وساطة المبعوث الأممي في السودان.. تعقيدات التسوية السياسية

الخرطوم : حمدي صلاح الدين

قدم الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة رئيس بعثة يونيتامس في السودان، فولكر بيريتس، إيجازًا صحافيًا عن دور الأمم المتحدة القادم في تسهيل مشاورات أولية بين الفاعلين في المشهد السياسي السوداني. رحب عدد من الكيانات بمبادرة بيريتس في حين رفضها تجمع المهنيين، لجان المقاومة وأبرز أحزاب المجلس المركزي للحرية والتغيير.

مفاهيم فولكر
يعرف بيرتس بإلمامه بقضايا الشرق الأوسط، ورفضه استخدام مصطلح “الربيع العربي” الذي برأيه، “لا يعبّر عن التفكير في التزام استراتيجي طويل الأمد كون العملية سوف تستغرق سنوات طويلة”. وأوردت تقارير إعلامية عن فولكر يعتبر أنه رغمًا عن أن الإسلام يشكل جزءًا من المكون السياسي في بلدان الثورات العربية، إلا أنه لا يمكن أن تقوم دولة دينية في أي من دول الربيع العربي، ويشكك كذلك بالتزام الجماعات السياسية الإسلامية بأسس الديمقراطية.
ويرى فولكر أن النموذج الديمقراطي للغرب هو الذي سينتصر في الثورات العربية، وليس الأنظمة القمعية انطلاقًا من أن الناس خرجت للمطالبة بالعدالة الاجتماعية.
وطبقًا للمتناثر من أقواله فإن بيرتس نفسه صاحب قول يفيد بأن “الجماعات الجهادية أمثال “الدولة الإسلامية” (داعش)، يتّبعون أجندتهم العدمية الخاصة التي لا علاقة لها بمستقبل الدول. والأنظمة لا تقوم بمحاربتهم بل تستفيد من وجودهم بقدر ما يضعفون المعارضة وينشرون الذعر في صفوف الأكثرية الساحقة .
وكان لبيرتس أن كتب تصوره للحل السوري ونشر في صحيفة “هاندلسبلات” الألمانية، خلال شهر سبتمبر 2015، عبر مبادرة من الأمم المتحدة.
واعتبر في هذا التصور، أنه “سيكون من السابق لأوانه الدعوة إلى مؤتمر سلام كبير في سورية، إنما يمكن التركيز على خطة بديلة تقوم على إنشاء مجموعات للعمل على القضايا العسكرية والإنسانية، وعن نظام ما بعد الحرب، على أن تدار مفاوضات بمشاركة ممثلين عن الحكومة الحالية والمعارضة. هذه النقاشات من الممكن أن تكون مقدمة لمؤتمر سوري أكبر في سورية”. وعلى غرار التجربة الأممية في عدد من المناطق أطل المبعوث الأممي في المشهد السوداني محاولًا إيجاد أرضية مشتركة بين الفرقاء..

هل ينجح فولكر في خلق أرضية لتسوية سياسية في السودان؟
وفقًا لمواقف المجلس المركزي وتجمع المهنيين ولجان المقاومة الرافضة للمبادرة، استمرار الاحتجاجات والتصعيد، فكيف سيكون مصير المبادرة الأممية؟

يرى د.صدقي كبلو، عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني، في حديثه لـ”السوداني” أن مبادرة فولكر ولدت ميتة ولن تنجح ما لم تتغير موازين القوى في المعادلة الداخلية عبر الاستماع لصوت الشارع.
وعدد كبلو معسكر الرافضين، بالحزب الشيوعي، تجمع المهنيين، لجان المقاومة ومركزي الحرية والتغيير للمبادرة، معتبرًا إياها القوى الفاعلة على الأرض. وأضاف: فولكر ذكر في إيجازه الصحفي أن المؤتمر الوطني رفض المبادرة وأن المؤسسة العسكرية تقبل المبادرة وهذا يعني أن فولكر تواصل مع المؤتمر الوطني، وهذا مخالف للوثيقة الدستورية التي يدعو فولكر للرجوع إليها، واجتماعه مع الانقلابيين الذين يرفضهم الشارع.
وأكد كبلو أن ما يقوم به فولكر من مشاورات سياسية خارج نطاق اختصاصاته وفقًا لقرار مجلس الأمن 2524 الذي حدد مهامه في دعم الانتقال الديموقراطي. وذهب كبلو إلى أن المجتمع الغربي يمكن أن يغير المعادلة وتحديدًا الولايات المتحدة إذا فعلت نصوص قوانينها ضد الانقلابات العسكرية وصنفت ما جرى في السودان في 25 أكتوبر كـ”انقلاب عسكري”.
و أكد كبلو أن فرص نجاح مبادرة فولكر تتضاءل أمام رفض مكونات قوى الثورة الحية لها ووسط استمرار الاحتجاجات ضد الانقلابيين.

رؤية المجلس المركزي

ويذهب دكتور عصام على حسين، عضو المجلس المركزي للحرية والتغيير، في حديثه لـ”السوداني” إلى أنه وقبل التعليق على مبادرة فولكر التي جاءت، بحسب تصريحاته، لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء السودانيين دعمًا للعملية السياسي، وبالرغم من أن أغلب الأطراف قد أعلنت موقفها من المبادرة بشكل مسبق، إلا أن الإجابة على السؤال يجب أن تنطلق من جوهر الصراع القائم الآن في السودان وهو صراع في تقديري بين فئة انقلابية قليلة تسعى لاحتكار السلطة من أجل مصالحها الذاتية ومصلحة بعض دول المحاور الداعمة للانقلاب، وبين غالبية شعب السودان الذي ظل يناضل لأكثر من عامين ونصف من أجل الديمقراطية والحرية والسلام والعدالة .وأضاف: وحسب مهمته في السودان وفقًا لنص القرار رقم 2524، كان عليه أن يكرس جهده من أجل المهمة التي جاء أجلها للسودان ولكن الملاحظ وللأسف أن فولكر ترك مهمته الأساسية وبدأ يلعب دور الوسيط تارة وداعمًا للانقلاب تارة أخرى وقد اتضح ذلك من خلال دعمه لاتفاق حمدوك – البرهان الموقع في ٢١ نوفمبر ٢٠٢١م الذي صمم خصيصًا لشرعنة انقلاب ٢٥ أكتوبر وبالتالي أعتقد أن مبادرة فولكر ماهي إلا محاولة لإلقاء طوق نجاة للانقلابيين وإلا فعلى مبادرة فولكر أن تنطلق من حقيقة أن شعب السودان بكل أطيافه السياسية ومنظمات مجتمعه المدني في الريف والحضر رافضة للانقلاب والحكم العسكري ومجمعة علي مدنية الدولة والتحول الديمقراطي وتصفية ركائز التمكين وقد قدمت في سبيل ذلك ارتالًا من الشهداء وروت الأرض السودانية بدماء طاهرة زكية فعلى الأمم المتحدة ومبعوثها احترام سيادة ورغبة شعب السودان وتطلعاته والنأي بنفسيهما من أن يفرضا عليه أي شكل من أشكال الحلول القسرية..

آراء أكثر هدوءًا.. العصا والجزرة
ويرى المحلل السياسي م. محمد عبد السلام، في حديثه لـ”السوداني” أن مبادرة الأمم المتحده التي يقودها الممثل الأممي بالسودان تتلخص في مقابلة كل أصحاب المصلحة في السودان لعرض رؤاهم وخططهم واقتراحاتهم من الأزمة السياسية وكيفية إكمال الفترة المتبقية من عمر الحكومة الانتقالية يعقب ذلك مفاوضات مباشرة بين كافة الأطراف للوصول إلى حلول للنقاط المختلف عليها، على أن يتوج ذلك باتفاق سياسي مرضٍ للجميع. وأضاف: هذه المبادرة من الممكن نجاحها في حالة توفر إرادة ورغبة حقيقية للوصول إلى اتفاق من كافة الأطراف وإلى وجود ثقة في نوايا المكون العسكري ووجود ضمانات حقيقية لعدم انقلابه عليها، وتابع:
وأيضًا الحاجة إلى ضغوط المجتمع الدولي والمراوحة بين جزرة الدعم الدولي حال الاتفاق و عصا العقوبات الفردية للأطراف المعرقلة للانتقال الديمقراطي .

زوايا ومطالبات..
المحلل السياسي م. عصام ميرغني يرى في حديثه لـ”السوداني” أنه يجب أن يتم النظر إلى دعوة ممثل الأمين العام للأمم المتحدة للفرقاء السودانيين لإجراء مشاورات أولية لعملية سياسية، تهدف إلى الخروج من الأزمة السياسية الراهنة من ثلاث زوايا، الأولى عدم الإسراع بالحكم على هذه الدعوة بالفشل استنادًا على تجارب سابقة للأمم المتحدة أو لممثل الأمين العام فولكر بيرتس في المنطقة. وأضاف: لأن كل تجربة وكل دولة لها مشكلاتها وتركيبتها السياسية والعسكرية والاجتماعية والثقافية الخاصة بها لذلك لا يمكن تعميم النتائج على دول أخرى كما أنه من المؤكد أن التجارب الكثيرة قد أكسبت الأمم المتحدة خبرات أوسع في كيفية التعاطي مع القضايا السياسية المعقدة .
الزاوية الثانية بحسب عصام، أن الدعوة المقدمة لا تحمل مبادرة لحلول جاهزة أو مفروضة على السودانيين كما أنها في هذه المرحلة لا تدعو لجلسات تفاوض مشتركة بين الفرقاء ولا تطلب الالتزام بأي شروط مسبقة من شاكلة إيقاف التصعيد الثوري أو منع التظاهر أو الجلوس سويًا مع القوى الأخرى، وأضاف: إنما كل المطلوب هو أن تقدم القوى السياسية المدنية المختلفة بالإضافة إلى المكون العسكري كلًا على حدة تصوره لحل يؤدي إلى مخرج من الأزمة الراهنة ويقود السودان لديمقراطية مستدامة على أن يتم تقديم ذلك التصور لممثل الأمين العام الذي سيدرسه ثم يناقشه مع الجهة التي قدمته على انفراد. بعدها يتكرر نفس السيناريو مع المقنرحات المقدمة من جهات أخرى .كل ذلك من أجل الوصول لنقاط اتفاق تصلح كأرضية مشتركة للتفاوض الجماعي بين الأطراف المختلفة من أجل بلورتها في شكل اتفاق ملزم للجميع .
هذه ببساطة، والحديث لعصام، هي خطة الأمم المتحدة المقدمة للسودان وهي خطة مبنية كليًا على استخلاص رؤى سودانية للحل نابعة من أصحاب المصلحة الحقيقيين، وأضاف: بالتالي ماهو المسوغ الذي يجعل بعض المكونات السياسية ترفض قبول هذه الدعوة الجادة المسؤولة المقدمة لها من أجل تقديم تصورها لحل الأزمة ؟أم أن تلك المكونات لا تريد حلًا للأزمة؟.
واعتبر عصام الزاوية الثالثة، تتمثل في أنه يجب النظر الي ان هذه المحاولة من الامم المتحدة هي اخر فرصة مقدمة من العالم الخارجي لتقديم الدعم والمؤازرة للسودانيين من أجل إنقاذ بلادهم من الوقوع في مستنقع الخلافات وهدم ما سعوا بقوة لإنجازه بثورتهم, ففي حال أن امتنعت القوى السياسية والعسكرية المختلفة عن إبداء تعاون جاد ومخلص وتقديم حلول عملية تشمل تنازلات معقولة من كافة الأطراف من أجل أن تتسع قاعدة الاتفاق والتوافق بما يتيح المضي بالبلاد إلى بر الأمان -إذا لم يحدث ذلك- فأغلب الظن أن الأمم المتحدة ستوقف العملية وتعلن فشلها في الوصول لحل الأزمة السودانية وتنصرف لقضايا ومشكلات أخرى من قضايا العالم العديدة ..فهل حينها سيستطيع السودانيون لوحدهم إيجاد حل لازمتهم؟ وإن كانوا يستطيعون ذلك فلماذا لا يبتدرون ذلك الحل الآن وفورًا؟

الأمم المتحدة في المحيط الإقليمي.. فشل المبادرات
بحسب مراقبين تنوَّعت الأنماط والحلول السياسية من خلال مبادرات المجتمع الدولي في الشرق الأوسط وإفريقيا وعدد من بؤر النزاعات المشتعلة.
ففي الحالة الليبية بحسب تقارير إعلامية عملت على تقييم الموقف فإن رصيدًا من المبادرات الدولية تجري في سياق مخصوص نظراً إلى تأزّم الوضع الداخلي في ليبيا، وانعكاس هذا الوضع المتأزم على الأمن القومي للمنطقة ككل.
وظلت ليبيا حتى يومنا هذا قابعةً في المشكلات ذاتها، على الرغم من تغيير القيادات والإدارات في بعثة الأمم المتحدة، والتنوّع بين مبادرات الدول (خصوصًا الأوروبية) بشأن التسوية السياسية للملف الليبي، واختلاف دور آلية دول الجوار في التعامل مع الملف من آنٍ إلى آخر.

تدخلت الأمم المتحدة من خلال بعثة رسمية، رئيسها يعد ممثلاً للأمين العام، وهو ما يدلُ على الاهتمام الدولي للأمم المتحدة فيما يتعلق بالملف الليبي منذ سقوط نظام معمر القذافي والدخول في مرحلة من الخضوع إلى السلطة الانتقالية التي أفرزها النزاع السياسي، تبادل رئاسة البعثة الأممية في الداخل الليبي كلٌّ من: إيان مارتين، وطارق متري، لكن مع بداية حالة الانقسام في 2014، تغيَّرت قيادات البعثة الأممية، لكي تشهد أسماء جديدة لكن الأزمة لم تحل.
ويؤكد مراقبون أنه لم تكن هناك آلية واضحة للأمم المتحدة كمؤسسة فيما يتعلق بالشأن الليبي، وبالتالي كان كل رئيس بعثة يأتي بنمط مختلف من العمل في سياق الداخل الليبي، وأفرز ذلك كثيرًا من الاتفاقات والاجتماعات والمبادرات التي ظهرت بخصوص الملف على المستوى الدولي، ومن ثمَّ باتت الحالة الليبية إحدى القضايا الإقليمية في المنطقة العربية وشمال إفريقيا التي تشهد تدخلًا دوليًا مستمرًا ورقابة دولية عن كثب للتفاصيل المختلفة في ملف النزاع.

*الأمم المتحدة في اليمن*
ذكر مركز مالكوم كير كارنيغي المهتم بشؤون الشرق الأوسط أن فشل النموذج اليمني سببه أن التعامل مع دولة كاليمن، الذي هو ضعيفًا ومعرَّضًا إلى مخاطر أمنية حادّة، يتطلّب تحسين مؤسسات الدولة ودعم اقتصاد البلاد بهدف إحداث فارق ملموس للمواطنين. لكن عوضًا عن ذلك، استمر اليمنيون المحبطون في الوقوع فريسة الاستقطاب السياسي وجهود التعبئة التي قامت بها الجماعات المسلحة كالحوثيين أو تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية.
ويضيف المركز في تقرير له، إذا أُريد لأي نموذجٍ لحلّ النزاع أن يكون ناجحًا، ينبغي أن يتجنّب الوقوع تحت ضغط الوقت، وألا يناقش القضايا السياسية والإدارية قبل حلّ المشاكل العاجلة. لابد أيضًا أن يُقِرّ بالحاجة إلى نزع السلاح من اللاعبين غير الحكوميين في جوانب النزاع كافة.
أثبتت التجربة في اليمن، لن يكون في مقدور أي نموذجٍ لحلّ النزاع تحقيق السلام على الأرض، إلا إذا ترافق مع قيادة سياسية ماهرة، ومع التزام دولي فعلي بمعالجة الأزمة الاقتصادية.

Leave A Reply

Your email address will not be published.