الأيادي العابثة.. مُحاولات إفشال التحوُّل الديمقراطي في السودان!

ترجمة: سحر أحمد

قال المستشار السابق بمكتب رئيس الوزراء د. أمجد فريد في مقال له بصحيفة (فورين بوليسي)، إن السودان احتفل بالذكرى السادسة والستين لاستقلاله، وقد توقع الشعب السوداني قبل عام واحد فقط أن تكون هذه الذكرى السنوية للاحتفال به، مما يجعل البلاد تقترب خطوة من الحكومة المدنية والديمقراطية، خاصةً وأنّ السودان قد اعتُبر نموذجًا للأمل وسط اليأس العالمي والتراجع الديمقراطي بعد نجاح ثورة 2019 في الإطاحة بالنظام السابق بقيادة الرئيس عمر البشير، الذي وجّهت إليه محكمة الجنايات الدولية لائحة اتهام في عام 2009 بسبب دوره في الفظائع التي اُرتكبت في دارفور.
استعادة العلاقات:
مشيراً إلى أن السودان انفتح مؤخراً على العالم، وبدأ في استعادة علاقاته الدبلوماسية تدريجياً مع المجتمع الدولي، وقد اعتبر أن إزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب في ديسمبر 2020 مؤشرٌ لاستعادة البلاد لسمعته في جميع أنحاء العالم، وبدا أخيرًا أن السودان، الذي غالبًا ما ارتبط ذكره بالحروب الأهلية والانقلابات العسكرية، يتقدّم بثبات على طريق الاستقرار.
لكن الانقلاب العسكري في 25 أكتوبر 2021 هدّد هذا الأمل وأعاد البلاد إلى حالة من عدم الاستقرار. فقد أطاح الفريق الركن عبد الفتاح البرهان، القائد العام للقوات المسلحة السودانية ورئيس مجلس السيادة الانتقالي، بالاتفاق الذي جمع القيادات المدنية والعسكرية في ترتيبات انتقالية مدتها 39 شهرًا، إلا أن البرهان تصرّف بمعزل عن الاتفاق الدستوري، واستبعد المكون المدني وحل الحكومة الانتقالية واعتقل وزراء وكبار السياسيين، بمن فيهم رئيس الوزراء عبد الله حمدوك.
لاحقًا، في 21 نوفمبر، وقّع البرهان اتفاقًا مع حمدوك، أعاد رئيس الوزراء إلى منصبه لكنه لم يستعيد النظام الدستوري السابق. في وقت، استمرت فيه تداعيات هذا الاتفاق في التفاقم، وبلغت ذروتها باستقالة حمدوك نهاية الأسبوع الماضي.
مخاطر كامنة:
ولفت فريد إلى خطورة أن يمنح الجيش نفسه سلطات إضافية بموجب حالة الطوارئ وُيعيِّن رئيس وزراء جديد من جانب واحد، معتبراً أن الخطوة ستكون غير شرعية وغير دستورية.
ويقول مستشار رئيس الوزراء السايق، إنه بالفعل، منذ اللحظات الأولى لانقلاب أكتوبر، شن الشعب السوداني مقاومة شرسة وحازمة وسلمية. لا تزال الحياة الاقتصادية واليومية متباطئة، وفي بعض الحالات مجمدة منذ اليوم الذي استولى فيه الجيش على السلطة.
وفي الأشهر التي أعقبت الانقلاب، حشد ملايين السودانيين من جميع الأعمار والشرائح السياسية والأعراق في احتجاجات الشوارع لرفض الانقلاب العسكري.
لافتاً إلى أن السلطات واجهت هذا التعبير السلمي بالعنف والقمع وتزايد استخدام القوة. فقد قتلت قوات الأمن 45 شخصًا على الأقل بالذخيرة الحيّة. في 30 ديسمبر وحده، قُتل خمسة أشخاص، وأصيب العشرات، واقتُحِمت مُستشفيات، وقطعت وسائل الاتصالات والإنترنت، وهاجمت وسائل الإعلام بعنف.
مشيراً إلى أن رئيس الوزراء قدم استقالته، لأن مبادراته المتكررة لتشكيل توافق بين القوى السياسية والعسكرية قد فشلت – في جوهرها، وانهارت ركائز اتفاق 21 نوفمبر. فقد كانت أولويات الاتّفاق وقف إراقة الدماء، ووقف العنف ضد المتظاهرين السلميين، ومنح حمدوك الصلاحيات الكاملة لأداء مهامه التنفيذية، إلا أنه لم يحدث أيّاً من هذه الأشياء.
أزمة دستورية:
ويُحذِّر فريد من أن استقالة حمدوك تفتح الباب حالياً أمام كل الاحتمالات في السودان، لأنها تضع العسكريين والمدنيين في مواجهة مباشرة، إضافةً إلى أن استقالته أشعلت شرارة أزمة دستورية. للمجلس التشريعي الانتقالي سلطة اختيار رئيس الوزراء في حالة خلو المنصب، ومع ذلك لم يتم تشكيل المجلس بعد.
ويقول مستشار رئيس الوزراء السابق، إن في غياب هذا المجلس التشريعي الانتقالي، تمنح المادة 18-3 من دستور السودان الانتقالي لما بعد 2019، والتي لم يتم تعليقها وقت انقلاب 25 أكتوبر، تمنح قوى الحرية والتغيير، صلاحية اختيار رئيس الوزراء في حال خلو المنصب.
ويُنبِّه فريد من خطر أن يمنح الجيش نفسه سلطات إضافية بموجب حالة الطوارئ ويُعيِّن رئيس وزراء جديد من جانب واحد، معتبراً أن مثل هذه التحركات أحادية الجانب ستكون غير شرعية وغير دستورية – وغير مقبولة للمحتجين والقادة المؤيدين للديمقراطية.
واعتبر فريد أن الانتقال السياسي السوداني مثّل بصيص أمل جديد لإرساء الديمقراطية والاستقرار في المنطقة، على الرغم من المقارنات المنتظمة بين ثورة السودان والربيع العربي، فقد قدمت البلاد طريقًا للخروج من الاستبداد الذي كان مميزاً عن مسارات مصر وليبيا وتونس.
وبالنظر إلى القرن الأفريقي، يقول فريد إنه لا يمكن التقليل من نجاح السودان في تحديد آفاق إنهاء الحرب الأهلية في إثيوبيا وحل القضايا العالقة بين البلدين، المتعلقة بسد النهضة الإثيوبي الكبير والخلافات حول المناطق الحدودية.
مهدد إقليمي:
وبالنظر إلى غرب السودان، فإن معادلة الحكم الجديدة في تشاد بعد وفاة إدريس ديبي مرتبطة وتتأثر بأطراف في الحكومة الانتقالية السودانية، وعلى الأخص قوات الدعم السريع والحركات المسلحة من دارفور. فيما ينذر الارتفاع الحاد في وتيرة العنف بدارفور بحرب أهلية متجددة في المنطقة مع انهيار اتفاق النخبة السياسية الوطنية، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى عدم استقرار جديد في كل من تشاد وليبيا، حيث تنتشر المليشيات السودانية على نطاق واسع.
وفيما يتعلّق بجنوب السودان، يجب أن تعمل الحكومة الانتقالية في السودان كوسيط وضامن للسلام مع اقتراب جنوب السودان من العام الأخير لاتفاق السلام الخاص به، مع إصلاح قطاع الأمن والانتخابات في الأفق، لا يمكن أن يأتي غياب السودان في وقت أسوأ.
علاوةً على ذلك، فإنّ خطر نشوب نزاعات مسلحة بين البلدين بسبب نزاعاتهما الحدودية العالقة، سواء وضع منطقة أبيي المُختلف حوله أو ترسيم الحدود العديدة التي لم يتم حلها، يزداد بشكل كبير في ظل النظام العسكري في السودان.
واعتبر فريد أن ما يحدث حالياً في السودان ليس مجرد مشكلة أفريقية، إنها تلامس قلب المنافسة العالمية بين النظام الديمقراطي القائم على القواعد، وتلك البلدان التي تقدم مناهج استبدادية بديلة، سيما وأن انهيار التحول الديمقراطي المدني في السودان سيعزز الوجود الروسي في المنطقة، مشددًا على أن انهيار التحول الديمقراطي في السودان سيكون كارثيًا – بالنسبة لدول الجوار، وللنظام العالمي، ويقول: ولأولئك الذين يواصلون الوقوف إلى جانب المحتجين المؤيدين للديمقراطية في الشوارع. أنه لا تزال هناك فرصة للعمل، لكن النافذة تغلق. والسودانيون لا يستطيعون، ولا ينبغي عليهم التصرف بمفردهم. فهناك حاجة إلى عملية سياسية شاملة وميسرة دوليًا لإنهاء هذه الأزمة وبدء انتقال سياسي مُتجدِّد.

Leave A Reply

Your email address will not be published.