المجتمع مصدر التشريع.. لا الدين

على الورق.. إبراهيم الصافي

من مظاهر الركض خارج دائرة الدين، والإعراض عن مبادئه ومفاهيمه؛ محاولة مركزي الحرية والتغيير احتكار التشريع وتحديد السلطات والأنظمة التي تحكُم العلاقات التنفيذية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهذا بالطبع هدف مستتر خلف حُكم الشعب للشعب؛ بينما هو يستبطن فصل الدين عن الدولة، وإبعاده عن التدخل في الشأن الحياتي تمامًا، وهذا يعني حصره في المساجد وخلاوي القرآن بعد تحجيم دور الأئمة في التنوير العام، وبعد حذف العلوم الحديثة من منهج (الخلوة)، فلا عجب إذًا أن تحظى مبادرة الخليفة الشيخ الطيب الجد ود بدر بهجوم عنيف بحسبانها خارجة من جهة ليست بذات اختصاص، وغير معنية بالسياسة والشأن العام.

استبصار ما يدور في نهج وقرارات الحرية والتغيير لا يحتاج إلى ذكاء وصفاء ذهني، فالأهداف والمقاصد واضحة جدًّا وحارقة كشمس النهار في صيف قائظ.. الجماعة يعلمون أن الشعب السوداني لا يهادن ولا يتهاون في المساس بعقيدته، ولذلك يعتمدون أسلوب المخادعة بالطَّرْق المستمر على شعار: (الديموقراطية) الذي يتقبله الشارع مخرجًا من أزمة الحكم، بينما هم يستهدفون تمرير فكرة أن الإنسان هو الذي يضع ويُحدُّد نظامه، وأن المجتمع هو مصدر السلطات والتشريع حصرًا، وبالتالي لا حقَّ – بحسب زعمهم – لأصحاب اللحى الكثَّة، ولابسي (الجباب) والعمائم، وحاملي المسابح في التفكير السياسي، أو المشاركة في دوائر السلطة والتشريع مهما كانت مكانتهم أو منزلتهم الروحية وضخامة أتباعهم ومريديهم، لأن العبادة شأن خاص.

ومن المعلوم أن أكاديميي العلوم السياسية والإدارية يُعرِّفون الديموقراطية بأنها نظام يرتكز أساسًا على الفصل التام للدين عن الدولة، ويبيح الحريات العامة: التديُّن، الرأي، الملكية، الحرية الشخصية (الجنسية والجندر)، ويعلمون أن النظام الرأسمالي خرج من عباءة حرية المِلكية، سيما وأنه كان يرى في الكنيسة أكبر معوق لحركته، وللتجارة الحرة غير المقيدة بحلال أو حرام والأرباح المهولة الناتجة منها.

يقول الدكتور أحمد عصام الصفدي في مقال له بعنوان: (الديموقراطية تخالف الإسلام كُلاًّ وجُزءًا) نشره في دورية جامعية: “الإسلام مبدأ وعقيدة عقلية ينبثق عنها نظام، وهو فكرة كلية عن الكون والإنسان، وعن الحياة وما قبلها وما بعدها، وأساسه أن وراء ذلك خالق هو الله تعالى، وهو منهاج حياة متكامل تنبثق عنه جميع أنظمة الحياة سياسية واجتماعية واقتصادية واجتماعية وغير ذلك.. والأمة في الإسلام ليست مصدر التشريع والسلطات؛ وإنما المُشرِّع هو الله وحده.. وليس في الإسلام تقديس للحريات بمفهومها المطلق في النظام الديمقراطي”.

لا شك أن (كهنتنا) سيتهمون كاتب المقال بـ (الكوزنة) التي أصبحت (صكًّا) يوزَّع على كل مُنتمٍ لكيان إسلامي، ويصفون أفكاره بأنها أسيرة نصوص جامدة محشوة في (مُحَّارة) تراكمت عليها الرمال وطمرتها، تفكيره خارج الزمن ويُعارض إيقاع التطور والتجمُّل في العلاقات الإنسانية والدولية القائمة على المصلحة والمنفعة فردية كانت أو جماعية؛ بل ويرون أن صاحب هذا الاقتباس محبوس هو أيضًا في سجلات تاريخٍ طوتها أربعة عشر قرنًا في أحشائها. ولا يلزم اجترارها أو الاعتداد بها في عصر انفك من التعقيدات الدينية، وتحرَّر من الأوهام والاعتقادات الميتافيزقية.

فيا جماعة الخير؛ لا تُغرِّدوا خارج السرب، ولا تكونوا مثل عازف المزمار السحري الذي تبعه أطفال القرية، فكان في اتِّباعه هلاكهم.

Leave A Reply

Your email address will not be published.