الجمهورية الثانية.. برلمان التأسيس أولاً

بقلم: محمد شمس الدين

قريباً سيلتفت السودانيون إلى بعضهم متسائلين عن من سيستلم السلطة، ومن سيشكل البرلمان الشرعي الذي سيكلف رئيساً للوزراء، ويراقب أداء حكومته، هذا لأنهم لم يتفقوا فيما بينهم بعد على سؤال كيف يحكم السودان، وانشغلوا طوال الفترة الماضية بمن سيحكم، وانغمس السياسيون منهم في اغتيال بعضهم بعضا معنوياً وتخوين المستقلين بهدف اغتيالهم معنوياً أيضاً، ودخلوا في لعبة تسويات وتحالفات يائسة مع قوى الردة الذين ينتمون للحركة الضالة التي تنسب نفسها زورا للدين الإسلامي والدين منهم براء، وكل ذلك من باب المكايدة وينم عن مراهقة سياسية تدفعهم لتفريغ مخزون قديم من الضغائن الحزبية والممارسات الصبيانية المؤجلة.

السودانيون حين قاموا بثورتهم ضد ظلم الفئة الباغية (الحركة الإسلاموية) فإنهم لم يثوروا بهدف الاستماع لنفس شريط الكاسيت من نقطة متقدمة، وإنما ثاروا بهدف التغيير الجذري والشامل للمنظومة برمتها وليس للنظام الحاكم فحسب.

الجيل الجديد من السودانيين وفي طريقهم لتحقيق ذلك التغيير الجذري يعرفون جيداً أن الديمقراطية ليست هي أقصر الطرق وأفضلها للانتقال للمرحلة التالية التي تلي الفترة الانتقالية، من عمر هذه البلاد، ويعرفون أن كل الدول التي شهدت تعثراً جراء إساءة استغلال الديمقراطية لجأت للصيغة الآمنة، وهي (التكنوقراطية) التي تعني حكم المهنيين، وقد اجتهد علماء الاجتماع السياسي في ذلك أكثر فتحدثوا عن صيغة أخرى شبيهة بالتكنوقراطية لكنها أكثر عمقاً وهي (الأبستوقراطية)، وتعني حكم العارفين أو الخبراء.

الصيغة الماضية التي سار عليها الآباء المؤسسون للجمهورية الأولى لم تكن سوى محاولات لتطبيق الديمقراطية التي كانت صيغة براقة حينها وبعد خروج المستعمر وقبل نيل البلاد لاستقلالها النهائي انخرطوا في بناء الديمقراطية لكنهم كانوا غير مبالين بالتأسيس الصحيح لها إذ لا يصمد البناء دون تأسيس في العمق أولاً، وقد كان حرياً بهم أن يشرعوا أولاً في تهيئة البيئة المواتية لذلك قبل الاستمرار في طريق الديمقراطية السهلة الممتنعة في الحالة السودانية، ليصطدم الجميع بأن الخلل التأسيسي الكبير كان وراء فشل محاولات استدامة الديمقراطية، إذ في حال تمت تهيئة المجتمع لمرحلة الديمقراطية عبر التثقيف والتعليم والبناء الفكري لما اضطر الجيل الحالي لتحمل شرور أخطاء مهندسي البناء “الديمقراطي” الأول.

تاريخ الحياة السياسية السودانية الذي لا يحب الكثير تحريكه مليئ بتآمر السياسيون على بعضهم واستغلوا الجيش للانقلاب على الآخرين والانفراد بالسلطة، ولأن الجيش جزء من هذا المجتمع، فقد أصابته لوثة السياسة وكانت مناعته ضعيفة ضدها، كذلك لم يتم تعزيز دفاعاتها ضد الاختراقات الفكرية.

وللحقيقة والتاريخ فإن (الآباء المؤسسين) لم يبذلوا أدنى جهد في عملية بناء كياناتهم وكتلهم السياسية، بل منحوا أنفسهم الحق المطلق في تصدر المشهد عبر تطوير وتعديد أنشطة الكيانات التي كان لها وزن ديموغرافي – وقد كان أغلبها طائفي الطابع- فمن مجرد كيانات يدين مريدوها بالولاء العاطفي لمعلميهم ومرشديهم، إلى كيانات متعددة الأنشطة، وأضافوا لنشاطات التعبد نشاطا سياسيا تحت مظلة حزبية دون استئذان أتباع تلك الطوائف ومعرفة رأيهم، وقد كان ذلك أكبر خطأ يرتكبونه وهو مصادرة حق القواعد في تقرير موقفها ومصيرها.

استمر الحال بتلك الهيئة التي تفتقر للمنطق السياسي واستفرد المرشدون وتلاميذهم بصدارة المشهد السياسي لتلك الفترة في مختلف الهياكل السلطوية وخارجها في المعارضة طوال العقود الستة الماضية، وهذا النموذج يطلق عليه علماء الاجتماع السياسي (الغيرونتوقراطية) وهو حكم الشيوخ أو الكبار الذين يتزعمون ويقودون قرار جماعات او طوائف، دون إشراك أفرادها في القرار أو تداول الزعامة، على الرغم من أنهم كانوا يروجون للديمقراطية ويمارسونها على مستوى النخب والقيادات، وربما ما شفع لتلك الأحزاب الطائفية أنها لم تنتهج فكرا تكفيريا أو سلفيا أو جهاديا كما فعل أتباع الحركة الإسلاموية حين اعتمدوا التصفيات والإقصاء والتكفير والتخوين ظنا منهم بأنهم باقون في السلطة للأبد.

لذا فإن هذا الجيل حين تبنى خط التغيير الجذري فإنه تبنى مبدأ التأسيس الصحيح بالضرورة، والتأسيس الصحيح يكون قوامه برلمان يمثل فيه الشعب عبر ممثلين مستقلين “غير سياسيين” لفترة من الزمن هي عمر الفترة الانتقالية التي اقترح لها ثلاث سنوات.

يريد هذا الجيل الذي يمثل حاضر ومستقبل البلاد، برلماناً خالياً من المحاصصات حتى لا تتكرر نفس الكارثة التي حلت جراء هذه الصيغة الهشة التي لم تصمد أمام العواصف الاقتصادية والسياسية والأمنية التي أنتجتها وثيقة قحت التي ولدت غير مكتملة التخلق ولم يتم تعديلها فانتهى مفعولها بعد أشهر ليجترحوا أخرى في جوبا لكنها ولدت ميتة من الأساس وهي السبب في مانحن فيه اليوم.

وفي إطار التفكير العملي لإيجاد حلول عملية وعقلانية للخروج من عنق الزجاجة فإن على القوى السياسية أن تعي جيدا أن العلاقة بينها وبين الشارع متدهورة لأبعد مدى نتيجة الكذب والمراوغة وانعدام المصداقية طيلة الفترة الماضية، وهذا بعد عرض الأقوال على ميزان الأفعال، وحين ارتضت الكتلة المؤثرة في الشارع السوداني – التي قامت بهذه الثورة – أن تسلم القيادة لقحت فذلك لأنها ظنت أن قحت تعلمت من تجاربها الفاشلة وأنها الأقدر والأقرب للقيادة، فإذا بها تجتر ذكريات الماضي وتجرب المجرب وتفتح صناديق الذكريات لاستعراضها بغرض تخليص الحسابات القديمة أولاً قبل أن تلتفت إلى تحديات الراهن، وهناك حدث الفراق.

وبما أننا أبناء اليوم وحتى تثبت هذه الأحزاب والحركات أنها جزء من هذا المجتمع وحتى لا تتسبب له بفضيحة جديدة نتيجة لتسابقها وتصارعها على الكراسي والامتيازات فتصدّر صورة سلبية عن البلد، عليها معرفة أن الشارع يريد أن يقوم برلمانه على أسس غير حزبية.

وللذكرى فقد كان ذلك شعار هذه القوى في بادئ الأمر (قبل أن تنقلب على ما وعدت به) إذ وعدت بأن الفترة الانتقالية ومؤسساتها ستكون بعيدة عن التنافس السياسي لأن المرحلة تتطلب تحييد السياسة جانبا، أي أنهم لمسوا ما يعمل الشعب على تحقيقه وهو التأسيس الصحيح، وذلك بالضرورة يعني تحييد الديمقراطية وتقديم التكنوقراطية حتى يتم إنقاذ الوضع العام وتتم تهيئة البلاد برمتها للاستحقاقات الديمقراطية، ولذلك فلابد أن يتذكر السياسيون ذلك الوعد الأَول الذي أخلفوه، وعليهم تنفيذه الآن لأن ذلك هو الصحيح بعد أن ثبت لهم بالدليل خطأ مخادعتهم وتهورهم، وهذا هو أول اختبار لهذه القوى السياسية منذ اللحظة على طريق ترميم العلاقة بينها وبين الشعب، واكتساب ثقته تدريجيا وصولاً إلى السباق الانتخابي بعد ثلاث سنوات.

فليتواثق السودانيون (بشرف) على أن يدخل السياسيون في فترة صوم طويلة نسبيا تمتد لثلاث سنوات، وليتواثقوا (بما فيهم السياسيون كأفراد) على أن يصل إلى البرلمان الفيدرالي مواطنون سودانيون عبر تمثيل حقيقي من الأحياء الحقيقية، بدءا بالمجالس المحلية مرورا بالبرلمانات الولائية التي ستصعّد بدورها ممثلين للبرلمان الاتحادي، إذ لن يقبل أحد أن تكون التسويات والترضيات والمحاصصات الرخيصة البائسة والتهديد بالسلاح هي آلية نهب موارد البلاد والوصول للكراسي.

وعلى كل سياسي أن يرتقي لمقام المواطنين وأن ينحني لهم احتراماً وأن ينخرط معهم في عمليات تهيئة المناخ قاعديا لإنجاح تمليك السودانيين قرارهم، منطلقا من خبرته المهنية وليس السياسية لأنه وكما أسلفنا فإن المؤسف أنه لا يوجد برنامج سياسي واحد لدى أي حزب من الأحزاب السودانية بإمكانه أن يقنع أي مواطن والتجربة خير برهان.

أما شباب لجان المقاومة والكتل الثورية فعليهم أن يشعروا بحجم المسؤولية ولينخرطوا في عملية تنظيم أنفسهم في كيان موحد يكون برنامجه برنامجا مصمما للمرحلة الانتقالية وخال من الصبغة السياسية وليركزوا على ممثليهم للتنسيقيات بشكل شرعي عبر عملية ترشيح معلنة كما فعلت اثنتين من تلك اللجان (الصافية وبري)، وذلك لن يأخذ منها كثير وقت، ثم ليشكلوا بعد ذلك لجاناً تطوعية للإشراف على انتخابات مجالس الأحياء، ويمكن للجان المنظمة أن توجد صيغة تعاون مع مجموعة من أساتذة القانون والمحامين للإشراف على تلك الانتخابات والتخطيط الجيد لها لتحقيق القدر الأعلى من المصداقية.

ويتم تكرار سيناريو التعاون في الاشراف والمراقبة القانونية مع البرلمانات الولائية ويفضل أن يُصعّد أصحاب الخبرات القانونية عبر ترشيحهم أو تكليفهم بالترشح لتحقيق البرنامج الثوري الذي لا يختلف عليه السواد الأعظم من السودانيين، والحكمة من تفضيل تصعيد القانونيين أن هذه المرحلة تتطلب تضافر الجهود لصياغة قوانين مهمة للمرحلة وما سيليها، كما أنهم سيتعاملون مع جملة من المواثيق والمعاهدات الدولية وسيخضعونها للمراجعة القانونية، وفي ما يخص الشق التنفيذي فسيصدرون قانونا بتكليف رئيس للوزراء بمواصفات اقتصادية معينة لتشكيل كابينة وزارية مصغرة تدير الأزمة وتتواصل مع المؤسسات الدولية، كما سيصدرون قراراً بإعادة هيكلة السلطة القضائية والاستعانة بالأقدمين الذين هم على استعداد لإعادة هذا الجهاز لسيرته الأولى، وسيصدرون قرارا بتشكيل المحكمة الدستورية التي ستستمد مشروعيتها من مشروعية التمثيل الشعبي الحقيقي، ونذكر هنا أن قضاة المحكمة الدستورية في أمريكا (المحكمة الأعلى) يخضعون لصلاحيات من يختاره الشعب في الولايات المتحدة سواء في البرلمان أو في الرئاسة فيقومون بالتصويت لتعيينه/ها، وسيكون برلمانيو الشعب ورقة ضمان وصول قضاة نزيهين لم تتلطخ سمعتهم بالانتماء لحركة تتاجر بالدين وتقتل الأبرياء.

وأخيرا ليكف كل المتشدقين بأن التعامل الدولي وغيره سيتطلب خبرة سياسية وما إلى ذلك عن ترداد هذا الحديث الواهي، فقد أثبت هذا الجيل العظيم أنه صاحب رؤية ثاقبة وعملية فيما يخص مستقبله ولديه من الاستعداد واليقين ما يمكنه من شق الصخر من أجل تحقيق ما يريده، وسيمد له يد العون أبناء هذه البلاد البررة في الخارج.

سيصل ممثلو الشعب للبرلمان وسيطلبون من ذوي الخبرة مساندتهم بالمشورة والرأي، وسيساندهم أصحاب الخبرة في الوصول لقواعد تأسيس الجمهورية الثانية، إذ لم تنجح الأولى في أن تترك نموذجا يحتذى به للعبور من هذه الأزمة العصيبة.

وريثما يتشكل البرلمان خلال شهر على أكثر تقدير يمكن للسودانيين أن يتواثقوا عبر إعلان دستوري مؤقت يشكل خارطة طريق مؤقتة ينص على (تكليف مؤقت) لمجلس رئاسي من خمسة من القضاة المستقيلين أو المقالين شريطة أن يكونوا من قضاة المحكمة العليا بصلاحيات كاملة، لضمان عدم استمرار الفراغ الدستوري ولضمان الإسراع في إنهاء الحالة غير الدستورية التي خلفها الإنقلاب، كما ينص على تكليفهم بمباشرة التعامل مع المجتمع الدولي ومؤسساته لإنقاذ الموقف القانوني لحزمة الإنعاش الاقتصادي الذي تم اعتماده قبل عام من قبل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والولايات المتحدة ومنظمة نادي باريس التي وعدت بإعفاء السودان من ديونه في ثلاث خطوات، وتنتهي مهمتهم بإعلان الجلسة الأولى للبرلمان الجديد، ويمكن إنجاز الإعلان عبر ممثلين عن هذه الكتل السياسية وكيانات المجتمع المدني والمستقلين والمهنيين.

أخيرا وفيما يلي العدالة الانتقالية التي هي إحدى أسباب طول أمد الأزمة الراهنة ومراوحتها في مكانها فإن على السودانيين، وخاصة أصحاب الحق الأصيل في محاسبة قتلة أبنائهم (أهالي الشهداء) إيجاد حل أو مخرج لمن تورط في دماء أبنائه من المؤسسة العسكرية والميليشيات المسلحة، كأن يقبلوا بأن يختار من تورط في ذلك أن يعترف بمسؤوليته ويطلب عفوهم إن أراد العيش في السودان، أو أن يختار منفاه بعيداً عن البلاد، وعلى المتورطين في الدماء أن يقبلوا مصيرهم الذي قد يأخذهم بعيدا عن المؤسسة العسكرية وعن البلد كله غي حال رفض أولياء الدم، وهذا ما يعرف بتحمل المسؤولية، ثم انتظار قوانين العدالة الانتقالية وانتظار ما قد يتوصل إليه السودانيون فإن عفا أهالي الشهداء في ذلك الوقت، وإلا فإن عليهم أن يقبلوا مصيرهم بشجاعة.

Leave A Reply

Your email address will not be published.