الزمن لن يتباطأ لأجلنا

على الورق: إبراهيم الصافي

الانهيار وشيك، مبادرة تدفعها مبادرة كموج البحر، اجتماعات تنعقد وتنفض، كتاباتٌ مُساندة ومؤيِّدة، وأخرى معارضة أو رافضة أو قادحة، تصريحات متفائلة وأخرى متشائمة، وثالثة خليط بين الاثنين، وكل ذلك لا مُعوَّل عليه؛ فالزمن لن يتباطأ من أجل السودان، وهو أعجل من مدح المبادرة هذه وذمِّ تلك. وكذلك لا مُعوَّل على الخارج لمعالجة أزمات بلد صنعها بنوه، فالمصالح والمنافع في عصرنا هذا حاكمة للعلاقات، ولا مكان للعواطف والمشاعر في عالم اليوم. وما لم تحدث استفاقة عاجلة؛ (فالرماد كال حماد).
تجري بنا الدنيا على خطرٍ كما
تجري عليه سفينة الملاحِ
تجري بنا في لج بحرٍ ما له
من ساحل أبداً ولا ضحضاحِ
لماذا التأويل دائماً بأن كل مبادرة لم تصدر من داخل قاعات (قحت) مؤصدة الأبواب، مُحكمة الأقفال؛ خلفها (الحزب المحلول)؟ لماذا الهرولة إلى الخلف وكأنما شمس المستقبل آفلة أو مسودَّة؟ لماذا لا يتحلَّى كثير من السياسيين وأصحاب الأقلام بمواقف شجاعة انتصارًا لذواتهم وللوطن، واقتداءً بإبراهيم الشيخ وهو يخوض ساحة الوغى مُقبل غير مُدبر.
أعجب لدعاة التخذيل والطَّعن في كل بادرة تستهدف وحدة الصف ولمِّ الشمل، والتعامل معها (جيفة) تنهشها أنياب النمور، فقط لأنها خارجة من (جُبَّة شيخ درويش)، فالمظهر عند بعض الحانقين هو الأساس، لا الجوهر ولا الهدف، والحكمة قد تؤخذ من فمِ مجنون، وحتى الجاهل يمكن أن يُبدي رؤية عفوية ويتخذ موقفاً تترتب عليهما حلول لمشكلات مُعقَّدة وعصيَّة.
ويا علية القوم: من قال إن وظيفة المسجد لا تتعدى أداء الصلوات والأوراد!! ونسألكم: كيف نشأت دولة المدينة؟ من هم قوادها وصانعو مجدها وسطوتها وهيبتها؟ أين كانت تُجهَّز الجيوش ومن يُعيَّن قادتها؟ وأين كانت توضع الخطط للغزوات والدفاع عن الدولة ومكتسباتها؟ ألم يكن المسجد (برلمان) الدولة ومحضن التشريع؟ ألم يكن هو الجهاز التنفيذي بقيادته العليا ووزاراته؟
الكل يعلم أن السودان في منحدر زلق، إن لم يجتمع القوم على كلمة سواء، ويتحدوا ويتعاضدوا ويشد بعضهم بعضًا؛ فسيتهاوى إلى درك سحيق. وللإعلام والكُتَّاب أثرٌ مباشر وقوي لإسناد ودعم التوافق أيًّا كان مصدره ومنطلقه، فاللحظة ليست مناط تفاضل بين الكيانات السياسية ومبادراتها، ولا بين إمام المسجد وقائد المظاهرة، ولا بين المدني والعسكري، سنام الأمر الآن: سودان باق متَّحد متماسك، وغير ذلك؛ لافتة مضيئة: (كانت هنا دولة تُسمَّى السودان)، أو شاهد إسمنتي على قبر يؤرِّخ لصاحبه: (تُوفِّي المرحوم أغسطس ٢٠٢٢م)، قُبِرَ ضُحًى، لا نائحة تبعتهُ ولا ثاكلة، ولا دامع ولا مُتوجِّع ولا نادم، إذن يجب أن تعلم بعض الكيانات السياسية التي تغمر الساحة الآن ضجيجًا أن انتهاج الفلسفة الفرعونية (ما أُريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) سيكون سببَ هلكتها وزوالها.
بقول أحد سياسيي العصر إن بعض قياداتنا تدعم أحزابًا علمانية، أو بعثية، أو قومية، أو يسارية، أو شيوعية، وتحتضنها اتقاءً لشرها، فتقرِّب رموزها وتشاورهم وتحثهم على التوافق ونبذ الاختلاف، وتقرُّ لهم بمناصب اتحَّادية وولائية كسبًا لرضاهم؛ لكنها لا تدرك تكتيكاتهم وما يُحيكون ضدها من مؤامرات لإسقاطها، والانفراد بدفة الحكم، والتشريع بما يتوافق مع توجهاتهم وأهدافهم.

Leave A Reply

Your email address will not be published.