الى السودان ابان تواجد محمد علي باشا به ويقومان ببناء وتأسيس أكبر قصر في مدينة سواكن على ساحل البحر الاحمر لا تزال اطلاله وبقايا أعمدته باقية حتى الآن يطلق عليه اسم (قصر الكابلي) حيث تم بناؤه على الطراز الاسلامي على هيئة قصور ومباني الدولة العثمانية والدولة الاموية وقصور اليمن ، ثم تزوج والد الكابلي بعد ذلك من منطقة القلابات شرقي السودان فأنجب ثلاثة ابناء اكبرهم عبد الكريم الكابلي ثم اختيه سميرة الكابلي وليلي الكابلي.
مراحله التعليمية
بدأ تعليمه كسائر أبناء جيله في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي بالخلوة بمدينة القضارف حيث كان محظوظا لأن شيخ الخلوة كان خاله الشريف الهادي ويذكر ان الشريف الهادي هو ابن الشريف احمد محمد نور زروق وهم من اشراف مكة المكرمة حيث ذهبوا لبلاد المغرب لنشر الدعوة وافتتاح عدد من الخلاوي ومن ثم عادوا في طريقهم الى السودان واستوطنوا بالقضارف وفتحوا فيها خلوة الشريف المعروفة لذلك جاءت مخارج كلمات الكابلي سليمة وقوية لأنه تشبع بقراءة القرآن وتجويد مخارجه منذ نعومة اظافره ، ومن زملاء الكابلي في تلك الفترة المبكرة من حياته بالخلوة البروف محمد احمد خليفة ، بعد ذلك غادر الكابلي الى مدينة بورتسودان برفقة والده الذي كان يعمل نائبا لرئيس ميناء بوتسودان ثم التحق بمدرسة بورتسودان الاولية الحكومية بديم المدينة ثم تدرج الى الثانوي العام وحينها لم تكن هنالك مدارس ارفع من تلك ببورتسودان فذهب الى الخرطوم ليلتحق بكلية مدرسة التجارة الصغرى التي كانت تُدرس عددا من العلوم منها المحاسبة والعلوم التجارية والطباعة على الآلة الحاسبة ، ثم تغير اسمها للمعهد الفني ثم الى جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا حاليا حتى تخرج كابلي بدرجة امتياز في مدرسة التجارة وتم توظيفه بالقضائية بالخرطوم قسم السجلات وحينها زامل مولانا عثمان خالد مضوي، ثم نُقل بعد ذلك الى مدينة مروي شمال السودان ليقضى فيها حوالي ثلاث سنوات كانت من اخصب سنين حياته الفنية حيث كتب فيها وغنى ولحن اغنية (فيك يامروي)
الهجين العرقي والفني في الكابلي
يلمح الناظر هجينا من التمازج العرقي والقبلي في الكابلي ، وقد جاء ذلك متنوعا تماما كمزجة التنوع الفني والابداعي لما يقدمه من الحان وكلمات حيث ان والدة الكابلي من القضارف وجده من افغانستان وجدته ذات اصول تركية امّا جده الشريف احمد محمد نور زروق وخاله الشريف الهادي صاحب الخلوة الشهيرة بالقضارف يعتبران من اشراف مكة المكرمة ليخلق ذلك الهجين العرقي هجينا فنيا نوعيا في قمة الروعة والابداع حيث ظهر ذلك الهجين الفني في مقدرة الكابلي الفائقة للتغني بكلمات من صميم اللغة العربية الفصحى فقد غنى للبحتري ويزيد بن معاوية والعقاد ومزج تلك اللغة العربية الفصحى بلغة عامية موغلة في المحلية حينما غنى (متين ياعلي تكبر تشيل حملي) و(القايمة بنبونة) و(دناب دناب يا الله فوق زينب) و(السيل بوبا يالفوتك مو دحين) وعندما تسمع نبرته وطريقة مخارجه حينما يغني كلمات بنونة بت المك ويقول (مادايرالك الميتة ام رمادا شح) او يقول (يالفوتك مو دحين السيل بوبا) تحس وكأنه من ابناء البطانة ومن الناطقين بلسانهم ونبرتهم ولكنك فجأة تلحظ ان الاحساس والنبرة تحولا الى لغة امدرمانية بحتة لأبعد الحدود عندما يغني (حبك للناس خلاني) إلى جانب ميوله الصوفية العذبة عندما يترنم بأهازيج ومدائح أهل الطريق فالكابلي سودان مصغر بكل تفاصيله المختلفة وتنوعه الجميل فقد ساعد تنقله وترحاله الكثير بين مدن السودان المختلفة بعجم عوده الفني والثقافي والابداعي لأبعد الحدود، سيما وانه يتملك ناصية الحس الابداعي والذوق الفني الرفيع بصورة فطرية وتلقائية فقد كان كثير التجوال بين بورتسودان وسواكن وكسلا والقضارف والقلابات وطوكر ثم الولاية الشمالية اضف الى ذلك تجواله وتطوافه بعدد كبير من مدن السودان الاخرى عندما كان يحيي فيها الحفلات العامة والخاصة، كان الكابلي يتجول في تلك البقاع بعين الباحث والمؤرخ والناقد، لذلك كان افضل من يقدم محاضرات عن التراث السوداني اضف الى ذلك تقديمه لعدد من البرامج الاذاعية والتلفزيونية المختلفة ، وللكابلي قدرة فائقة على الإقناع والامتاع الفني معا فقد ظهر ذلك جليًا في جولاته في اقاليم السودان المختلفة عندما غنى في مناسبات مختلفة في جنوب السودان امام اهلنا الدينكا والشلك والنوير وعدد من القبائل النيلية المختلفة وتمخض عن ذلك وبكل اعجاب فنان من جنوب السودان اسمى نفسه (بكابلي الدينكا) وسبق ان استضاف عبد الكريم الكابلي الفنان كابلي الدينكا من جنوب السودان في برنامجه التلفزيوني الشهير تراثيات وفي ذلك تأثير وجداني عميق وهو ان تؤثر حسيا ومعنويا وذوقيا في شخص غير ناطق بلغتك ولهجتك بل وتجعله يتغني بروائعك ويبدع .
بداياته الفنية
بدأ الكابلي الفن منذ نعومة اظافره تسبقه موهبه تنبئ بقدوم نجم كبير للساحة الفنية وانطبق عليه قول الاستاذ الراحل ميرغني البكري (ان معظم الفنانين الذين بدأوا حياتهم الفنية بالعزف على احدى الآت الموسيقية كانوا هم الانضج تجربة والاكثر رسوخا من غيرهم) إلا ان الكابلي هنا لم يبدأ حياته الفنية بآلة واحدة فقط فقد بدأ بآلتين هما الصفارة والعود وذلك بمستوى مهاريٌ كبير للغاية فقد كان يعزف الصفارة قبل ان يبدأ الغناء وكذلك عزف العود ولحن به قبل ان يظهر كفنان كبير على الساحة ،وكان الكابلي يلحن الاناشيد عندما كان بالمرحلة الاولية ببورتسودان ويعزف على الصفارة مما اكسبه قاعدة جماهيرية عريضة من المعجبين الطلاب وتفرغ مرة اخرى ليتعلم العود في بواكير صباه مع صديق طفولته ودراسته معا البروف محمد احمد خليفة ،وعندما وصل الخرطوم في بداية خمسينيات القرن الماضي اصبح يعزف العود باحترافية اكبر خاصة عندما زامل صديقه بالمدرسة التجارية ابراهيم احمد حامد الذي كان يقتني عودا وكمنجة وفي تلك المرحلة كان الكابلي يذكر كل اساتذته ومعلميه في اي لقاء تلفزيوني او اذاعي اوصحفي وذلك بمزيد من الشكر والوفاء والعرفان وغالبا ما يذكر الاستاذ درار صالح درار الذي يقول الكابلي بأن ذلك الرجل كان له القدح المعلى في اكتشاف موهبته وميوله الفنية في وقت مبكر ،ويذكر ايضا الاستاذ علي حسين واحمد محمد صالح ومحمد عمر بشير والاستاذ كمال البكري وخليفة خوجلي وابراهيم علي … إلخ.. و مما يؤكد ان الكابلي بدأ كبيرا هو انه بدأ يكتب الاغاني ويلحنها ويهديها لكبار فناني الساحة آنذاك فقبل ان يغني اعطى الفنان الذري ابراهيم عوض اغنية (ياحليلهم) واعطى الفنان عمر يوسف (سامحيني سامحيني) وقد اثبت الكابلي علو كعبه بعد ان اعطى الفنان القامة عبد العزيز محمد داؤود اغنية (يازاهية) وكانت من كلمات والحان الكابلي وهي من الاغاني التي لاتزال تتسيد الساحة وتكثر عليها الطلبات حتى الآن .
انطلاقة بسرعة البرق
تفرغ الكابلي لعمل عدد كبير من الاشعار والالحان بعد ان ذاع صيته كملحن وشاعر قبل ان يكون مطربا جماهيريا ، وكان شغوفا نهما للقراءة والاطلاع بصورة دائمة ومتجددة فحينها وجد في مجلة الاذاعة والتلفزيون قصيدة (آسيا وافريقيا) للشاعر تاج السر عباس فأعجب بها ايما اعجاب وبدأ يلحنها ويجودها توطئة لتقديمها للصوت الذي يراه مناسبا لها وكان ذلك في بواكير ستينيات القرن الماضي ، وعندما فرغ من تلحينها تماما جاءه وعلى حين غرة ومباغتة الاستاذ ابوعاقلة يوسف وابوعاقلة يوسف حينها كان من اكبرالاذاعيين والاعلاميين بالبلاد وترأس عددا من اقسام الاذاعة المختلفة التي عمل فيها منذ ايام المستعمر الاولى في العام 1934م ويكفى انه كان يعلق عندما كان الازهري ينزل العلمين الاجنبيين ويرفع علم السودان وتلتقط الكاميرا خروج طوابير الجيش الانجليزي الى القطار ، جاء ابوعاقلة ومعه وفد رفيع المستوى من وزارة الاعلام التي كان وزيرها في ذلك الوقت عبد الماجد أبو حسبو وقال للكابلي هل تعلم ان الزعيم جمال عبد الناصر سيأتي بعد يومين الى الخرطوم فقال الكابلي نعم قرأت ذلك في بعض الصحف فقال ابوعاقلة هل اكملت قصيدة آسيا وافريقيا قال الكابلي نعم وسأعطيها للفنان عمر الشريف ود الكابتن ليغنيها في ذلك المحفل الكبير فقال ابو حسبو لا والف لا،، انت من سيغني هذه الاغنية فقال الكابلي انا لم اغنِ بعد لجمهور يتجاوز الا بضعة اشخاص في جلسة سمر فكيف اغني امام حشد جماهيري يتقدمه مجلس السيادة والزعيم جمال عبد الناصر ؟فقال ابوحسبو بل ستغني ونحن واثقون من نجاحك . حينها لم يكن الكابلي قد غنى بمسارح جماهيرية ولم يغنِ بالاذاعة ولا التلفاز فكان تحديا اكبر من تجربته فقبل بالتحدي وجاء يوم الحفل باستاد الخرطوم الذي امتلأ حتى آخره ، وتم في فقرة من فقرات الحفل تقديم الكابلي ليغني تلك الاغنية وذلك على خوف ووجل من عدد من كبار الفنانين والموسيقيين الكبار اشفاقا عليه لحداثة سنه وكبر التجربة وعظمها بأعتبارها جرعة فنية اكبر من حجم تجربته الا ان الكابلي خذل كل التوقعات وغنى كما لم يغنِ من قبل والهب الحماس وابهج واطرب الآلاف من الجماهير بالاستاد خاصة عندما جاء في المقطع القائل (مصر يا أخت بلادي يا شقيقة).

Leave A Reply

Your email address will not be published.