sudani-banner

(السوداني) تنشر الحوار الفائز بجائزة محجوب محمد صالح للصحافة السودانية حوار مع شاب مختلف (آدم حسن خميس) حكايات من أرض البرتقال والمآسي..

نعم اغتصبوا أختي أمام عيوني وسيوحدنا المطر والشمس
كنا نسعف الجرحى بالحمير و(3) أيام بلا طعام إلا صفق الشجر ولبن الأمهات
حكايات قاسية على قلب شاب أعلن خساراته بشجاعة
لم أجد بلدي في المناهج وسألت أعمامي (لماذا كل هذه البنادق) في بيوتنا؟
شاهدت التلفزيون أول مرة في نيرتتي وخفت منه!
في كاس شفت صهريج الموية كأعجوبة
وفي نيالا شفت الناس مبسوطة في حياة طبيعية
درست إسعافات أولية وأبوي أول من ركبت له الدرب بشكل سليم
شاهدت الموت والاغتصاب والضرب والنهب والتعذيب للأهل كلهم

حاوره: صديق دلاي

بعد عدة مواعيد وطلب بنشر كتابه (بدون عنوان) في كل الصحف السودانية كما يرى؛ لأهميته ولخدمة الوطن، وصلني شاب لم تخرج ملامحه من الطفولة بعد، يبدو على الموتاسيكل أنه شاب جاد في طريقه، وحينما جسلت معه داخل كافتيريا استمعت لحكاية معقدة من حكايات الحرب في أرض البرتقال، فكانت المآسي والمحن من قتل واغتصاب وجوع، حرمانه من طفولة وتعليم عاديين في بلده الذي لم يتعرف فيه على الآخرين، ثم اكتشف التلفزيون لأول مرة في نيرتتي، واكتشف صهريج الموية في مدخل مدينة كاس واللافتات الملونة لترحب بالناس، وفي نيالا اكتشف الحياة الطبيعية والناس مبسوطة في السوق والمدارس والكافتيريات، واشترى من سوق نيالا كتباً متنوعة، وتخرج من الإسعافات الأولية، وركب أول درب لأبيه حينما وقع من فرع شجرة المنقة، ونتيجة استفزاز في نيرتتي تعلم اللغة العربية الفصيحة، ورسم صورة الحرب وإسعاف الجرحى بالحمير، لي لقاء آخر ومقال مختلف عن هذا الشاب لفهم الحرب وإفرازاتها من الوعي، وثورة الأشياء من حوله.

* آدم حسن خميس من جبل مرة؟

– أنا سوداني من جبل مرة.

* ماذا تعرف عن بقية السودان؟

– نشأت في ظروف حرب صعبة.

* حدثنا عن طفولتك؟

– لا أعرف عنها شيئاً ولم أمر بها مطلقاً.

* نشأت رجلاً فوراً؟

– نشأت وسط حرب صعبة، لم نلعب كما يلعب أطفال السودان، وكنا تقريباً بلا أصدقاء، ولا مدارس، ولا تعليم.

* إنها الحرب؟

– شفنا الفظائع بدلاً عن اللهو واللعب.

* دعنا نتحدث عن تفاصيل تلك الحرب؟

– كنت أسال أعمامي وأهلي (البنادق دي لشنو) في كل بيت ومكان؟، فكان جوابهم دفاعاً عن الوطن.

* يقصدون السودان؟

– لم يكن لديَّ علم بشيء اسمه السودان، وبدأت أسال بشغف عن السودان وين بقية الناس، وليه الحرب والطرف البهناك منو؟.

* أنت تنتمي لحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور؟

– هذا طبيعي جداً، وكنت أسأل الضباط من حولي في الجبال ما المقصود بتحرير السودان فقالوا لي: نحن متمردون في كفاح مقدس ضد الظلم ولأجل القانون.

* بدأت تفهم القصة؟

– بدأت أتعلم كلمة السودان وهو بلدي وأهلي لكني لم أرى الآخرين من وطني.

* بقية السودان؟

– ما شفتا الناس التانين في بلدي.

* إنها الحرب؟

– فتحنا عيونا على الحرب وليس المدارس واللعب.

* شاهدت كل شيء بعينيك؟

وقسماً بالله العظيم كل شيء جرى أمام عيوني.

* بل كنت جزءاً من الحدث؟

– طبعاً وأنا ضحية الحرب.

* هل أنت الآن بخير؟

– الحمد لله وأريد أن أخدم وطني.

* أنت من مواليد جبل مرة؟

– من مواليد جبل مرة 2001.

* أنت ما زلت صغيراً جداً وتحكي عن الحرب والوطن؟

– دخلت المدرسة 2011 الصف الثالث طوالي بلهجتي الفوراوية، ولم أتعلم اللغة العربية، إلا لاحقاً، بعد استفزاز التلاميذ لي، وكان تحدياً كبيراً، وكنت أحلم بتعلم حرف وحرفين قدام أهلي.

* دعنا ندخل للغريق تفاصيل الحرب بعيونك؟

– شاهدت الموت والاغتصاب والضرب والنهب والتعذيب للأهل كلهم.

* نحكي؟

– كنا نمشي المدرسة والجنجويد يلاقونا بأسئلة يومية أنتو منو، وفلان وين، وماشين وين؟، مع الضرب والخطف لأيام.

* غالباً ما يكون معكم بنات؟

شاهدتهم يغتصبون أختي أمام عيوني، وحدث مثل هذا لآخرين، وهم يشاهدون اغتصاب أمهاتهم وأخواتهم وزوجاتهم.

* ما ممكن؟

– حدث هذا أمام عيوني، والله على ما أقول شهيد.

* وبعدين؟

– كان أهلي في حيرة من أمرهم لو احتاجوا الذهاب للسوق مع الحاجة الشديدة.

* كييييف؟

– شراء سكر وملح قد يكلفك حياتك.

* وأنتم في وسط هذه الحرب معزولين فوق الجبال؟

– كنا نعيش على أمل وحيد

* مثل؟

– أن نموت شهداء ونلتقي بالأهل كلهم في الجنة.

* إنها آخر الأمنيات؟

– نعم كنا نسمع هذا من أمهاتنا حينما نذهب للمدرسة ومتوقع أن لا نعود (لو ما رجعتوا نتلاقى في الجنة يا ولدي).

* هل ستعود إلى قريتك قريباً؟

– تم حرقها بالكامل.

* كيف تجري هذه الحرب؟

– غالباً ما ينتشر الخبر بهجوم قريب فنهرب إلى الوادي، وهو الجزء العميق عبارة عن غابات وجبال صغيرة.

* وهناك؟

– والله العظيم مرة ثلاثة أيام عشنا أطفالاً وكباراً بدون أي طعام، كنا نأكل صفق الشجر، وحينما يعثرون على رطل سكر يوزع بكفة اليد للأمهات لسقي الأطفال أولاً، مع لبن الرضاعة.

* شيء صعب؟

– كنا ناكل وجبة واحدة هي العشاء لأهميتها مع الليل وكنا نتلو القرآن جماعياً لو متنا نموت عليه بأصواتنا.

* لابد من انفراج؟

– الانفراج كان يجينا من الخواجات، جنبنا ناس منظمات كانوا رحماء بنا، وكنا ننتظر (بسكويت الخواجة) بفرح غريب، وكانوا يوفرون العدس والبصل حتى منعتهم حكومة المخلوع.

* كيف تفهم شعاركم (حركة تحرير السودان)، والتحرير من منو؟

– كنت ضد هذا الشعار ومتمسك بشعار (تحرير دارفور).

* وبعدين كمان؟

– فهمت أخيراً وطنيتهم نحو تحرير كل السودان.

* كيف خرجت من القرية تحت قصف الأنتينوف ذات يوم؟

– ركبت حماري ونزلت الوادي بعد سماع خبر الهجوم.

* أخواتك أمك وأبوك؟

– في تلك اللحظة نخرج جميعاً نتشتت في الوادي على أمل نلتقي مرة أخرى أحياء، وكان هذا الاحتمال دوماً ضعيفاً.

* وحينما وصلت بحمارك؟

– أصيب حماري (بالطرش) بصوت الإنتينوف وحينما وصلت الوداي وجدت أمي وأخواتي، وكان عمر جديد.

* أول يوم في المدرسة 2012؟

– نعم وعمري 11 سنة ذهبت للصف الثالث طوالي.

* في نيرتتي؟

– أول مرة شفت التفزيون في نيرتتي، كنت أخاف الاقتراب منه ومن داخله ناس، وحاولت أطلع الزول من وراء الشاشة.

* إنها الحرب؟

– كنا يومياً وجماعياً ندعي في صلواتنا يعذب المخلوع ويموت شر موتة.

* هل كنت تعرف عنه أي شيء بكونه سبب الحرب ورئيس الجمهورية؟

– مرة جابو صورة معه رجل آخر، سألنا دا منو فقالوا البشير وسلفاكير، قطعنا صورتو وحرقناها.

* ما اسم قريتك؟

– (كتروم).

* كيف وجدت المدرسة والمنهج لعلك تعرفت على بقية السودان من خلال المنهج القومي؟

– بكل أسف لم أجد أهلي في المنهج

* ماذا كنت تفعل مع هجوم الأعداء؟

– كنت أملأ الخزائن بالذخيرة وأجهزها

× وأين تذهبون بالجرحى؟

– كنت أحمل الجرحى على حماري (إسعاف).

* كنتم عيال الحرب؟

– كنا أيضاً عيال الجوع، وجبة بسيطة من عصيدة الدخن نأكلها ليلاً لأنو الدنيا ما مضمونة.

* شيء قاسٍ 3 أيام بدون أكل (كما ذكرت لي)؟

– إلا ورق الشجر ولبن الأمهات للأطفال.

× كيف عدت إلى نيرتتي؟

– بعد أيام، كنت أتنفس، لأن الجو كله مليان بالبارود.

* وشاهدت التلفزيون وخفت منه؟

– نعم بصراحة هذا ما حصل، وكان عالماً خيالياً بالنسبة لي.

* من كان يحفزك على مستقبل الدراسة في مناخ البارود؟

– أبوي الوحيد الذي يفهمني جيداً وحفزني لحفظ فرائض الوضوء بـ(50) جنيهاً، تكفي لشراء بنطلون وقميص، واشتريت من نيالا (130) كتاباً دفعة واحدة.

* تقدمت بسرعة؟

– صرت قدوة للأهل حينما رفضت طريق الغرام، كما يفعل من هم في عمري، واخترت خدمة وطني.

* حدثني عن أول زيارة لنيالا قبل أن تشتري منها (130) كتاباً؟

– كانت زيارة عجيبة باللاندكروزر مع شحنة برتقال تخص أبوي، ولأول مرة شاهدت الظلط، وشرطة المرور، والاستوب بالأنوار، والعمارات، والناس مبسوطة في كل مكان.

* عكس قرى جبل مرة؟

– تماماً وفي مدينة كاس اكتشفت العالم كله، كهرباء موية مدارس وناس تضحك وتأكل وتسافر، عجبني المنظر، وكنت أتمنى أكون جزءاً من هؤلاء ومعي كل الأهل.

* حياة؟

– ناس مبسوطة جداً وناس عايشة.

* أول شئ شاهدته في مدينة كاس قبل نيالا؟

– صهريج الموية واللافتة (مرحباً بكم في مدينة كاس).

* وما الذي أدهشك؟

– كيف تطلع الناس دي في العمارة الطويلة دي.

* وكيف حدثك الوالد عن تلك البلاد؟

– أبوي دفعة أحمد إبراهيم دريج، قال لي كان الوضع أجمل من كدا بكتير، تعلمنا بالمجان في المدارس المتوسطة.

* وسوق نيالا بذلك التوقيت؟

– الكافتريات عالم من الخيال، الباسطة والجوافة والسمك.

* أبوك سندك الحقيقي؟

– أبوي إنسان بسيط، لكنه فاهم الحياة من حولنا.. وما فقدناه من طفولة واستقرار، جاب لينا في نيرتتي الطاقة الشمسية وصرت أفهم الحياة.

* نيرتتي صاحبة الاعتصام الأخير؟

– في أول عهدها معي تم استفزازي بكوني (جبالي) لا أفهم اللغة العربية ولساني عجمي.

* حتى نيرتتي؟

– تخيل.

* ماذا فعلت في نيالا مع شراء الكتب؟

– درست حاسوب وإسعافات أولية.

* إسعافات أولية (هذا شيء مهم لصبي قادم من الحروب)؟.

– تصور كنا نقطع مسافة 50 كيلو لطعنة حقنة

* تخرجت بخبرة تمريض؟

– وأول درب أركبو بشكل سليم كان لأبوي حينما وقع من فرع شجرة منقة.

* انبسطوا أهلك من حولك؟

– انبساطة حقيقية وكأنه انتصار في حرب.

* أطول يوم لصبي مثلك؟

– وفاة الوالدة 2016.

* أستغرب لجوع في بلد البرتقال؟

– لأنك لا تعرف أن جنائن البرتقال وغيرها تحتاج لتهوية وفضاء وتكون بعيدة لأنو الوديان فيها هواء، وبالتالي فيها مخاطر حد الموت في حالة حربنا.

* حينما تسمعون طلقة الحرب أول لحظة؟

– قلب الأم يخطف الخفيف من أبنائها للهروب والنجاة.

* خطابك الحالي؟

– محاربة مظاهر التخلف العقلي في دعاة العنصرية، واللعنة على الذين علمونا الكراهية، وأن نكره بعضنا البعض، هؤلاء الجهلاء لا يعرفون أصل البشرية ونعيم الإسلام وجمال المساواة.

* عجبتني (جمال المساوة)؟

– سيوحدنا المطر وستوحدنا الشمس، وأستغرب لإنسان بالغ عاقل متدين بأي دين أن ينفخ في نار العنصرية والتفرقة بين الناس.

 

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.