هذا هو الحل: تسليم السلطة للشعب (2)

د. فخرالدين عوض حسن عبدالعال *

(المجالس البلدية والفترة الانتقالية.. ماهي الفائدة منها؟)

أول شيء أود أن أقوله، بأن انتخابات مجالس الأحياء/القرى/الحارات التي أعنيها لا توجد فيها (زيطة وزمبليطة) ودعاية وصرف قروش وخيام وعطالة، واقترح مقرًا لها مدرسة الحي، وبإشراف لجنة مكونة من مدراء مدارس المنطقة ورؤساء الجمعيات الخيرية والتعاونية في الحي أو من ينوب عنهم. (شرطا الاستقلالية والحيادية التامة)..
وأهل كل حي أو حارة يعرفون بعضهم جيدًا، وبالتالي فهم مسؤولون عن اختيارهم وخيارهم.

والمجالس البلدية المنتخبة من القواعد الهدف الأساسي منها هو تطبيق شعارات ثورة ديسمبر في الحرية والعدالة والمساواة، بتغيير حقيقي في هيكلة الدولة، من حكم الإدارات الأهلية والصفوية، والأثرياء، والطائفية وغيرها من مظاهر السودان القديم إلى حكم الشباب الذي فجر الثورة ومهرها بالدم.. ومن ثم نقل بلادنا من دولة متسولة للقمة عيشها إلى دولة إنتاج إبداعي وسلام وطمأنينة.

(طيب نستفيد شنو من تلك المجالس؟)

المجالس البلدية تحقق عدة أهداف، منها على سبيل المثال لا الحصر ودون ترتيب حسب الأهمية:

* تتيح المشاركة الشعبية في مؤتمرات الحكم وصناعة الدستور وكل ما يهم الشعب إبان الفترة الانتقالية.. بدل التمثيل الصفوي والمحاصصي الحالي الذي يقودنا إلى نفق مظلم.

* تصبح تلك المجالس، صمام أمان للديمقراطية وترياقًا للانقلابات بدعوى الشرعية! وتوصد باب الشمولية.

* تدير قضايا محلية مهمة تؤرق المواطنين مثل الجريمة، والوجود الأجنبي، ومراقبة الأسواق، وصحة البيئة والتعليم، والثقافة والرياضة، ودور العبادة..إلخ
وكثير من بلاد العالم تتجه نحو الحكم الذاتي المناطقي، والمشاركة الشعبية في الحكم والإدارة، ومنح المشرعين فيها، سلطات واسعة جدًا للمجالس البلدية على حساب السلطات المركزية، وبالتالي أصبحت ترياقًا لصراعات السلطة والثروة. على سبيل المثال، لا يمكن لسلطات الأراضي المركزية أو الولائية أن تصدق بأي أرض في المنطقة، دون موافقة مجلسها البلدي.
وكافة الخدمات المحلية تقوم بها المجالس البلدية وتوظف فيها أهل المنطقة وخصوصًا الشباب، وقد شاهدنا أن بلادنا تغرق في القمامة في غياب تام للسلطات الحكومية.

وتصديق كل شيء يمر عبر المجلس المختص الذي يمثل مواطني المنطقة ويعبر عنهم ويكون مسؤولاً عن الميزانية ومراقبتها بشكل دائم، مما يحد من الفساد المالي والإداري ويسد منافذه، ويزيد ويجود الخدمات في المنطقة. وتكون هنالك رقابة شعبية، وإشراف ومتابعة مستمرة.

* المجالس البلدية، وسيلة فعالة لتوطين/ تعميق/ تجذير ثقافة الديمقراطية، ونشر الوعي بالحقوق المدنية والسياسية وغيرها، ومعرفة الحقوق والواجبات، عبر الممارسة الفعلية، وما يترتب عليها من رقابة وحوكمة وشفافية.. وما يتبع ذلك من تراكم خبرات تمكن من التجويد الدائم never end improvement

* المجالس البلدية المنتخبة من القواعد تدرب وتؤهل عمليًا أفراد الشعب وخصوصًا الشباب، على العمل السياسي المؤسسي الديمقراطي. ومن ثم ترصف الطريق إلى ظهور قيادات شعبية جديدة لها القدرة على قيادة التغيير والنهضة.

إن تلك المجالس والتي أقترح أن تكون فيها مشاركة فئوية وقطاعية مثلًا وجود مقاعد للمهنيين والمزارعين والرعاة والمعاقين..إلخ مع مقاعد مقدرة للشباب والمرأة، تمكن من تواصل وتلاقح الأفكار والرؤى لصالح المجتمع.

* صناعة قادة جدد ينتهجون العلم والحداثة:

يعاني السودان من عدم التجديد والتحديث في النظم والقيادات، وهذه المجالس تمنحنا الفرصة لتدريب وتأهيل أجيال جديدة على الممارسة الديمقراطية وعلى التصدي للعمل العام والتواصل والاستماع والتأدب في حضرة الشعب، وبالتالي رصف الطريق للشباب لقيادة البلاد مستقبلًا وهم مسلحون بذخيرة طيبة من المعرفة والخبرة التي اكتسبوها عبر خدمة مجتمعاتهم المحلية.

* يمكنها أن تحدد كيفية تمويل الأحزاب وتحصين الوطن من التدخلات الأجنبية:
لقد شاركت من قبل في سمنارات وورش عديدة عن كيفية تمويل الأحزاب، وكيف نصنع ترياقًا للتدخلات الأجنبية، وسيطرة أصحاب المال والأعمال على القرارات الحزبية عبر التمويل، وقدمت اقتراحًا في ورشة أقيمت بالمملكة المتحدة مفاده أن يتم تمويل الأحزاب من الخزينة العامة للدولة وفقًا لمعايير أبرزها الحصول على نسبة مقدرة ومحددة في انتخابات المجالس البلدية، ليتم اعتمادها كحزب ومن ثم تمويلها.

* وسيلة لمعرفة الوزن الحقيقي للأحزاب وبالتالي يصبح عدد الأحزاب محدودًا ومعروفًا:
فإن حصول عضوية الأحزاب على مقاعد في المجالس البلدية هو معيار ومؤشر واقعي يعرفنا “بالأوزان” الحزبية، وأيضًا تقسيمها إلى أحزاب قومية، وأخرى ولائية. وأيضًا وسيلة لحصر عدد الأحزاب ومعرفة حقيقتها في الواقع.
أي أن هذه المجالس هي أساس الممارسة الديمقراطية وعبرها تتعرف الأحزاب على أوزانها، فالذي لا يستطيع كسب ثقة الشعب، ولا يحقق إنجازات في المجالس البلدية القاعدية، غير مؤهل لتحقيق إنجازات على المستوى الأعلى.

* الحد من تأثير المال على الانتخابات:

إن أنماط الانتخابات التقليدية التي جرت في بلادنا من قبل، تمكن من يملك المال والجاه …إلخ من الفوز في الانتخابات وبالتالي تبعد كفاءات وخبرات وشباب؛ من التقدم لخدمة بلادهم.. وهذا النظام الانتخابي يطلق عليه بعض علماء السياسة “نظام الأسلاب والغنائم”!
ونظام البلديات والتصعيد من الأحياء أقرب من غيره في تكافؤ الفرص.

* ترياق للتهميش والعنصرية والعنصرية المضادة:

إن من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى الحروب والنزاعات في السودان، دعاوى التهميش وسيطرة فئات معينة على حكم وإدارة البلاد.. واستغلال دعاة العنصرية والعنصرية المضادة لذلك الأمر بطريقة تمكنهم من السيطرة على الحكم باتباع سياسة فرق تسد.
نظام المجالس البلدية يعني المشاركة ليس الواسعة فحسب وإنما الشاملة لكل أهل السودان في الحكم والإدارة ابتداء من الحي إلى أعلى اجهزة الحكم.. وبالتالي هو الترياق لإسقاط دعاوى التهميش.. والعنصرية والعنصرية المضادة. وسيادة الوحدة الوطنية والسلام والمحبة.. وإخراج سلمي لأمراء الحروب وتجار الدين والعنصرية من ميدان العمل السياسي.

** المجالس البلدية تمثل شرعية الشعب، ويصبح الشعب هو الذي يدير ويحكم البلاد:
إن أسوأ ما صاحب كافة تجارب الحكم في السودان هو سيطرة جو “التلاوم” الذي يبعدنا عن تحقيق أهدافها.. وكل فرد أو مجموعة تلقي باللوم والمسؤولية على غيرها.. وأغلب الشعب يلوم فلان وعلان والحزب الفلاني والتحالف العلاني، على الفشل الذي يعم.. إذن ترياقنا لجو التلاوم وبيئته غير الصحية، هو أن يشارك الجميع في حكم وإدارة البلاد.. وتبدأ المشاركة باختيار عضو مجلس الحي ومراقبته والتقييم المستمر عبر انتخابات دورية. وإقامة نظم system للحوكمة تمكن من الشفافية والرقابة والمحاسبية.

* يمكن من نشر التعاونيات والتحفيز على الإنتاج:
لقد كنت متابعًا عن قرب لتجربة الجمعيات التعاونية الإنتاجية والاستهلاكية في حكومة حمدوك، ورغم الجهد الذي بذله وزير التجارة والصناعة ومستشاره وقتها، ولكن كان المردود ضعيفًا، وأرى ان وجود مجالس بلدية يدعم ويساند الحركة التعاونية، ويساهم بشكل مباشر في الإنتاج والخضرة وصحة البيئة إنسانًا وحيوانًا ونباتًا.

إن من المتطلبات الأساسية للمجالس البلدية، نقلنا عبر خطط علمية ومنهجية وبدفع شعبي، من شعب متسول إلى شعب منتج ومبدع.. فإن المتابع للتطور الذي طرأ على دور المجالس البلدية في مختلف بلاد العالم، يلاحظ بأنه قد تعدى الدور التقليدي الذي كان يقتصر على النظافة وتقديم الخدمات وتعبيد الشوارع ومد الشبكات، فأصبحت المجالس البلدية في كثير من دول العالم، لها دور تنموي ومشاركة فاعلة في المجتمع في مختلف نواحي الحياة ثقافيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، حيث يساهم ذلك في التقليل من نسب البطالة وتشغيل الأيدي العاملة ومن ثم تجويد وزيادة الإنتاج.

وفي بعض التجارب العالمية، قامت المجالس البلدية بوضع خطط استراتيجية مستمدة من الخطة العامة (قصيرة، ومتوسطة، وطويلة المدى)، حددت فيها احتياجات وأولويات المنطقة الواقعة ضمن حدودها، لأنها الأقدر على تقديم الخدمات والمشاريع التنموية الضرورية. وفي تجارب أخرى تم استحداث وحدات تنموية في المجلس البلدي للمنطقة مهمتها إحداث التنمية المحلية كمدخل للتنمية الشاملة، من خلال التفاعل الإيجابي مع المواطنين وتحديد أولوياتهم، مما يعني أن يكون هناك تعاون وشراكة حقيقية مع القطاعات التعاونية والخاصة ومؤسسات المجتمع المدني، وبشكل يحقق الطموح والأهداف المرجوة، لمحدودية إمكانات المجالس البلدية التي قد تعيق عملية القيام بدورها التنموي على أكمل وجه، والتركيز على المشاريع الاستثمارية، لتحقيق التنمية المستدامة. وركيزة ذلك هو تحفيز وإدماج المواطن في عملية تخطيط وتنفيذ المشاريع التنموية وتقييم أثرها على المجتمع خصوصًا أنها مؤسسات ديمقراطية منتخبة من قبل الشعب.

إن أهداف الفترة الانتقالية لا يمكن تحقيقها بدون المشاركة الشعبية الكاملة فى الحكم والإدارة.. مما يعني عمليًا تسليم السلطة للشعب وهو صاحبها الحقيقي.. وأن تغييبه يعني الفشل في تحقيق أهداف الفترة الانتقالية.

والمطلوب من الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني هو التوافق على قانون وثيقة دستورية تقنن للمجالس البلدية، والمطلوب من بعثة الأمم المتحدة مساعدتنا تقنيًا ولوجستيًا وماليًا في عملية نقل السلطة للشعب وهذا الأمر لن يستغرق أكثر من ثمانية أسابيع.

والمؤكد أن المستفيدين من غياب سلطة الشعب سوف يضعون الكثير من العراقيل.. وسوف تكون هنالك مقاومة شرسة لإعادة الأمر لأصحابه..
فهل تتحد منظومات الثورة لإعادة السلطة للشعب؟
هذا هو التحدي الحقيقي.

* خبير حوكمة وإدارة جودة وإنتاج

Leave A Reply

Your email address will not be published.