القمح.. عندما يصبح الإنتاج أزمة

الخرطوم : رحاب فريني

رسم مزارعو الجزيرة والولاية الشمالية صورة قاتمة لمستقبل زراعة القمح بالسودان، لما ترتب على زراعته من آثار سيئة منذ التأسيس مروراً بمرحلة الزراعة والحصاد .
وتذمر المزراعون من سياسة الدولة تجاه الزراعة خصوصا زراعة القمح، لما صاحبها من عثرات تمثلت في تأخير المدخلات وانعدام سماد اليوريا وتحديد سعر تركيزي مجزٍ، إضافة إلى مشاكل الري وأخيراً مشكلة التسويق التي أثرت كثيراً على المنتجين، ممثلة في إحجام البنك الزراعي عن الشراء؛ بحجة عدم صدور توجيه من الجهات المختصة بفتح باب الشراء من المزارعين .
في وقت عاب مسؤولون بالدولة تأخير استلام البنك الزراعي للقمح (التكلفة فقط)، دون الرجوع لوزارة المالية أو البنك المركزي حتى يضمن البنك سداد مديونيته، ومن ثم ينتظر توفير سيولة من بنك السودان لاستلام الفائض، واستنكروا تأخير الاستلام، بحجة عدم السيولة في ظل عدم وجود مخزون إستراتيجي، بجانب أن الحرب على أوكرانيا قد تؤثر كثيراً في حدوث ندرة في القمح .
لا مبالاة
رئيس تجمع مزارعي الجزيرة والمناقل، طارق أحمد الحاج، أكد، في حديثه لـ(السوداني)، أن مركز القرار في الدولة في الوزارات ذات الصلة بالزراعة ليس لديها علاقة بالزراعة، ولا تقيم المواقيت، وقال إن عدم تقييم المواقيت يؤدي إلى إضرار جسيمة، وأضاف أن كل المؤشرات في سياسة الدولة تتعامل مع زراعة القمح منذ التأسيس بعدم اهتمام بدأ من توفير المدخلات، وهذا يؤكد أن الوزير المختص يتعامل بالاتكالية في الإجراءات، ولا يعرف الأضرار المترتبة عليها .
وقال طارق إن ما ترتب في حصاد القمح من ضرر في الترحيل والتخزين والتسويق والتكلفة يؤكد التعامل باللامبالاة، وأن الزراعة شيء ثانوي للدولة، وأضاف: “صحيح الدولة متجهة في التحول الاقتصادي لسياسة البنك الدولي، وهذا لا يمنع زراعة القمح، وهو محصول مهم”، وتساءل: “ماذا فعلت الدولة في دعم المدخلات في الوقت المناسب؟”.
وقال: “نحن كمنتجين لا نريد من الدولة شيئاً غير تمكين المزارع من الوصول إلى الإنتاج فقط، وأكد أن ما حدث لزراعة القمح في الموسم الشتوي، يؤثر على زراعة القمح مسقبلاً في السودان، ويترتب عليه آثار سيئة، وزاد: “الآن مزارعو القمح في تذمر تام والمزارعون لديهم وقفة قوية تجاه السياسة الرعناء تجاه القمح لرد الاعتبار للزراعة ولمحصول القمح .”
إهانة المنتج
المنتج يحفّز في كل مكان، وتقدم له مقومات الإنتاج مجاناً عدا في السودان، المنتج يهان ويذل، ولا يجد التقيّم الأمثل الذي يليق به، واستنكر مقرر تجمع مزارعي الجزيرة والمناقل المزارع، مصطفى الطريفي، محاربة الدولة للمنتج، وهو ينتج في ظروف معقدة، وفي ظل انعدام مخزون إستراتيجي، وقال الطريفي: “أستعجب أن الدولة تحارب المنتج! وهذا لم يحدث إلا في السودان، والذي حدث في الموسم الزراعي لم يحدث من قبل، ومارسته الدولة في العروتين، وأعقبته بسعر التركيز الذي يدل على عدم الاهتمام، وأنه لا توجد دولة، وأن الدولة رفعت يدها من المنتج”، مشيراً إلى أن إحجام البنك الزراعي عن استلام الإنتاج من المنتج يدل على عدم وجود دولة، وتساءل: “هل الدولة اكتفت من المخزون الإستراتيجي؟”، مشيراً إلى أن وزارة الزراعة المصرية سخرت كل إمكانياتها لشراء القمح من المنتج بسهولة ويسر، وهذا يحفز المنتجين، قال: “نحن قضينا شهرين في استعطاف وزارة المالية لتحديد سعر، وتم وضع سعر دون المستوي” .
فشل الدولة
وأكد الطريفي فشل الدولة في توفير المال لشراء القمح، إضافة إلي فشلها في تعويض المزارع الخسارة التي حدثت في الموسم، مؤكداً أن القمح تم بيعه للتجار بسعر (25 – 26) ألف جنيه فقط، وهذه خسارة، قال: “الآن حالة الإحباط تسيطر على المزارعين، وأن هنالك مزارعين أكدوا عدم زراعة القمح والقطن في المواسم القادمة، بسبب تعرضهم للخسارة”، مؤكداً على أن الموقف ينذر بخطر بسبب ممارسة الدولة، أضاف: “الآن مقدمون علي عروة صيفية، وبسبب القمح سوف يحدث إحجام عن الزراعة على كل المحاصيل، والأمر ينذر بكارثة قد تؤدي إلى مجاعة
إذا الدولة لم تهتم بأمر الزراعة”، وقال إن المنتج يحفّز في كل مكان وتقدم له مقومات الإنتاج مجاناً عدا في السودان، فالمنتج يهان ويذل ولا يجد التقييم الأمثل الذي يليق به، واتهم الدولة بأنها تعمل عملاً ممنهجاً المقصود منه المزارعون، وهذا لا يقدم البلاد، وأضاف أن الزراعة مهملة والمزارع ضحية، وتساءل: “هل وزارة المالية زهدت تماماً في محصول المخزون الإستراتيجي؟” .
ودعا الوزارات ذات الصلة لأن تصحو من النوم العميق وتلتفت لأمر الزراعة .
وكشف المزارع بالولاية الشمالية منطقة السليم، صاحب الدين محمد نور، عن تدني أسعار القمح بالسوق، وقال في حديثه لـ (السوداني) بلغ سعر القمح حالياً في السوق ما بين (22 – 25) ألف جنيه، مؤكداً أن البنك الزراعي لم يفتح باب الشراء حتى هذه اللحظة، لافتاً إلى أن مواعيد السداد للبنك الزراعي يوم 30 من شهر مايو الحالي، وقال صاحب الدين إن سعر التركيز الذي أعلنته الدولة بواقع (43) ألف جنيه ضعيف يساوي (50%) فقط من تكلفة الإنتاج، وزاد: “بلغت تكلفة حصاد الفدان (50) ألف جنيه في ظل تدني الإنتاجية”، وأضاف: “تقدر إنتاجية الفدان ما بين (6 – 8) جوالات للفدان فقط، وعزا تدني الإنتاجية إلى تأخر الحصاد وتأثير حرارة الطقس على القمح.
ورطة مشروع الجزيرة
لوح محافظ مشروع الجزيرة والمناقل، د. عمر مرزوق، باللجوء إلى مجلس السيادة في حال عدم استلام البنك الزراعي للقمح خلال يومين، وأكد في حديثه لـ(السوداني)، أن إدارته استلمت حوالي (400) ألفاً من جوالات التكلفة، من المزارعين الذين تمولوا عبر إدارة المشروع، وقال: “نحن الآن في ورطة بسبب عدم استلام القمح من المنتجين”، مؤكداً أن عدم استلام القمح من المزارعين سوف يؤدي إلى عزوف المزارعين عن زراعته في المواسم القادمة، وقال مرزوق: “من المفترض البنك يستلم (التكلفة فقط) من أيدي المزارعين؛ لأن البنك صرح بعدم وجود سيولة”، وأضاف: “وزير المالية أعلن شراء القمح، وأصدر توجيهاً إلى محافظ بنك السودان ومن المفترض بنك السودان يوفر السيولة”، وزاد أن حاليا الكرة في ملعب بنك السودان .
وقال مصدر موثوق بالبنك الزراعي ــ رفض ذكر اسمه ـ من المفروض أن يستلم البنك القمح بسعر التركيز، ولا ينتظر توجيه من المالية، وعليه استلام السداد فقط .
وقال: “جرت العادة الاستلام عيناً وليس نقداً، وبالسعر التشجيعي”، مؤكداً أن عدم دخول البنك في شراء القمح ساهم في تدني السعر في السوق، كاشفاً عن صدور قرار اليوم بشراء القمح التكلفة فقط، مؤكداً أن شراء البنك للقمح سوف يثبت سعره في السوق، وهذا مهم جداً حتى لا يترك المزارعين لجشع التجار، كاشفاً عن زيادة في أسعار القمح عالمياً بلغت (40%)، وبالتالي لابد من تأمين الغذاء للبلاد؛ لجهة أنه لا توجد لدينا عملة لشراء القمح، وبالتالي مفترض أن تشتري الدولة بالعملة المحلية، حتى لا يكلف الدولة كثيراً .

Leave A Reply

Your email address will not be published.