sudani-banner

زيارة وفد السفارة البريطانية لـ«الجزولي».. «ليبراليون» في حضرة «متطرفين»

 

كتب: الهادي محمد الأمين

في خطوة مفاجئة وتحول غريب في المشهد العام السوداني، زار وفد من السفارة البريطانية المنسق العام لتيار الأمة الواحدة والقيادي في تيار نصرة الشريعة ورئيس حزب دولة القانون محمد علي الجزولي في دار حزبه بالرياض شرقي الخرطوم، وقال الجزولي عقب انتهاء اللقاء مع وفد السفارة البريطانية بالخرطوم أنه أبلغ الوفد الزائر له بأن من حق بريطانيا البحث عن مصالحها المشتركة مع السودان بعيداً عن مشروعها الثقافي، وأنه مد أياديه بيضاء للحوار مع كل القوى السياسية والحركات المسلحة بما فيها الحركة الشعبية جناح الحلو وتحرير السودان بقيادة عبد الواحد والشيوعي وقوى الحرية والتغيير – المجلس المركزي والتوافق الوطني.

 

* فالتحول ليس في مواقف السفارة البريطانية بالخرطوم التي يمم وفدها شرق الخرطوم لمقابلة الجزولي دون غيره من رجالات الدين والدعوة فحسب بل التحول حتى في مواقف الجزولي التي تشبه الانقلاب على أفكاره وتوجهاته وارتباطاته بالجماعات المتطرفة، حيث حاول الجزولي إظهار وجهه الليبرالي خلال لقائه بوفد السفارة البريطانية بالحديث عن الحريات والديمقراطية والانتخابات وأصدقاء السودان والحوار مع القوى اليسارية ومكونات الحرية والتغيير كتكتيك لإخفاء الوجه الأصولي المتطرف الذي ظلت تبحث عنه بريطانيا وأمريكا ودول غربية وعربية، فالجزولي انتقل وبصورة مفاجئة وسريعة من خندق “التكفير والتفخيخ والتفجير” حيث كان ينادي من فوق منابر الجمعة في المساجد وفي خطاباته وتدويناته وتغريداته الإلكترونية بأهمية إدخال الرعب والترهيب في نفوس الغربيين والأوربيبن ويطالب داعش بـقوله: (يا جنود الدولة اضربوا، اسحلوا، احرقوا، فجروا، قطعوا، اذبحوا، مزقوا، ابقروا، افقعوا ولا تأخذكم بهم رحمة)، انتقل إلى مربع التهدئة والمسامحة والتعايش، وبدا مرناً وهو يستقبل وفد السفارة البريطانية بالخرطوم الذي يعتنق الديانة المسيحية التي يعتبرها ويصنفها الجزولي كألد عدو لفصائله ومجموعاته الجهادية التي ينتمي إليها.

* فلو اتجهت السفارة البريطانية للالتقاء بأقطاب الطرق الصوفية أو زيارة خلاوي القرآن الكريم أو مقابلة رجالات الدين الإسلامي وقيادات تنظيمات العمل الإسلامي أو حتى جماعات الإخوان المسلمين الذين يتخذ بعضهم لندن مقراً للإقامة والعمل واللجوء السياسي فربما يكون ذلك مفهوماً إلى حد بعيد ودلالة من الممكن تفسيرها واستيعابها، بيد أن اجتماع وفدها مع الجزولي لا يمكن تفسيره إلا من زاوية تحليل ظاهرة الجزولي ومحاولة الاقتراب أكثر من أحد رموز التطرف الديني في البلاد وكيف بشخصية أصولية متطرفة ومتهمة بالإرهاب تتجه لتشكيل حزب سياسي يتطلع لخوض انتخابات والاعتراف بالدستور الوضعي والمشاركة في تنافس ديمقراطي ونسق بطابع لبيرالي غربي إذ لا يمكن الجمع بين هذه المتناقضات ووضعها في سلة واحدة خاصة وأن الجزولي لم يتراجع عن أفكاره أو يعلن توبته وتراجعه وقناعاته الداعمة للإرهاب، ففي آخر خطبة وبعد خروجه من المعتقل أصدر بياناً صحفياً للرأي العام يؤكد فيه: (أن توقيفه بسبب دعوته لمقاومة التدخل الأمريكي في المنطقة الإسلامية ومناصرة المجاهدين في العراق والشام لمواجهة التحالف الصليبي العربي وإن 240 يوماً في المعتقل لا تساوي أزيز طائرات التحالف الصليبي العربي فوق رؤوس المجاهدين ساعة) وقال إن اعتقاله بسبب مناصرته للقاعدة وداعش هو (شرف له) ثم مضى قائلاً:(إن الحركة الجهادية العالمية هي البديل الشرعي والموضوعي لاغتيال ربيعنا السلمي ودهسه تحت أقدام الدول العميقة فعلى الذين اغتالوا تطلّعات الأمة في حياةٍ كريمة أن تتسع صدورهم لخيارات الأمة الأخرى) في إشارة واضحة للاتجاه للقتال والجهاد تحت رايات القاعدة وداعش.

* وهذا مما يرجح أن وفد السفارة البريطانية يحاول قراءة اتجاهات وأفكار الجزولي عن قرب حيث تلاحق الجزولي اتهامات بموالاة التنظيمات المتطرفة حيث أعلن قبل سنوات تأييده لمشروع تنظيم الدولة الإسلامي «داعش» وقبله «القاعدة» وفروعها في سوريا «جبهة النصرة» و «حراس الدين» ولاحقته اتهامات بتغذية عشرات الطلاب الجامعيين بأفكار دينية متطرفة شجعتهم على الالتحاق بتنظيم «داعش» في العراق وسوريا وليبيا وهذه قضية ظلت تشغل وتؤرق لندن حيث بدأت بريطانيا اهتمامها منذ وقت مبكر في التعاطي مع ظاهرة الإرهاب والتطرف الديني في البلاد لعدة أسباب من بينها ما يتردد في وسائل الإعلام وما تنقله مواقع التواصل الإجتماعي وما يتم بثه من خطب تشير فيها أصابع الاتهام للجزولي باعتباره أحد رموز التطرف الديني في البلاد هذا فضلًا عمّا ظلت تردده جهات أخرى بأن للجزولي حبال سرية وخطوط تربط بينه وبين طلاب الجامعات خاصة جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا كما ظلت السفارة البريطانية في الخرطوم في ذلك الوقت على تواصل مع إدارة جامعة مأمون حميدة ومع أسر الطلاب الدواعش في كل من لندن والخرطوم وانتدبت من جانبها مفكرين مسلمين يحملون الجنسية البريطانية للدخول في مشروعات المراجعات الفكرية في محاولة لإقناع الطلاب بالعدول عن الأفكار المتطرفة لقطع الطريق أمام انضمامهم لداعش.

* ولعل هذا مما جعل بريطانيا تبدأ في متابعة وفحص تضاريس المسار الدعوي والخارطة الدينية في البلاد بعد التحاق عدد من الشباب المقيمين مع أسرهم في بريطانيا بصفوف داعش خاصة الطلاب الذين كانوا يدرسون في جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا لمالكها مأمون حميدة بعد تحولها لتربة خصبة للتطرف الديني ومركزًا لتصدير المقاتلين إلى سوريا والعراق خاصة بعد مغادرة الفوج الأول المكون من 9 طلاب و 3 طالبات تلى ذلك خروج 18 آخرين بينهم أشقاء وتوائم من ذات الجامعة يحملون الجنسيات البريطانية ثم ظهرت حادثة قبض الأسكوتلاند يارد على الشاب البريطاني طارق عبدالرحمن حسان الذي يدرس بكلية الطب بجامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا بتهمة الإرهاب هذا بالإضافة إلى انضمام شباب سودانيين مقيمين في بريطانيا للقاعدة وداعش وتسللهم من لندن وظهورهم فيما بعد ضمن المقاتلين في كل من سوريا والعراق.

* ورغم أهمية اللقاء كحدث مفاجئ في الساحة السودانية يحمل العديد من التفسيرات ويحتمل الكثير من التحليلات ومع ما صاحبه من ضبابية ولفّه من غموض لم تصرح السفارة البريطانية بالخرطوم حتى الآن بمداولات وتفاصيل الاجتماع رغم أن طاقمها هو الذي ذهب والتقى بالجزولي في مكاتب حزبه بحي الرياض شرقي الخرطوم فيما سارع الجزولي بنشر صور اللقاء على نطاق واسع تبع ذلك إصداره بياناً كشف فيه طبيعة الاجتماع ومداولاته وأنه أبلغ وفد السفارة برؤيته الكاملة فيما ألتزم وفد السفارة الزائر بالصمت دون الإدلاء بأي تصريحات حول اللقاء الاستكشافي بالجزولي الذي كان يلبس فيما سبق عباءة تنظيم القاعدة فمناصرته لداعش وقيادة تيار الأمة الواحدة قبل أن يؤسس مع قادة الفصائل السرورية والسلفية الجهادية وجماعات الإخوان المسلمين والحركة الإسلامية (تيار نصرة الشريعة) الذي كان من أولى أجندته ومشروعاته إسقاط حكومة حمدوك (الإسقاط الثاني) فالزيارة قطعاً لم يكن هدفها الاستماع للجزولي وهو يتحدث لهم عن الديمقراطية داخل حزبه «دولة القانون» ولا عن «التداول السلمي للسلطة» فهل يجيء اللقاء كفاتحة وعربون صداقة بين السفارة البريطانية والجزولي؟ أم هي خطوة من جانب السفارة لفتح أبواب الحوار مع المتطرفين السودانيين وبدلًا من الجلوس مع الطلاب المستهدفين بالتجنيد الجلوس مباشرة مع الجزولي؟ أم يأتي كل ذلك كمحاولة للتدجين والاحتواء تستهدف لاعبًا تعتبره مزعجًا ومن الممكن أن يتسبب في إفشال وتنفيس مشروع التسوية السياسية الذي يجري حاليًا ويتجه لتشكيل حكومة جديدة؟ وما هي الأسباب والدوافع التي جعلت السفارة البريطانية تطرق أبواب الجزولي دون غيره من رجالات الدين الإسلامي وقادة الدعوة ورموز الجماعات الدينية وأقطاب الطرق الصوفية؟ هذه الأسئلة تظل حائرة تبحث عن إجابة مقنعة وموضوعية ما لم تصدر السفارة البريطانية بالخرطوم بيانًا توضح فيه تفاصيل هذا اللقاء الغامض الذي تم بين أفراد من طاقمها وأحد أبرز رموز التطرف الديني بالبلاد!!

 

 

 

 

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.