الحرية والتغيير والمكون العسكري.. مستقبل الحوار

الخرطوم: مهند عبادي

منذ الإعلان عن عقد اللقاء غير الرسمي الذي جمع بين المكون العسكري والحرية والتغيير الخميس الماضي، تصاعدت وتيرة الاحتجاجات الرافضة لأي تسوية أو اتفاق مجددًا مع العسكر، وخرجت المواكب والفعاليات المختلفة في عدة مناطق بالعاصمة والولايات رفضًا للحوار مع المكون العسكري الذي أقدمت عليه قوى إعلان الحرية والتغيير من خلال القبول بالطلب الأمريكي السعودي..

اجتماع الأضداد.. ردود أفعال رافضة
وجد الاجتماع رفضًا واسعًا في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اعتبره كُثر بأنه بمنزلة بداية للتصالح مع قادة الجيش الذين نفذوا انقلابًا عسكريًا في 25 أكتوبر 2021، وأعلن “تجمع المهنيين” السودانيين وعدد من لجان المقاومة، الجمعة، تمسكهم “برفض التفاوض المباشر وغير المباشر” مع العسكر.. واعتبر تجمع المهنيين السودانيين قائد الحراك الاحتجاجي في بيان، أن “المخطط الدولي والإقليمي لقطع الطريق على الثورة، تقوده الآلية الثلاثية للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي و(إيقاد) لفرض واقع جديد هدفه منع الثورة من الوصول لغاياتها وأهدافها. وأضاف “نؤكد على موقفنا الرافض للتفاوض سواء كان تفاوضًا مباشرًا أو غير مباشر، وأخطرنا بذلك دعاة التفاوض الدولي والإقليمي من خلال الآلية الثلاثية، وسنواصل التصعيد المستمر مع شعبنا حتى إسقاط السلطة الانقلابية”. بدورها أفادت لجان مقاومة الخرطوم شرق، ومدينة بحري شمالي العاصمة، ولجان مقاومة مدن “الكاملين والحصاحيصا ورفاعة وودمدني” وبورتسودان في بيانات منفصلة اطلعت عليها الأناضول رفضها “لأي دعوة للتفاوض المباشر أو غير المباشر مع الانقلابيين، وأكدت لجان المقاومة، على “استمرارها في المقاومة السلمية المبتكرة والمجربة لإسقاط الانقلاب” وتواصلت المظاهرات السودانية المطالبة بإبعاد العسكر و”محاسبة قتلة المتظاهرين وإقامة حكم مدني ديمقراطي، وخرج مئات المتظاهرين، الجمعة، في مدينة أم درمان غربي العاصمة للمطالبة بالحكم المدني، دعت لها لجان المقاومة، حسب شهود عيان وردد المحتجون شعارات ضد قوى إعلان الحرية والتغيير احتجاجًا على لقائها مع المجلس العسكري، وبررت الحرية والتغيير، عقدها الاجتماع مع قادة الجيش، رغم الرافض الواسع له بأنها تعتمد ثلاث وسائل لهزيمة الانقلاب تتمثل في الثورة الشعبية والتضامن الدولي والحل السياسي المفضي إلى تسليم السُّلطة للمدنيين، وأضافت إلى ذلك، العمل على إنهاء الحوار المباشر الذي يشرعن للانقلاب واستمرار دعم السعودية وأمريكا إلى جانب الشعب السوداني والقوى الديمقراطية وعزل قوى الانقلاب.

مجرد الجلوس.. مبررات لم يهضمها الشارع
ورغم أن قوى “إعلان الحرية والتغيير” قد أكدت الجمعة، أنها لن تعود للشراكة مع العسكر بل أنها تسعى لتأسيس علاقة جديدة مع القوات النظامية، إلا أن مجرد الجلوس في اجتماع مع المكون العسكري بحسب بعض القوى الثورية يعتبر كفرًا بواحًا بالثورة وأهدافها المتمثلة في إنهاء الانقلاب ورجوع العسكريين إلى ثكناتهم وخروجهم من المشهد السياسي في البلاد، وقالت الحرية والتغيير إنها “طرحت في الاجتماع ضرورة إنهاء الانقلاب وتسليم السُّلطة للشعب، عبر خارطة طريق واضحة وقاطعة، في إطار عملية سياسية تضم الحرية والتغيير والذين قاموا بالانقلاب”، ودعت في بيان قوى الثورة إلى وضع رؤية مشتركة لمساندة خطة التحالف وحق الشعب السوداني في نظام مدني ديمقراطي شامل، وأشار إلى أن العملية السياسية يجب أن تُجري عبر مراحل أولها إنهاء الانقلاب ومن ثم تأسيس وضع دستوري جديد يقوم على مدنية الدولة ويتعاطى مع اتفاق السلام والنأي بالجيش عن السياسة والإصلاح الأمني والعسكري.

اجتماع الثلاثية.. ماذا قالت (قحت)؟
وفي السياق التأم أمس السبت اجتماع ضم الحرية والتغيير مع الآلية الثلاثية قدمت من خلاله الحرية والتغيير رؤيتها لإنهاء الانقلاب وتسليم السلطة للمدنيين، وتأسيس وضع دستوري جديد يقوم على مدنية الدولة تتعاطى مع اتفاق السلام وإبعاد الجيش عن السياسة، وقال رئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير إن الحرية والتغيير واجهت ضغوطًا دولية للانضمام إلى حوار السلام روتانا ولكنها تمسكت برفضها القاطع للأمر، وأضاف في تصريحات عقب اجتماع الآلية الثلاثية بالحرية والتغيير أمس السبت، أن التغيير لن تحيد أبدًا عن مطالب الشارع الثوري مهما حصل معها، وجدد الدعوة إلى قوى الثورة للعمل في مجموعة وتشكيل جبهة موحدة لمقاومة الانقلاب، مشيرًا إلى أن الآلية الثلاثية طلبت مهلة للتفاكر حول مطالبهم، وقال أعلنا بوضوح أننا لن نكون طرفًا أو جزءًا من عملية تهدف إلى شرعنة “الانقلاب” مؤكدًا أن الحرية والتغيير على استعداد للتعاطي الإيجابي مع الآلية الثلاثية لإنهاء الانقلاب واسترداد مسار التحول الديمقراطي بسلطة مدنية كاملة. وأضاف الدقير أنهم يريدون أن تكون مخرجات العملية السياسية إنهاء الانقلاب والاتفاق على إنجاز مهام الفترة الانتقالية التي تنتهي بانتخابات حرة ونزيهة، وقال: لن نكون جزءًا مع أي نوع يسعى لشرعنة الانقلاب ومصممون على المضي بالمقاومة السلمية بكل الوسائل مجددًا دعوته بالعمل سويًا، وقال إنهم لم يذهبوا لاجتماع الجمعة مع الجانب العسكري بإملاء من جهة أو أوامر من جهة بل إنهم ذهبوا بمحض إرادتهم لتوضيح رؤيتهم، وطالب بتنفيذ فوري لاستحقاقات تهيئة المناخ الديمقراطي الذي دونه لن تنجح أي عملية سياسية، وتشمل إجراءات التهيئة إيقاف العنف ضد المتظاهرين والإفراج عن المعتقلين وإنهاء التدابير الاستثنائية الصادرة بموجب حالة الطوارئ التي رُفعت في 29 مايو الفائت؛ إضافة إلى إلغاء القرارات التي صدرت من سُّلطة قادة الجيش بشأن قرارات لجنة التفكيك.

عرمان.. مواجهة تناقض حركته
وأمس السبت عقب الاجتماع مع الآلية الثلاثية دخل المجلس المركزي للحرية والتغيير في اجتماع استمر لساعات طويلة ناقش فيه مجموعة من الموضوعات أبرزها كيفية التعاطي مع تطورات الراهن السياسي وتطورات الأوضاع عقب الاجتماع مع المكون العسكري، وكانت تسريبات تحدثت عن تململ داخل المجلس المركزي بسبب الاجتماع مع العسكر وسط دعوات بعزل القيادي بالحركة الشعبية شمال ياسر عرمان مع انتقادات مكثفة لازدواجية موقف الحركة التي يشغل رئيسها مالك عقار منصب عضو مجلس السيادة في الحكومة الانقلابية بينما لا يزال عرمان موجودًا في تحالف الحرية والتغيير الأمر الذي عده البعض تناقضًا في المواقف. ولكن مصادر بالحرية والتغيير أكدت لـ(السوداني) أن هذه المطالب ناتجة عن غضب الكثيرين بسبب الاجتماع مع العسكريين وظهور عرمان في المؤتمر الصحفي كما أنها سبق وأن تمت إثارة هذه النقطة المتعلقة بموقف عرمان وعقار مشددة على أن ياسر عرمان يمتلك خبرة سياسية كبيرة وموقفه طبيعي في الاصطفاف إلى جانب الثورة ولا يوجد تناقض في ذلك خاصة وأنه عضو فاعل وقديم في التحالف ولا علاقة للأمر بموقف رئيسه في الحركة عقار الذي ارتضى أن يكون في صف الانقلابيين من باب المحافظة على المكاسب التي حققتها الشعبية بعد التوقيع على اتفاق السلام. ومن جهته أكد عرمان في تصريحات صحفية عقب اجتماعهم أمس مع الآلية الثلاثية تعليقًا على هذه النقطة بقوله، إن وجوده ضمن تحالف الحرية والتغيير ليس بالأمر الغريب وأضاف، من المعلوم أن الحركة الشعبية من مؤسسي تحالف الحرية والتغيير وأن إثارة وجوده في التحالف بينما رئيس الحركة مالك عقار في الحكومة وعضو بمجلس السيادة في هذا التوقيت لا يعد أمرًا جديدًا، وتابع “أنا لست جديدًا على التحالف شاء من شاء وأبى من أبى”، ويواجه ياسر عرمان حملة إسفيرية عقب إعلان عقد جلسة حوار بين المكون العسكري والحرية والتغيير ووجهت له انتقادات لاذعة على خلفية بقائه في تحالف الحرية والتغيير وتناقض موقفه مع موقف رئيسه في الحركة الشعبية مالك عقار الذي يشغل منصب عضو مجلس السيادة في الحكومة.

تقييم الموقف.. الخروج من دائرة العسكر

وفي غضون ذلك يقول المحلل السياسي دكتور صلاح الدين الدومة لـ” السوداني” إن حالة الرفض لحوار الحرية والتغيير مع المكون العسكري أمر طبيعي وأسبابها تعود لعدم قبول أو وجود العسكر في السلطة وإنتاج شراكة مرة أخرى، باعتبار أن العسكر ليست لديهم عهود ولا أمان لهم أو ميثاق، ولكن في اعتقادي أن الحوار إن كان الغرض منه إجراء عملية تسليم وتسلم للسلطة وانتقالها من العسكريين إلى المدنيين فهو أمر مرحب به وينبغي على لجان المقاومة والقوى الثورية الأخرى القبول به بوصفه أحد مطلوبات تحقيق التحول الديمقراطي، وأما إذا كان الغرض من الحوار منح فرصة أخرى للعسكريين للبقاء فإن موجة الرفض ستزداد ولن يكون هناك أي مستقبل للحوار. وأكد الدومة عدم وجود تعارض بين رؤى وأهداف المجتمع الدولي ولجان المقاومة أوالثورة السودانية، وقال إن الأهداف واحدة فتحقيق التحول الديمقراطي هو الغاية الأولى المطلوبة للكافة، مشيرًا إلى أن المجتمع الدولي وعبر منظماته المختلفة على المستوى الدولي والإقليمي ظل يلعب دور المسهل للحوار بغية الوصول إلى التحول المدني الديمقراطي في السودان، وذلك منذ الوثيقة الأولى عقب الإطاحة بنظام الإنقاذ وهاهو يلعب حاليًا في نفس الدور لصالح أهداف الثورة.

ليست حوارًا.. ولكن

ومن جانبه يرى الناشط السياسي منتصر إبراهيم أن هذه التفاهمات التي تمت في اليومين الماضيين تهدف إلى كسر دائرة القطيعة الناتجة عن فض الشراكة، ولا ترتقي لأن نطلق عليها حوارًا، ولكن يمكن أن يتم تعزيز هذه التفاهمات بطرح أجندة للحوار؛ وهذا يمكن الوصول إليه عقب موافقة وقبول قوى الحرية والتغيير بالجلوس إلى طاولة المبادرة الثلاثية للآلية الثلاثية التي يقودها فولكر بيرتس رئيس بعثة يوناتيمس ؛ ويضيف منتصر في حديثه لـ” السوداني” أن الأمر الثاني، أن الحوار يمكن أن ينجح إذا اقتنعت الأطراف بجدوى وأهمية العملية نفسها، وليس استجابة لضغوط كما يقال حول ممارسة السعودية والولايات المتحدة ضغوطًا على طرفي الحوار ، وتابع منتصر أن الأمر الثالث والأخير، وهو الأكثر أهمية بحسب وجهة نظره هو مدى التزام الأطراف الدولية الراعية لعملية الحوار بدعم مسار الانتقال بكل فصوله ، خصوصًا عبر الدعم التنموي الذي يحتاجه السودان حاليًا ، خاصة أن الازمة السياسية الناتجة عن اختلال مسار الانتقال بفض الشراكة المدنية العسكرية قد ألقت بظلالها على الاوضاع الاقتصادية في البلاد ، الهشة أصلاً.

Leave A Reply

Your email address will not be published.