التركيَّة في كردفان.. جبال النُّوبة وأهوال الاسترقاق للدكتور عمر مصطفى شركيان

الدكتور قندول إبراهيم قندول

بعد فراغنا من قراءة مسودة هذا الكتاب الذي يقع في ٤٥٦ صفحة من الحجم المتوسط، تأكَّد لنا يقيناً ضخامة المسألة السُّودانيَّة، وأنَّ ثمة أمورا كثيرة تحتاج إلى المعالجة الناجعة والوقوف عندها للتوضيح وخلع الستار عنها لإجلاء الحقائق حولها. الكتاب، تصدره دار المصورات للنشر والطباعة والتوزيع بالخرطوم غرب. في هذا الكتاب، لقد أحاطنا الدكتور عمر مصطفى شركيان بما لم نحط به علماً في ١٠ فصول وخاتمة. إذن، يعتبر الكتاب درة نادرة نتجت من بحث عميق ودقيق في المسكوت عنه في تاريخ السُّودان البعيد والقريب. هكذا ميَّزت الإصدارة نفسها عن غيرها من أعمال ومؤلفات الدكتور شركيان العديدة من حيث التوقيت. فصدور الكتاب أتى في زمن التوسُّع الأُفقي والرأسي للوعي الفكري لقاعدة واسعة من جيل الشعب السُّوداني الشاب المتعطِّش لمعرفة الماضي لربطه بما يجري حاليَّاً من عثرات كثيرة وكبيرة في مسيراته الحياتيَّة. وإنَّه يأمل، الأمل كله، في بحثه عن الروابط المفقودة ليبني مستقبلاً أفضل له وللأجيال التالية.
في الفصل الأول من السفر، وهو الأطول والأهم، تكلَّم المؤلف عن أصل كلمة كردفان ومدلولها وامتدادها والهجرات الأولى للأهالي الأصلاء غرباً من النيل الأبيض وجنوباً إلى بحر الغزال، مستعيناً بما قدَّمه الرحالة “هيرودوتس” المعروف بـ “أبو التاريخ” وبعض العلماء الرومان والأغاريق وغيرهم من البُحَّاث الحديثين مثل الدكتور إيرنست زايلارز وسيليغمان، والإداريان هارولد ماكمايكل وهيليلسون، هذا من جانب. ومن الجانب الآخر، تطرَّق الفصل إلى العلاقة بين النُّوبة والفونج والعنج بشيء من التفصيل، ثم طاف جبال النُّوبة المختلفة (شمالاً وجنوباً، غرباً وشرقاً، ووسطاً) بشيء من الربط القوي بين شعوبها المختلفة لغوياً، وبيَّن العلاقة بين بعضهم البعض وأهل الجبال البحريَّة.
لم يقف الدكتور شركيان عند هذا الحد، بل عكف للحديث عن القبائل العربيَّة في شمال كردفان كالكبابيش وفروعهم وقبائلهم العديدة، وعن الكواهلة، والحمر، والهواوير. في جنوب كردفان، تحدَّث المؤلف عن جيران النُّوبة “عرب الحوازمة” متتبعاً أصولهم ومجيئهم إلى السُّودان وتغلغلهم فيه واستقرارهم أخيراً في حبال النِّوبة. ومن بعد ذلك، عرج ليحدِّثنا عن المسيريَّة بفرعيهما الأساسيين، الحُمر والزُرق، وبطونهما وأفخاذهما وغيرها من المسميَّات. بيد أنَّ المؤلف لم يترك مجموعة عرقيَّة في كردفان (شماله وجنوبه ووسطه وشرقه وغربه) إلا فصَّلها فتكلَّم عن الداجو (وأسطورة زعيمهم كيسيفوروج)، والشات وامتداداتهما كمملكتين غابرتين. أخيراً، خلص الفصل إلى “أنَّ أرض كردفان تحتضن تاريخاً ثراً وعظيماً، تحتاج إلى جهود علميَّة وماديَّة لإبرازه من أجل استقراء تاريخ السُّودان والمسكوت عنه.”
كان الصراع بين سلطنة دارفور وسلطنة سنار الإسلاميتين على “كردفان” محتدماً وكان حكام دارفور المزدهرة متشاكسين فيما بينهم، ربما بسبب المنافسة على مغانم وامتيازات السلطة، ولكن استطاع أحدهم حكم كردفان التي شهدت بعد ذلك سلسلة من تدوير للحكام عليها من السلطنتين. كل هذه الأحداث بتفاصيلها الدقيقة أوردها المؤلف في الفصل الثاني.
يسرد الفصل الثالث حال كردفان (الأبيض) من سلام واستقرار نسبي مقارنة بحجمها الكبير آنذاك، وكان ازدهارها نسبة لتجارة الذهب الذي كان يأتي من سنار وجبال تقلي. لم تدم تلك “السعادة” لفترة طويلة بعد غزو محمد بك الدفتردار لها فعاث فيها فساداً وجبروتاً منقطع النظير وارتكب جرائماً تقشعر منها الأبدان. على الرغم عما في هذا الفصل من مآس ضد حقوق الإنسان والإنسانيَّة، فهو جدير بالقراءة لأخذ العبر لمن يعتبر حتى لا يتلذَّذ أي كائن من كان بارتكاب مثل هذه العذابات في حق أخيه الإنسان. من هذا الفصل ينتقل بنا الكاتب يحدِّثنا في الفصل الرابع عن المدن الحضريَّة في كردفان (الأبيض وبارا والدلنج) وسبل كسب العيش فيها، ولكنها لم تخل كذلك عن صور الاستعباد.
غاص الدكتور عمر شركيان في الحديث عن كردفان “أم خيراً برَّة وجوة” وكأنَّه يريد أن يأتينا بقبس منها فيحدِّثنا عن “دهب شيبون الجمَّروه” الذي كثر حوله الغناء والتفاخر بامتلاكه ليذكِّر القارئ أنَّ صراع اليوم على مناجم الذهب واستخراجه لهو قديم متجدِّد، ولكن ينبغي أن يتوقَّف، فضلاً عن أنَّ معدن الحديد في “ود الساقية” أخذ نصيبه من الأهمية الاقتصاديَّة لاستخداماته الكثيرة منها العسكريَّة وفي صناعة أدوات الحرث والصيد. كذلك لم ينس الدكتور شركيان الموارد الزراعيَّة التي أضحت رأس الرمح في الصراع الحالي في السُّودان. كل هذه التفاصيل سيجدها القارئ في الفصل الخامس من الكتاب.

كذلك، عكف الدكتور المؤلِّف للكتابة عن الرِّق ووصفه بـ “قُتِل الإنسان ما أكفره” في فصل الكتاب السادس. لعلَّ الحديث عن الرِّق أو الإشارة إليه من المحرَّمات التي دائماً ما يدفن السُّودانيون رؤوسهم في الرمال الحارة، لأنَّ ذلك أهون لهم من الكلام فيه أو سماعه: “مرتكبوه أو ضحاياه” على حدٍ سواء. لقد تناول الدكتور عمر شركيان هذه المسألة بجرأة شديدة فأخرج بذلك الصديد المرحلي من الجرح القديم، ولا يزال عازماً على إخراج الدم منه وتضميده، كما قرأنا له حلقات عديدة في الآونة الأخيرة عن الرِّق ومآثره.
نسبة لهول ممارسة الاسترقاق في جبال النُّوبة وتجارة النخاسة فيه، خصَّص المؤلف الفصلين السابع والثامن لتغطية هذا الجانب متحدِّثاً عنه بعد دخول العرب إلى منطقة جبال النُّوبة مروراً بالحكم التركي-المصري والمهديَّة، ولكن بالتركيز على فترة التركيَّة وقسوتها في طريقة الاصطياد ومعاملة الأرقاء. لم يقف الدكتور شركيان عند هذا الحد فحسب، بل أفرد صفحات بعينها يصف فيها “بياض صحائف” العبدان السود من أفريقيا ومن النُّوبة. فمن أفريقيا ذكر المسلم عمر بن سعيد والأسقف صمويل أدجاي وكلاهما من نيجيريا. أما من جبال النُّوبة فذكر سليمان أماتوري، وأوغست صباح الخير، وسليم أغا الذي ينحدر من تقلي، بالإضافة إلى زينب عليف (أي الجوهرة السوداء) وغيرها من الرقيقات اللواتي كان لهن شأن عظيم مثل الراهبات فوريتوناتا قواسي المختطفة من قرية تونقوجو بجبال النُّوبة، وتيريزا قريقوليني؛ وقيوسيبا سكاندولا. أما أولى رائدات التعليم في السُّودان التي لم يسمع عنها طلاب المدارس والجامعات والمعاهد العليا، فهي الراهبة بخيتة كوشي، فقد ساهمت مع الأسقف دانيال كمبوني في تأسيس مدارس كمبوني وسستر سكول والاتِّحاد، وقادت مسيرة التنوير والوعي في السُّودان. ثم سلَّط الكتاب ضوءاً على محاولات إلغاء تجارة الرِّق في السُّودان وتعقيداتها في فصله التاسع؛ وخصَّ مملكة تقلي في الفصل العاشر، وأخيراً اختتم فصول الكتاب بالحديث عن سكان جبل الداير ومقاومتهم للمهديَّة.
من جانبنا، لا يسعنا إلا القول يعتبر السفِر ثورة عظيمة على الماضي المألوف بفكره الحبيس بجبورت طبقة أدمنت حجب المعرفة عما ينطوي عليه تأريخ السُّودان الحديث من عِلَّات كثيرة انبثقت عنها كبوة ومحنة هذا البلد اجتماعيَّاً، وثقافيَّاً، وسياسيَّاً، واقتصاديَّاً، وهلمَّجراً. لهذا ليس لدينا أدنى شك في أنَّ كتاباً بهذا المستوى وهذه الجرأة والصراحة سيفيق وسيحرٍّر عقول كثيرة لتروي العطشى للمعرفة اللامحدودة بذاتهم والذين من حولهم. ولهذا كذلك نشجِّع اقتناء مثل هذا الكتاب وقراءته.

Leave A Reply

Your email address will not be published.