الجزاء من جنس العمل

همسة تربوية..د.عبدالله إبراهيم علي أحمد *

 

 

لو استحضر الظالم عاقبة ظلمه، وأن الله عز وجل سيسقيه من نفس الكأس عاجلاً أو آجلاً، لكف عن ظلمه وتاب، ولعلَ هذا المعنى هو ما أشار إليه سعيد بن جبير رحمه الله حين قال له الحجاج :

(اختر لنفسك أي قتلة تريد أن أقتلك)، فقال: بل اختر أنت لنفسك يا حجاج ؛ فوالله لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها يوم القيامة.

أما زنيرة رضي الله عنها فقد كانت أَمَةٌ لدى واحدة من نساء قريش، شرح الله صدر زنيرة للإسلام فآمنت وشهدت شهادة الحق، فكانت سيدتها تعذبها وتأمر الجواري أن يضربنَ زنيرة على رأسها ففعلنَ حتى ذهب بصرها، وكانت إذا عطشت وطلبت الماء قلنَ لها متهكمات: الماء أمامك فابحثي عنه، فكانت تتعثر، ولما طال عليها العذاب قالت لها سيدتها:

إن كان ما تؤمنين به حقاً فادعيه يرد عليك بصرك، فدعت ربها فرد عليها بصرها، أما سيدتها التي كانت تعذبها فقد لاقت شيئاً من جزائها في الدنيا، فإنها أصيبت بوجع شديد في الرأس وكان لا يهدأ إلا إذا ضُرِبَت على رأسها، فظلت الجواري يضربنها على رأسها كي يهدأ الوجع حتى ذهب بصرها، والجزاء من جنس العمل.

وتحضرني هنا قصة الفلاح البسيط الذي سافر من قريته إلى المركز ليبيع الزبد الذي تصنعه زوجته، وكانت كل قطعة على شكل كرة كبيرة تزن كل منها كيلو جراماً، باع الفلاح الزبد للبقال واشترى منه ما يحتاجه من سكر وزيت وشاي ثم عاد إلى قريته، فبدأ البقال يرتب ويرص الزبد في الثلاجة، فخطر بباله أن يزن قطعة من الزبد، وإذا به يكتشف أنها تزن 900 جرامًا فقط، والثانية أيضاً مثلها، وكذلك كل الزبد الذي أحضره الفلاح، وفي الأسبوع التالي، حضر الفلاح كالمعتاد ليبيع الزبد، فاستقبله البقال بصوت عالٍ، أنا لن أتعامل معك مرة أخرى، فأنت رجل غشاش، وكل قطع الزبد التي بعتها لي تزن 900 جرامًا فقط، وأنت حاسبتني على كيلو جرام كامل، هزَ الفلاح رأسه بأسى وحزن وقال:

لا تسيء الظن بي، فنحن أناسٌ فقراء ، ولا نمتلك وزن الكيلو جرام، فأنا عندما آخذ منك كيلو السكر أضعه على كفة، وأزن الزبد في الكفة الأخرى.

سبحان الله كما تدين تُدان ، فالجزاء من جنس العمل، حكمة بليغة تتناقلها الألسنة وهي سنة كونية جعلها الله سبحانه وتعالى عظة وعبرة للناس ولكل من يخطو على الأرض كما تدين تدان، فما تفعله النفس يُفعل بها، وكما تُجازِي تُجازَى، وكما تدين خلقَ ربك يدينك خالقك، وكما تَسرق تُسرق، وكما تزني يُزن بك، وكما تَتكبر على الناس يُتَكَبر عليك.

و تحضرني أيضاً قصة الرجل الذي جلس يوماً يأكل هو وزوجته وبين أيديهما دجاجة مشوية فوقف سائل ببابه فخرج إليه ونهره وطرده دون أن يعطيه شيئاً، فدارت الأيام وافتقر هذا الرجل وزالت نعمته حتى أنه طلق زوجته، وتزوجت من بعده برجلٍ آخر فجلس يأكل معها في أحد الأيام وبين أيديهما دجاجة مشوية وإذا بسائل يطرق الباب، فقال الرجل لزوجته:

ادفعي إليه هذه الدجاجة، فخرجت بها إليه فإذا به زوجها الأول فأعطته الدجاجة ورجعت وهي تبكي إلى زوجها فسألها عن سر بكائها، فأخبرته أن السائل كان زوجها وذكرت له قصتها مع ذلك السائل الذي انتهره زوجها الأول وطرده، فقال لها زوجها:

ومم تعجبين؟ وأنا والله السائل الأول، وكما قال أحد الصالحين: الحسنة لا تضيع على ابن آدم، والذنب لا يُنسى ولو بعد حين، والديان هو الله عز وجل حي لا يموت، ويا ابن آدم اسخر كما شئت، واضحك على من شئت، واعتدي على من شئت، واجرح من شئت، وأحسن إلى من شئت، فالله لا يضيع مثقال ذرة من خير، ولا يضيع مثقال ذرة من شر، فمهما فعلت من خير تُجزى به في الدنيا قبل الآخرة، ومهما فعلت من شرٍ كان صغيراً أو كبيراً تُجزَى به بالمثل تماماً في الدنيا قبل الآخرة، وستشرب من نفس الكأس، فربنا يمهل ولا يهمل، وأرقى النفوس هي التي تجرعت الألم فتجنبت أن تذيق الآخرين مرارته، ولنرتق بكلماتنا ولا نرفع أصواتنا، فالأمطار هي التي تُنبِتُ الزهور لا الرعد، أخيراً الدنيا رخيصة وكلنا قد يملكها غني وفقير وملك ووزير، ولكن الجنة غالية إن لم تملكها بصالح عملك، فلن تملكها بمالك وجاهك وسلطانك.

 

 

 

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.