ملوري بلاكمان: الأمل نبراس الحياة (3 – 3)

الدكتور عمر مصطفى شركيان

مهما يكن من شأن، فقد كانت بلاكمان في عهد الصبا ترغب الرغبة كلها في أن تصبح معلِّمة لغة إنكليزيَّة إلى أن قال لها مشرفة الطلاب: “إنَّ النَّاس السُّود لا يغدون أساتذة!”  فقد قالت المشرفة قولها ذلك وهي مطمئنة في ذلك أو كالمطمئنة، ولكن أمست بلاكمان تستشيط غضباً، وأخذت تشعر بشيء من الأسى شديد يدبُّ في أوصالها وهي ساخطة أشد السخط، وفي نفسها حسرات قويَّة لا يكاد يشعر بها الطرف الآخر.
وقد قرأت بلاكمان أوَّل كتاب لكاتب أسود هو “اللون البنفسج” (1982م) للمؤلفة أليس ووكر، وكانت في ذلك الرَّدح من الزمان تبلغ من العمر الحادي والعشرين عاماً.
 ولا سبيل إلى الشك في أنَّها قرأت السِّير الذاتيَّة لأرقاء سابقين، مثل سولومون نورثوب في مذكِّراته الموسومه بـ”12 عاماً في العبوديَّة” (2013م)، وهو ذلك الكتاب الذي تمَّت أفلمته.
 ثمَّ لا مريَّة في أنَّها استفادت مما كتبه هؤلاء الرَّاسخون في السَّرد القصصي من أئمة المذكِّرات، الذين تميَّزوا بالجرأة، وجمعوا بين ثنايا مذكِّراتهم صحيح أقوالهم، وصريح ما تعرَّضوا له في دنياهم.
 إذ قرَّرت بلاكمان أن تلج باب الكتابة في الثمانينيَّات من القرن المنقضي، وهي ما زالت تعمل في الحاسوب الآلي بلندن.  وقد توصَّلت إلى حقيقة مفادها أنَّ هناك ندرة في الكتب التي تهتم بالشخصيَّات السُّود، وكان عليها إما أن تتشاكى على هذا الوضع، أو تفعل شيئاً ما تجاه الأمر.
 وفي هذه الأثناء نذكر أنَّ الكاتبة الأمريكيَّة السوداء توني موريسون كانت قد أوصت قبلئذٍ حين قالت “إذا كان هناك كتاب تودُّ أن تقرأه، ولكنك بالكاد لم تجده، قينبغي عليك أن تكتبه بنفسك.”
 وعلى المرء أن يستخدم ما منحه الرَّب في سبيل تحقيق غاياته بنفسه، وقد منح الله الأسد عبالة العنق، أي غلاظة وضخامة العنق، ليستخدمه من أجل أي شيء يروم القيام به بنفسه دون الاستعانة بغيره.
 ولله در القائل:
عَبالةُ عُنْقِ اللَّيث من أجل أنَّه إذا رام أمراً قام فيه بنفسه
على أيَّة حال، إذا رغب الإنسان أن يجعل الأمور أفضل مما عليه فعليه أن يأمل ويعمل، لأنَّ الأمل نبراس الحياة، والعمل وقود النجاح.
 وعندما يمر شخص ما بالمعاناة، ويبدأ بالتفكير في الاستسلام عليه أن يتذكَّر قوَّة الأمل، أي الإيمان بأنَّ ذلك الشيء الجميل ليس وهماً رغائبيَّاً (Wishful thinking)، بل يمكن تحقيقه إذا كان ينوي أن يعمل في سبيل الوصول إليه، ويستوجب أن يقاتل من أجله.
 الأمل، إذاً، هو الإقرار بأنَّه إذا عملنا، وآمنا بأنفسنا، فيمكننا أن نحقِّق كل أحلامنا، بغض النظر عن الحدود التي قد يضعها في طريقنا الآخرون.
 فالأمل لا يستطيع الإنسان مهما يكن أن يلهو عنه، أو يعرض عن التفكير فيه؛ لأنَّه يمس نواحي الحياة بما يبتسم له من أمل، وما يُظلم أمامه من يأس، وما يحبب إليه ويزهده فيه، وما يجعل دهره سروراً وبهجة، أو حزناً وشقاءً كله.
 وكثيراً ما يسترشد النَّاس بأجمل بيتي شعر في الأمل لعالم الأدب الطغرائي المتوفي سنة 514هـ في قصيدة لاميَّة العجم، ولسنا ندري لم سُمِّيت هذه القصيدة، التي حاكى بها قصيدة لاميَّة العرب للشنفري الأزدي، بـ”لاميَّة العجم”:
أعلِّلُ النَّفس بالآمالِ أرقُبُها
ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأمَلِ
لم أرتضِ العيشَ والأيَّامُ مقبلةٌ
فكيف أرضى وقد ولَّتْ على عَجَلِ
تجدر الإشارة هنا إلى أنَّ العرب دوماً ترمي كل ما استقبحوه بالعجم.  ألم تروا ماذا قال أحمد بن علي القلقشندي في كتابه “صبح الأعشى في صناعة الإنشا” حين كتب: “وإنَّما تقاصرت الهمم عن التوغُّل في صناعة الكتابة والأخذ منها بالحظ الأوفى لاستيلاء الأعاجم على الأمر، وتوسيد الأمر لمن لا يفرَّق بين البليغ والعيي لعدم إلمامه بالعربيَّة والمعرفة بمقاصدها، حتى صار الفصيح لديهم أعجم، والبليغ في مخاطبتهم أبكم.”  
أو كما قال الشاعر المصري من الروَّاد الأعلام، وأحد قادة مدرسة الإحياء في نهاية القرن العشرين، حافظ إبراهيم مستهجناً أحداً، أو واصفاً إيَّاه في صورة المدح الذي يشبه الذم، أو العكس:
أعَجمِيٌّ كاد يَعلو نَجمُهُ
في سماء الشعرِ نجمَ العربي
هذا كله مع العلم علم اليقين أنَّ هناك ثلة ممن أسموهم الأعاجم قد بلغوا شأواً عظيماً في الأدب والشعر وعلم الكلام والبلاغة والفصاحة، ولا يسع المجال هنا لذكرهم.
 ولعلَّ الباحث رشيد الخيُّون قد ازاح الستار في مبحثه القيِّم “أثر السُّود في الحضارة الإسلاميَّة” (2015م) عما استتر من أمر السُّود وممن أسمَّوهم الأعاجم، وما خُفي من خزائنهم، ثمَّ كان تأليفه هذا بمثابة النصرة لسائر من نعتوهم بالأعاجم بلا استثناء.  أولئك الذين أُشرِبوا في نفوسهم الذلَّة والمحقرة سواء لأوضاعهم الاجتماعيَّة الوضيعة، أم أعراقهم الحامية، أم انتماءاتهم إلى ذاك الصقع من أصقاع إفريقيا.
 إذ لم تكن استنتاجات الدكتور الخيُّون، أو المباذل التي جاد بها يراعه، عارية عن الإسناد، بل لتجدنَّه قد استوعب وحفظ وسجَّل كل ما عثر عليه في بحثه الدؤوب.
أيَّاً كان من شأن العرب والعجم، فنحن هنا لسنا بصدد كتابة سيرة ذاتيَّة لشخصيَّة بلاكمان، بقدر ما أردنا التنويه عن مثولها في المجال الأدبي، وما يتعلَّق بالسُّود ومعاناتهم اليوميَّة في الأمم الغربيَّة من التعرُّض إلى الثَّلب باللون.
 فقد يكون كتاب “الأصفار والصُلبان” من أفضل أعمال بلاكمان الذي فيه استخدمت الخيال العلمي والديستوبيا للتعريض بالعنصريَّة في القضايا الاجتماعيَّة والأخلاقيَّة.
 فإذا كانت وظيفة الأدب والفن الأساسيَّة هي دعم الخيال والتشكيك بالحقائق وزعزعة الثوابت، إلا أنَّ الديستوبيا في الخيال العلمي ترجِّح الخيال الأدبي محاولاً تقديم صورة للمستقبل بين التوقُّع والتنبؤ.
 والرواية عند الأديب المصري الدكتور جابر عصفور هي رمز للتسامح في مواجهة التعصُّب، ورمز التعبير للأحسن، وهي التي تواجه القمع والتسلُّط في كل زمان ومكان.
 مهما يكن من شيء، فقد نشرت بلاكمان أكثر من 70 كتاباً، منها “هاكر” (1995م)، و”صبيٌ بقلب خنزير” (1997م)، و”لا تخبرني الأكاذيب” (1999م) وغير ذلك من المؤلَّفات العديدة، حتى باتت أديبة كتوباً؛ فإذا كان المرء قويَّاً على الفعل جاء وصفه أو قيل فعول.
 ففي نهاية الأمر أدركت بلاكمان أنَّها جمعت التفاصيل لتأليف “الأصفار والصُلبان” كخلاصة لحياتها في الدنيا.  وبلاكمان هي الحائزة على جائزة بافتا، وكذلك OBE، وبالكاد يسطع نفوذها في كل الأمكنة والأزمنة.  
وهنا يبدو أنَّ الوقت قد حان أن نذكر أنَّه في العام 2013م باتت بلاكمان الكاتبة الثامنة من الحائزين على الجوائز في المملكة المتَّحدة في كتب الأطفال، ومن ثم احتلَّت عناوين الصحف بحملة لتحسين التعدُّديَّة في كتب الأطفال.  
وهي التي صرَّحت في يومِ ما أنَّه إذا كان هناك ثمة هدف قد حقَّقته في هذا الكوكب – كما اعتقد وآمل – فهو أنَّني استطعت تحبيب القراءة إلى ثلة من النَّاس، وربما قد أفلحت في أن أجعلهم كتَّاباً كذلك.
 أجل، إنَّها هي الإثرة ذاتها، والإثرة هي إيثار الآخرين على النَّفس، وفي قوله تعالى: ” وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ” (الحشر: 9).
وفي نهاية الأمر نستطيع أن نتعلَّم أنَّ تحسين سبل الحياة يأتي من الفرد أولاً.  فحين نستدرك أنَّ الأشياء ما باتت تسير على الصراط المستقيم، ونودُّ إحياء أشياءً فضلى، فعلينا أن نبدع في الفن، ونكتب الكتب، أو نتبرَّع ونتصدَّق، ونحث الذين يستطيعون التزكية بما لديهم بأن يقدموا على ذلك، ونسمح لأفعالنا أن تعبِّر عن مثاليتنا الجوانيَّة، ونبشِّر بالحضارة من خلال المعرفة والكرامة، ونعيد القيم الجميلة، وحين يحين الوقت المناسب، نجد أنَّ المجتمع نما نمواً خلَّاباً يسرُّ النَّاظرين.

Leave A Reply

Your email address will not be published.