(لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ)

بازليات…. أسعد المبارك علي ودبازل

جاء بيان الانقلاب المشؤوم معسولاً يقطر شهداً .. متدثراً بشيء من سحر الحق وزخرف قول وعاطفة مشبوبة لم يعجز القائد العام للقوات المسلحة عن بثها بين الحروف والكلمات والجمل والعبارات – على غرار من خدعنا بالدين انخدعنا له .
تصحيح المسار بإفساح المجال لبقية قوى الثورة في المشاركة، وحكومة الكفاءات غير الحزبية، والمجلس التشريعي، والمحكمة الدستورية ومجلس القضاء العالي والمجلس الأعلى للنيابة، ومفوضية الانتخابات، وقانون الأحزاب، والإحصاء السكاني – وصولاً إلى الانتخابات.
هكذا كان الرجل بارعاً في تسويق انقلابه على من خانوا العهد وتنكروا لميثاق الشعب والثوار – إلى الجالسين على رصيف الوطن يحلمون برفعته ويرجون نهضته وعزه وسؤدده ولذلك يعملون .
لقد انقلب البرهان في الخامس والعشرين من أكتوبر على من انقلبوا طيلة عامين كاملين على شعارات الثورة ومبتغياتها وفطرة الشعب السوداني الناصعة الغراء، ممن لم يتقدموا خطوةً واحدةً في اتجاه التحول الديمقراطي وتحقيق المدنية.
وتجاهلوا محاسبة المفسدين ممن تعدوا على حرمات الوطن في ظل الثورة، ومن أهل الإنقاذ، وتقديمهم مع قتلة الثوار ممن فضوا الاعتصام إلى محاكمات عادلة تعيد للعدالة وهجها الذي خبا، وللقانون هيبته التي بهتت شعلتها، وللحق قداسته التي لا ترام، ولدولة المؤسسات المأمول منها والمبتغى.. وإلى إدراك (ثمّ يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الوطن) بمصالحة تعيد التناغم للوجدان الشعبي كما كان في ديسمبر، وفيه للحمة الوطنية يرتقون ويعيدونها كما كانت جسداً واحداً إن اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
كان السباق بين شركاء الحكم في مضمار التنكر والفشل والخيانة على أشده حتى بلغ حداً استحالت معه الحياة السياسية إلى حرب وقودها تصريحات التخوين والسب والشتم والازدراء. ومع ذلك ظل رئيس الوزراء وأهل الصدارة وأصحاب المنابر والمبادرات في سبات عميق لا يحركون ساكناً يضع حداً للخطر الماثل الذي يتهدد الوطن في أمنه وسلامه وعافيته وعجلته الاقتصادية ووحدته وحكمه المدني وتحوله الديمقراطي .
ظلوا جميعاً وعلى رأسهم رئيس الوزراء في مساطب المتفرجين على ما يدور في المسرح السياسي من فصول مسرحية العبث والتناحر والوعيد والتهديد والاستقطاب مما لا يليق برئيس مجلس السيادة والمؤسسة العسكرية من ناحية، وبوزير مجلس الوزراء ووزير الصناعة وعضو المجلس السيادي ولجنة التمكين من ناحية أخرى .
كانوا لا يراعون للوطن إلاً ولا ذمةً، ولا يخشون عليه تمزقاً أو انهياراً أو حرباً أهليةً، ولا يرعون له حقاً أو قضيةً.
إزاء هذا الوضع الغريب جرت مياه كثيرة تحت الجسر دفع ثمنها الوطن الذي لا بواكي له وهذا الشعب المغلوب أمره – غلاءً وجوعاً وخوفاً ويأساً وإحباطاً وأدواءً لطالما عز علاجها وفشلت مواجهتها بجد وحزم ووطنية ..حينها كان لا بد للموقف أن ينفجر بواسطة من كفته هي الأرجح في ميزان القوة. فكان الانقلاب الذي ظاهره من قبله تصحيح المسار والوعود البراقة في البيان والمؤتمر الصحفي، وفي باطنه مسلوب الإرادة والارتهان لكل هوى وشريعة إلا هوى الوطن وشريعة الحق والخير والجمال.

كان القائد وطنياً في بيانه، مضطرباً في خطواته، مهموماً في حركاته، مغموماً في سكناته، متردداً في قراراته وتوجهاته.
يحسن الأقوال ويسيئ الأفعال، يبشر بالوعود ويخالف في التصرفات والسلوك.. لا لشيء إلا لتنازع الخير والشر في نفسه ذات الفطرة السودانية الخالصة، والتجربة الإنسانية غير المبرأة من عيوب الخذلان والصمت عن كثير من الخيبات والآثام التي ليس أولها غض الطرف والصمت عن مجزرة فض الاعتصام أمام بوابات القيادة العامة، أو ترك موارد البلاد من الذهب وغيره من السلع النقدية المختلفة نهباً لصالح مافيا الذهب والأقطان.
صراع الخير والشر في النفوس يبقى دائماً بحاجة إلى وجهة ومقصد وسند ومعين في مثل هذه اللحظات التاريخية الفارقة في حياة الأمم والشعوب.
فإن ضل عن الله سنداً ومعيناً، وعن الحق وجهةً ومقصداً – فلنبشر بالخيبة والخسران، التي ترسو على شواطئها الآن كل سكنات وتحركات الدكتور حمدوك والفريق البرهان .
ما كان من شأن الفريق البرهان هو ذاته شأن الدكتور حمدوك الذي نال من ثقة الشعب وتأييده ما لا يستحق. سيما أنه قد عجز عن استثمار ذلك في إعادة بناء الوطن بإشاعة العدل في الحياة، واستنهاض قيم الخير لدى الشباب، وتفجير طاقات التعمير والبناء، وتحقيق شعارات الثورة وتجسيد معاني الحرية والسلام والعدالة في أرض الواقع، ووقف نزيف التهريب والاقتتال .
عندئذ كان سيطمئن الثوار والمعارضون على الوطن وعلى مستقبله بفضل صفحة العدالة التي تنشر، وصون الدماء من الهدر والإراقة، وحماية الموارد والحقوق من العبث والتجني. لكن ارتهان الرجل للخارج لم يترك له بداً من السير في طريق مرسوم مسبقاً، لا يرعى من حرمات الوطن ومصالحه شيئاً إلا الوعود البراقة الزائفة، والمعايير المزدوجة، وكلمات الحق التي أريد بها باطل.
ما نجح الرجل إلا في التضييق على الشعب في حياته اليومية وضروراتها التي لا تحتمل التأجيل، وفي الذهاب به حتف أنفه عكس تيار فطرته وهويته ودواعي فخاره واعتزازه باستجابة سخية لروشتة المؤسسات المالية الدولية المفخخة. حتى لكأني به لم يرد لهذا الشعب والوطن والشباب الذي تغنوا باسمه طويلاً ما بين الشكر والتأسيس – إلا تبعية عمياء وخداع وإذلال، حتى سقط باتفاقه وإعلانه في مستنقعات الهتاف الذي ليس آخره (… الشعب لسع حي) بعد حمدوك المؤسس، وشكراً حمدوك !
وهكذا كانت الحرية والتغيير وبخاصة أولئك الذين دانت لهم الأمور في الفترة الماضية .
ومن قبل ومن بعد كان تجمع المهنيين الذي كان مصدر ثقة لهذا الشعب الذي كم سلمه زمام القيادة وسار من خلفه طيلة أيام الثورة. لا يتخلف عن دعوة ولا يتأخر عن مليونية.
تباينت التقديرات على مستوى مكونات قوى الحرية والتغيير – حركات كفاحها المسلح في الجبهة الثورية وحزب الأمة والحزب الاتحادي – تجاه ما حدث في الخامس والعشرين من أكتوبر، وما تبعه من اتفاق مبادئ وإعلان سياسي بين البرهان وحمدوك. ولا يزال الأمر محل اختلاف وتباين في وجهات النظر والتوصيفات. بلغت ذروتها وحدها الأقصى في حزب الأمة، الذي كان بعض قادته يباركون ويؤيدون حد المساهمة في هندسة الاتفاق والإعلان – بينما يذهب البعض الآخر إلى وصف الأمر بالانقلاب..هكذا كان اضطراب المشهد أمام كثير من الأفراد والجماعات والمنظمات والحركات والأحزاب والتجمعات.

لكن من عجب فإن شباب الثورة وحدهم لم تختلط لديهم الأوراق ولم يضطرب أمامهم المشهد.. كانت صورة الانقلاب أوضح ما تكون أمامهم، لم يخدعهم ما جاء في المؤتمر الصحفي للبرهان أو ما جاء من قبل في البيان.
هكذا ظلوا يؤكدون باستمرار أنهم جيل لا يقبل الاستبداد والتسلط من فرد أو حزب أو مؤسسة مهما علا الشأن وكان التقدير والاحترام .
كيف لا وقد ضرب هذا الشباب مثلاً رائعاً حينما زهد في حمدوك وتخلى عنه بمنتهى اليسر والسهولة حينما ضل الطريق وتنكر للحب والتفويض والتأييد، وهو ينحاز إلى قائد الانقلاب ويرضى بشرعيته دون شرعية الشعب التي كم كانت مبذولةً في عبارات :
*#شكراً-حمدوك*
*#المؤسس-حمدوك*
اللهم إني أبرأ إليك مما صنع البرهان، ومن بعده حمدوك ومن معهم ممن انقلبوا على أحلام شعب صابر في شراسة حليم ذي غضب،عنيد ذي بأس.. لا يخشى ولا يهاب ولا يبدل ولا يغير ..تقوده فطرته السمحة إلى سواء السبيل الذي هو الوقوف بالمرصاد لكل من تسول له نفسه العبث أو المساس بأحلامه في حكم مدني ديمقراطي رشيد، يجور بعده السلطان وتهدر فيه الحقوق والمكتسبات وتنهب فيه الموارد والثروات .
حكم مدني يعز فيه أهل الطاعة ويذل فيه أهل المعصية وتمضي فيه البلاد إلى حيث المؤسسات والقانون والواجبات والحقوق والتداول السلمي للسلطة . ويذهب في سبيله من يجودون بأنفسهم إلى رحاب جهاد حمزة الذي هو أفضل الجهاد، ويكون عند الله جهاد رجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله.. أسأل الله أن يتقبل من جادوا بأنفسهم في سبيل مجابهة الطغاة ورفض استبدادهم وطغيانهم – في شهداء أفضل الجهاد.. وأن يتقبل توبتنا وأوبتنا في رحلة بحثنا عن الحق، الذي ما كان البرهان أو حمدوك يوماً بعد الثورة من أهله..
قال الشاعر :
متى يبلغ البنيان يوماً تمامه
إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
فإلى متى تظل الأحزاب والحركات ومنظمات المجتمع المدني متخلفة عن الشعب والشباب.. الطبيعي أن تكون هي القائد بفضل احترافيتها وتخصصها، الموجه بما عندها من معارف ومكاسب وقدرات على استشعار الهجمة الشرسة والتدخل السافر ودس السم في عسل إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية .
ظني أن الفرصة لا تزال متوفرة لجمع الصف، فالوطن يجمعنا وينتظرنا؛ والشعب قد قام بما عليه ولم يستبق شيئاً .
فلماذا لا تلتقي الأحزاب والحركات والجماعات وقادة المؤسسة العسكرية على كلمة سواء .
سباق المصالح الضيقة ينبغي أن يتوقف لصالح الحياة والتاريخ إجابةً عن سؤال كبير يقرر المآل والمصير بعد متاع الحياة الدنيا الذي ما هو في الآخرة إلا قليل.. ويزاوج الإجابة مع قول الله عز وجل :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ).

Leave A Reply

Your email address will not be published.