عقار وعرمان.. انشطار المتماثلين

علي الورق…إبراهيم الصافي

 

 

كل الدلائل والرؤى الواقعية تشير إلى أن عقار أكثر تعقُّلًا وأوسع أُفقًا من نائبه عرمان، واستقرار الوطن عنده يستلزم النأي عن اللَّدادة والإمعان في الخصومة ما يؤدي في النهاية إلى إلغاء ما كان والعودة إلى الجبال والأحراش حيث يُستأنف الضغط على الزناد، ويتعالى أزيز الرصاص والمدافع في مواجهات ومناوشات حربية عبثية، وتكتيكاتِ كرٍّ وفرٍّ لا نهاية لها، تُهدر فيها أموال وتُزهق أرواح.

عقار يُفكِّر بهدوء دون اندفاع، ويستقرئ مستقبل البلاد بعقلية وطنية راشدة تنشد الأمن والاستقرار لأبنائه بعد أن كابدوا ويلات الحرب وتلمَّظوا مراراتها، وعانوا حرقة شظف العيش في الخنادق، ومآسي وبؤس الغُربة عن الديار، وأمضَّهم الحُزن على فراق الأهل والأحباب.

وانطلاقًا من رؤية موضوعية يمكن القول إن مواقف عقَّار ليست متناقضة مع (منفستو) الحركة الشعبية؛ لكنه يؤمن بأن التفكير عمومًا والسياسي خصوصًا؛ لا يعرف الثبات والجمود، وإنما هو عملية ديناميكية، ونشاط عقلي مُتغيِّر كمياه الأنهار، لقد دخل الغابة سابقًا من أجل السودان، ثم آثر لاحقًا التوقيع على اتفاقية السلام حماية للوطن من التمزّق والتفكُّك والزَّوال من جغرافية العالم. وبرَّر مشاركته في السلطة بأنها رغبة في المحافظة على اتفاق السلام، محذرًا في الوقت نفسه من أن انهيار الاتفاق يعني انهيار عملية السلام.

إذًًا فلا غرو أن يقول عقار: “من شاركوا في اجتماعات التحالف المُطالب بإسقاط الانقلاب؛ لا يعبرون عن مواقف الحركة الشعبية؛ وإنما يمثلون أنفسهم”.

أما عرمان؛ فقد فُطِر على المعارضة؛ فإن لم يجد ما يُعارضه ويُنازله؛ عارض نفسه ونازلها، وكأنما هو مستنسخ من فطرة الشاعر الحطيئة، أو وارث جينٍ من جيناته، فالحطيئة إن لم يجد ما يهجوه؛ هجا نفسه. عرمان يُفكِّر أيديولوجيًّا وباندفاع، وشديد العصبية للانتماء، وأي رؤى أو حلول لا تخرج من المنظور الذي يتبنَّاه؛ انبرى لها ناقدًا وقادحًا و (مُبخِّسًا)، الوسطية عنده عنقاء، لذلك فهو يقاوم بلا هوادة كل ما يتقاطع مع قناعاته الفكرية والثقافية، ويبدو من الواضح أن له ثأرًا مع الحركة الإسلامية، وثمة تراكمات تحرق جوفه إزاء أي ملمح أو أي نشاط يصطبغ بصبغة الله، ومن أحسن من الله صبغة يا ربيب الراحل قرنق؟!

ولا يمل الرجل وداعموه من تكرار الحديث عن حشد قوى الثورة لإسقاط الانقلاب، مُشبِّهين محاولات تثبيته بأنها بمنزلة جسر لانقلاب الإسلاميين القادم.

إذًا لا عجب ولا غرابة إن خرج عرمان مغاضبًا ومنشقًّا وَمُخطِّطًا لتأسيس جناح جديد للحركة الشعبية التي ستصبح ثلاثية الأجنحة: (عقار وعرمان والحلو)، ولا نعرف طائرًا بهذه الكيفية ولا في الأساطير، اللهم إلا بين الأجسام النورانية، وبهذا التأسيس يُشبع شغفه في المقاومة، ويتماهى مع فطرته في السير على الطريق المعاكس، أي (عكس السير) كما في أدبيات أو قاموس مرور الخليج.

Leave A Reply

Your email address will not be published.