تشييع الشهيد “شعيرية”.. الشوارع تزداد اشتعالًا

الأحداث التي تلت تشييع الشهيد محمد فيصل الشهير بـ” شعيرية ” في مدينة ودمدني أمس الأول زادت جذوة الثورة اشتعالًا سيما وأن الأمر لم يتعد قتل الثائر فقط وإنما تبعته وقائع أخرى من التعدي على موكب التشييع والقمع المفرط الذي وقع على المشيعين وعلى إثره أصيب إثنا عشر شخصًا بحسب لجنة الأطباء السودانية، ويؤكد مراقبون أن ارتفاع وتيرة المد الثوري بود مدني والولاية الشمالية والعاصمة المثلثة من شأنه أن يزيد من انضمام عدد من المدن الأخرى والولايات إلى الالتحاق بموكب الثورة الساعي إلى استعادة المسار الديمقراطي وإيقاف إجراءات الانقلاب، باعتبار أن سحابة الحزن قد تمددت الآن وغطت كل سماء البلاد مما يقود إلى تخلي الصامتون على القتل الواقفون في خانة المتفرجين على مواكب الثوار عن حيادهم والانحياز إلى الشباب في حراكهم الثوري المتنوع الأساليب وعدم إلقاء اللوم عليهم والاعتراض على التروس والإغلاق بحجة مصالح الناس.
الخرطوم: مهند عبادي
الموقف في الأمانة العامة
وفي ودمدني أعلنت أمانة حكومة ولاية الجزيرة، عن تعليق الدراسة في جميع المراحل الدراسية لأجل غير مسمى، وتشهد مدينة ودمدني منذ الجمعة وأمس الأول السبت حالة من التوتر وانتشارًا واسعًا للقوات الأمنية نتيجة للاحتجاجات والتظاهرات التي أعقبت وفاة الشهيد محمد فيصل (شعيرية) الذي أصيب برصاصة في عنقه إبان مواكب (17) يناير الجاري ونقل لمستشفي الطوارئ بمدني ليفارق الحياة، ويتم تشييعه في موكب عظيم من قبل مواطني ولجان المقاومة، وفي السياق أدت لجنة التحقيق وتقصي الحقائق حول مقتل الطالب محمد فيصل في أحداث ١٧ يناير القسم امام والي ولاية الجزيرة أمس بقصر الضيافة بودمدني، وتتكون اللجنة من الدكتور منير عكاشة عثمان وزارة العدل، والأستاذ نبيل عبدالله يوسف النيابة العامة، والأستاذ نزار محمد البرعي وزارة العدل، والأستاذ عمر يوسف عدلان النيابة العامة، وممثل وزارة الصحة، وشدد والي الجزيرة المكلف الأستاذ عبدالهادي عبدالله عدلان على أن تضم لجنة التحقيق محاميًا يمثل أسرة الفقيد لمزيد من الشفافية، وأكد التزام حكومة الولاية بكشف الحقائق وتسليم من تورط في هذا الحادث للعدالة، وتم تتريس الشوارع الرئيسة بالحجارة وإشعال الإطارات وأدى ذلك لمحاولة الشرطة تفريق المتظاهرين بإطلاق الغاز المسيل للدموع، أعلنت لجنة أطباء السودان المركزية عن تعرض مواكب تشييع الشهيد محمد فيصل خلف الله (شعيرية) بمدينة ودمدني إلى عنف مفرِط عبر استخدام الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع، وأوضح بيان للجنة الأطباء سقوط (12) إصابة بينها إصابة بالرصاص الحي في الفخذ، وإصابة في الرأس برصاص مطاطي، إلى جانب إصابة في القدم برصاص مطاطي وإصابات أخرى بقنابل مسيلة للدموع وحالات اختناق.
جدول اليوم الثوري
وطبقا لجدول لجان المقاومة لمليونيات شهر يناير فإن اليوم الإثنين سيكون يومًا جديدًا من أيام المواكب الهادرة والمستمرة في البلاد ومن المنتظر أن تخرج عدة مدن ومناطق في الحراك الثوري رفضًا للإجراءات التي اتخذها قائد الجيش الفريق البرهان في أكتوبر الماضي، وتجيء المليونية بعد عشرات القتلى وآلاف المصابين الذين سقطوا في المواكب السابقة بفعل العنف المفرط من قبل السلطات تجاه المتظاهرين السلميين، وأمس الأول خرجت مدينة ودمدني في مواكب وفاء للشهيد محمد فيصل قابلتها الأجهزة الأمنية بوابل من الغاز المسيل للدموع كما أغلق الثوار الشوارع الرئيسية بالمدينة ومدخل كوبري حنتوب، وينتظر أن تخرج لجان مقاومة مدني اليوم الإثنين في موكب ضخم وفاءً للشهيد “شعيرية”، وسط توقعات بانحياز أعداد جديدة من مواطني ود مدني لمواكب الثورة سيما بعد حالة الحزن التي تسيطر على أجواء المدينة، وهو الأمر الذي يأمل الكثيرون أن ينتقل إلى بقية مناطق السودان والعاصمة المثلثة بانضمام جموع الشعب السوداني الواقف في رصيف الانتظار لمآلات الأوضاع بالبلاد إلى صف الثورة والمشاركة في الفعل الثوري بالانحياز إلى الحراك في الشارع والمساهمة مع الشباب في إيقاف القتل والسحل والممارسات القبيحة التي يتعرض لها الشعب في الفترة الأخيرة، فالاوضاع حاليًا لا تقبل سوى المشاركة في استعادة المسار الديمقراطي وعدم إتاحة الفرصة للطغاة بالاستفراد بحكم البلاد وقتل العباد.
نقطة فاصلة
وبحسب بابكر حماد الناشط في العمل العام فإن ما حدث في تشييع محمد فيصل بود مدني ربما يكون نقطة فاصلة في مسار الثورة وبفضلها ستنقلب الموازين إلى صالح الشباب بالنظر إلى أن الصورة الآن ربما تكون أكثر وضوحًا من ذي قبل لدى الكثيرين ممن يظنون أن الإجراءات التعسفية والقتل والسحل يحدث فقط ضد بعض المئات من الشباب الغاضبين المنتمين إلى أحزاب سياسية فقدت السلطة، فالشاهد أنه وبعد مقتل الريح في بحري وشعيرية في مدني وما تلى ذلك من أحداث صاحبت تشييع الجثامين والتعرض إلى المعزين بموقع العزاء ينذر بمخاطر جسيمة تهدد الشعب السوداني قاطبة وعليه ينبغي على كافة جماهير الشعب التصدي لهذه المحاولات والعمل مع لجان المقاومة لإيقاف هذه الإجراءات القمعية واسترداد حكومة الثورة من الانقلابيين، وهي دعوة بحسب بابكر يجب على كل ذي بصيرة أن يعممها على محيطه الخاص لكسب المزيد من الأعداد إلى صفوف الثوار وحتى تنجح الثورة في مساعيها باقتلاع الانقلابيين .
ويقول دكتور أمجد مصطفى في مقالة مبذولة على الأسافير، عندما انطلقت الاحتجاجات الشعبية ضد حكم البشير في ديسمبر ٢٠١٨، كانت في بدايتها وعلى الرغم من شجاعتها وبسالة المشاركين فيها، محدودة العدد وإلى حد ما بدت ضعيفة التأثير. تعامل الشارع السوداني معها بنوع من الترقب والانتظار لمعرفة رد فعل النظام وكيفية تطور الأحداث، وكان يغلب على الشارع العام الإحباط مع نوع من فقدان الأمل في أن تؤدي تلك الاحتجاجات إلى أي تغيير حقيقي في المشهد السياسي مع ثبات المتظاهرين وبطولتهم في تحدي القبضة الأمنية، وازدياد القمع وارتفاع أعداد المعتقلين بدأ الموقف الشعبي حينها رويدًا رويدًا في التحول من المشاهدة إلى المشاركة، مما أدى إلى اتساع رقعة الاحتجاجات وتزايد وتيرتها مع ارتفاع أعداد المشاركين فيها، مما أفقد نظام البشير صوابه وجعله يلجأ إلى العنف الشديد والقسوة المفرطة، ما أدى إلى سقوط الشهداء من بين المحتجين، مما أدى بدوره إلى استمرار الاحتجاجات وتصاعد خطورتها على نظام البشير. نحن الآن، وبعد انقلاب البرهان الأخير، نجد أنفسنا في نفس الموقف الذي كنا فيه إبان الايام الأخيرة لحكم البشير، أو الأيام الأولي للثورة لا فرق، حيث إن القوى القمعية نفسها لنفس النظام الديكتاتوري الفاسد (مع تغير بعض الوجوه) تمارس نفس القمع الوحشي ضد الشعب الأعزل الذي رفع نفس الشعارات …المطالبة بالحرية والعدالة.
لا شرعية
الفرق هذه المرة أن العالم بأكمله يعلم ما يدور في السودان ويوثق جرائم القتلة اليومية، ويقف في صف الشعب ويرفض إسباغ أي شرعية علي الانقلابيين، متمسكًا بعودة حمدوك، الذي أصبح هو وأبطال لجنة إزالة التمكين أيقونة الثورة ورمز النضال من اجل الدولة المدنية ومكافحة النظام السابق، مشيرًا إلى أن الكتلة الحرجة الأهم خارج دائرة الفعل حاليًا، أعني بذلك الكتلة الحرجة داخل القوات المسلحة السودانية، هذه الكتلة الحرجة، ولأسباب متعددة بحسب أمجد وضعت نفسها في موقف المتفرج حاليًا، بنفس الطريقة التي كان الشارع السوداني عليها في ديسمبر ٢٠١٨، فمتى ما أدركت هذه الكتلة خطورة الوضع الاقتصادي وتداعيات الأزمة الحالية عليهم كأفراد وعلى السودان كدولة، لا شك عندي أنها قادرة على الحركة سواء الفردية أو الجماعية لتغيير الوضع الراهن، الاقتصاد السوداني يتجه إلى وضع كارثي اسوأ من الذي كان عليه قبل سقوط البشير، ونحن نرى الآن بوادر ذلك مع الزيادات المعلنة أخيرًا في أسعار المحروقات، عندما يواجه العسكر الواقع المزري المتمثل في انهيار القوى الشرائية لمرتباتهم الضعيفة أصلًا، مع وجود مقاطعة دولية وعقوبات مرتقبة، ستعجل بهذا الانحياز، مما يجعل قيادة الجيش غير قادرة على حماية منسوبيها من الانهيار الاقتصادي الحتمي والوشيك، وقتها ستبدأ كتلة الجيش الحرجة بالانضمام للاحتجاجات ورفض الانقلاب لأنه ببساطة ضد مصلحتها وسيهدد بقاءها، وبحسب أمجد فإن الأمل الوحيد للسودان يتمثل في أن يتمكن الشعب من كسب كتلة الجيش الحرجة هذه لصف الشارع العام.
ظللنا ننزف
بينما تظل رسالة لجان المقاومة الثابتة وديباجتها المعلنة في المضي قدمًا نحو تحقيق الأهداف مطبوعة في قلوب وعقول كل الثوريين “ظلنا نزف الشهيد تلو الشهيد دون أن ننحني لهذا الجلاد أو نلين للسفاحين الذين سبقوهم، إن من ينتظر سقوطنا أو انكسارنا عليه أن ينتظر طويلًا، أو أن تخور قوانا فلعمرنا هذا لن يحدث إلا إذا أرتقينا جميعًا حينها ربما أن ينجح هذا الانقلاب الغاشم، ولكن طالما أن هناك متسعًا للشهيق والزفير نؤكد أننا سوف نواصل فيما خطى فيه الشهداء والجرحى بدمائهم، متسلحين بوعي شعبنا وسلميتنا القاطعة كحد السيف”.

Leave A Reply

Your email address will not be published.