نجوم لا تأفل علي المَسّاح دمع البكا

الخرطوم : سعيد عباس

هو من عمالقة وأساطين الحقيبة، وصاحب لمسة إبداعية إنسانية كبصمة حفرت على وجه جلمود صلدٍ بسحر الروعة ومداد الجمال والتفرد، وكنت إلى فترة قريبة معجب بقول المتنبي عندما تحدث عن نفسه وقال: (أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صممُ)، ولكني عرفت أن مكامن الروعة والألق في قول شاعرنا الذي أجاب لتوِّه دون تحضير مسبق، وذلك عندما سأل السائل، وقال من هذا؟، فقال: (أنا الحامل البلا ما شكا.. وأنا الكاتم السر ما حكا .. وأنا الحُجّة بحل مشبكة.. وأنا المسّاح دمع البكا). انه شاعرنا الكبير علي المساح .

(1)
هو علي أحمداني، الشهير بعلي المساح، ولد عام 1904م بمدينة ود مدني، ابتدر حياته العلمية كسائر أبناء جيلة بدخول الخلوة، ثم اتجه إلى العمل مع والده الذي كان يمتلك محلاً لتفصيل الملابس، فعمل معه صبياً يتدرب على فنون المهنة، ويساعد أباه، ولكنه لم يتفرغ تماماً لتلك المهنة، إذ إنه كان مولعاً بملاحقة أماكن الحفلات والأعراس والندوات في أي زمان ومكان، لذلك قيل إن لقب كلمة (المساح) أطلق عليه لذلك السبب؛ لأنه يتواجد في أماكن كثيرة ومتعددة ومختلفة في أزمان متقاربة، فقالوا لوالده: (ولدك دا زى المساح لافي في كل مكان)، إلا أن أننا في هذه الزاوية نرى أن سبب تسميته بالمساح، هو أنه ذكر في إحدى أغنياته وهي (نغيم فاهك يا ام زين دواي) التي قال في آخرها (أنا المساح دمع البكا)، ونعضد قولنا هذا بأن المساح اكتسب ذلك الاسم من أمدرمان وذلك بعد استقراره فيها في مرحلة أخرى، ولكن أغنية (نغيم فاهك يا ام زين دواي) كتبت في إحدى حسناوات ود مدني في عام 1928م، ووقتها لم يأت أمدرمان بعد حتى يكتسب الاسم.
(2.)
تأثر المساح في بداياته بخليل فرح والعبادي وأبو صلاح؛ لذلك كان يجاريهم في بعض أشعاره، وكثيراً ما يربط بعض النقاد بدايات عبد الرحمن الريح ببدايات علي المساح، إذ إن عبد الرحمن الريح، وهو في الرابعة عشرة من عمره، حمل وبكل جرأة قصيدة وتخطى كل الفنانين الموجودين وأعطاها إلى العملاق كرومة، وكانت تلك القصيدة هي (ما رأيت في الكون يا حبيبي أجمل منك)، فكانت انطلاقة حقيقية بكلمات معبرة وقوية، وسبقه المساح إذ كتب قصيدته، وهو في نهائيات الثالثة عشرة من عمره، فتلقفها عدد من عمالقة الحقيبة على رأسهم الشبلي، وعوض الجاك، حيث كانت القصيدة هي (الشاغلين فوادي وتايهين فايقين) وقصيدة الشاغلين فوادي رغم طولها إذ إنها أربعة وثلاثين بيتاً، إلا أن المستمع لا يحس بطولها وذلك لذكاء المساح الذي كتبها على طريقة المربعات، وهي نظام أربعة أبيات مربوطة مع بعضها البعض مع تجديد القافية في الأربعة القادمة دون الخروج من الجرس الموسيقي للقصيدة أو جنوح الأخيلة والمركبات اللفظية الخاصة بقالب القصيدة، بجانب رومانسيته الطاغية التي يحكمها بثقافته البلاغية الرائعة، فانظر إلى قوله (النسيم عاودني أقوم من نومي تاب .. مدهوش فكرى حاير مشطوب انشطاب .. يا نسيم باللهِ جيب رد الخطاب.. أوع الجاهلة نية وما بتحمل عتاب .
(3)
وللأمانة التوثيقية فقد وجدت في بعض أقوال الذين كنت أبحث معهم في سيرة المساح قولهم إنه كان أمياً ولم ينل نصيباً وافراً من العلم، ولكني أسمع حديثهم ثم أجد قصائد المساح تكذبه، انظر إلى قصيدته (ظبى الخدر)، وتلك القصيدة يحكي ويُعبّر فيها عن اشتياق وشجون أحد أصدقائه جاء يخبره ليواسيه، وصديقه هذا يدعى (غفار) فانظر كيف استخدم التورية والمجاز عندما قال (ظبى الخـدر المـاشاف (غفار) منو العسجد عار الصفار.. ظـبي الخـدر أين المـسار ناحل جسمي وزاد انحسار) فقد استخدم المجازات بأروع ما يكون واستخدم التورية أيضاً فادخل اسم العاشق (غفار) دون أن نحس به، مستعملاً المعنيين القريب والبعيد، وذهب لأبعد من ذلك حينما استخدم الاقتباس البديع مما يدلل ويؤكد حفظه للقرآن، وذلك عندما قال في (الشاغلين فوادي) (قوموا يا أحبة (نسترق السمع).. ما بطيق القعدة والمايق دمع) وعبارة نسترق السمع تلك وردت في سورة الجن عندما قال الله تعالى (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا) وقد عبر عن المثنى (زمانك والهوى أعوانك) وهو من أورع التعابير البلاغية التي يستخدمها العرب، ويجملون بها عباراتهم .. وهذا ما دعا بعضهم إلى أن يتفلسفوا عليه ويقولون (زمانك والهوى أعانك) وهذا تعبير صحيح ولكنه عادي ومبتذل ويفتقر للجماليات.. فتعبير الجمع يسكب مزيجاً من الألق والدهشة والجمال؛ لما يحمل الزمان والهوى من مقومات السيطرة والغلبة التي لا تجعلك إلا وأن تنصاع له فحسب، دع ذلك كله جانباً وتأمل قوله (هاجت عبرتي ويا دموعي كيف حبسانك.. وين تلقى المنام يا عيوني غاب إنسانك) انظر إلى الجماليات في (يا عيوني غاب إنسانك) أي إنسان يقصد المساح، إنسان العين أم الإنسان ذاتاً ووصفاً؟.
(4)
لا توجد للمساح قصيدة مندثرة أو منسية فقصائدة التي كتبها منذ عام 1914م لا تزال تغني حتى يومنا هذا ومنها (انت بدر السما في صفاك/ وظبي الخدر/ ونغيم فاهك يام زين/ وغصن الرياض المايد/ وزمني الخاين) …الخ، ويرى بعض النقاد أن المساح رجل رومانسي وحنين لأبعد الحدود، وذلك بأنه هو أول شاعرفي الحقيبة يُصغر النسيم) فقال (يا نُسيِمْ) بضم النون مما جعلني أصر على رأيي أن المساح قد قرأ شيئاً نحن لا نعلمه، فانظر إلى الجمل الصعبة والتراكيب اللفظية النادرة، إلا أنك لا تحس بصعوبتها منذ الوهلة الأولى، وذلك لجودة الحبكة المتقنة وجماليات السرد، فانظر إلى مفردة (مدنف) التي سألت عنها كبار المصححين اللغويين، ولم يعرفوها فاستعرت بالمعاجم اللغوية لأجدها بعد صعوبة بالغة ووردت كالآتي في أغنية (زمانك والهوى أعوانك) حيث قال (مدنف) ودي بيك لكن فقدت حنانك، وقد جاءت (مدنف) في لسان العرب كالآتي (هو الشخص براه المرض حتى وصل على حافة الموت)، وفي مختار الصحاح والمعجم الوسيط (الذي اشتد به مرضه حتى قارب على الموت) .
(5)
من المواقف التي تؤكد شاعرية المساح الفائقة هو أنه ذات يوم دخل إلى منزل ذويه، وكان به عدد من الضيوف، فسلم على الرجال الذين وجدهم في (الديوان)، ثم عمد داخلاً إلى عمق المنزل، فاستوقفته إحدى شقيقاته قائلة لا تدخل فمعنا نسوة أغراب، فرجع المساح قليلاً، وعلم أن هنالك امرأة فائقة الحسن والجمال اسمها (أم زين) كانت بالداخل فخشى أهل البيت أن يلمحها المساح، ويقول فيها شعراً قد يسبب لهم حرجاً، فرجع في مكان كان بينه وبين تلك الحسناء جداراً عالياً، فقالت الحسناء (الدنيا ليل وبيننا حائط عالٍ هو أصلو منو لا من يقدر يوصف في تلك العتمة)، فسمعها المساح واستفزه صوتها الجميل، ثم اجابها فوراً دون تحضير مسبق، فقال لها (أنا الحامل البلاء ما شكا.. وأنا الكاتم السر ما حكا .. وأنا الحُجّة بحل مشبكة .. وأنا المساح دمع البكا) ثم واصل قصيدته التي ذكر فيها اسم المحبوبة مباشرة، وقال (نغيم فاهك يا ام زين دواى.. شفاي البجبر قواي) تلك الرائعة التي غناها فيما بعد الفنان محمد حسنين، أما في حى المدنيين بود مدني كان المساح يهيم بفتاة مصرية اسمها (بهجة)، وهي تكتم مشاعرها تجاهه وفي يوم من الأيام سافرت إلى مصر، ثم رجعت بعد فترة طويلة، فسألت إحدى صويحباتها قائلة هل سيكون المساح قد كتب شعراً لغيابي، فأبلغت الفتاة المساح بذلك وبمعيتها الفتاة، فأنشد فوراً وقال: (زمانك والهوى أعوانك.. احكمي فينا هذا أوانك يا حمامة الغصون صداحة فوق أغصانك)، في تلك القصيدة يثبت المساح أنه تلقى علوم القرآن الكريم وذلك عندما قال (هاروت سحره مأخوذ من سحر عينانك.. ظلموك لو يقولوا الدر شبيه أسنانك، تأمل عبارة سحر هاروت ومن ثم انظر إلى الرقة البلاغية التي يقول فيها ظلموك لو يقولوا الدر شبيه أسنانك، القصيدة بأكملها تشكل مهرجاناً من فنون البلاغة، وروعة التعبير، ولوعة المحب، كما قال شيخ النقاد ميرغني البكري إن علي المساح لو لم يكتب سوى (زمانك والهوى أعوانك) لكفته، بينما وصلت بلاغة النظم والجمال في القصيدة عندما قال لها (اتعكر صفاي وبياضي أصبح حالك، والحال العلي يا ريتو لو يوحالك) حتى إذا وصل آخر القصيدة جهر باسم المحبوبة (بهجة) علناً فقال (لو شوفتك مباح دمي العزيز ما غلالك.. عدتي وعاد هناي يا (البهجة) هلّ هلالك.. رحم الله شاعرنا الكبير علي المساح بقدر ما أعطى وقدم لهذا الوطن العظيم.

Leave A Reply

Your email address will not be published.