sudani-banner

قرارات (حمورابية) مفاجئة وصادمة

على الورق ….إبراهيم الصافي

 

بلغ الشعب السوداني مرحلة من الضعف والانكسار جعلته يتقبَّل بلامبالاة مزيدًا من الأحمال والأثقال على ظهره الذي تقوَّس وأوشك على الالتصاق بالأرض و(سف التراب)، زيادات ضريبية مهولة – مباشرة وغير مباشرة – تُشلُّ تفكيره وتُغيِّب قدرته على ردود أفعال في مواجهة قرارات الوزارات الاقتصادية مساوية لها في القوة والتحدِّي، قرارات (حمورابية) عشوائية وصادمة، وليست مستندة على أي مرجعية تشريعية أو قانونية، واعتادت الحكومة – ممثلة في ثلاث أو أربع وزارات – الإعلان عن زيادات مفاجئة لا يسبقها أي تمهيد أو تهيئة للرأي العام، وليست مبنية على دراسات ونتائج علمية، ولا على أسباب ومسوغات عقلانية تستقرئ الواقع، وتحيط بملابسات وقعها وانعكاساتها السالبة على القطاع الإنتاجي، رسوم الجمارك والضرائب على مدخلات الإنتاج والتصنيع تتجاوز تكاليف إنتاجها، وتُحيل أرباحها إلى معدلات (صفرية أو ما دون الصفر)، عمليات الاستيراد والتصدير (تجميد إلى حين)، أما الزيادات على أنشطة القطاع الخدمي؛ فلا طاقة للمواطن بها، ولها آثار موجعة ومؤلمة على النشاط الاجتماعي العام، فقد أرهقت المواطن، وجعله يئن من وطأتها، ويرتعب من أنياب السوق المفترسة. أسعار الأدوات المكتبية والوسائل التعليمية (ممنوع الاقتراب)، تكلفة الفحوصات والأدوية والعمليات الجراحية (للمقتدرين حصرًا)، النقل وتعرفة المواصلات والاتصالات (غصباً عنكَم رضيتم أم أبيتم).

يا للهول! الجمهور (يُحوقل) ويتهيَّب جموح تكاليف الإنتاج والخدمات، وحين يهمُّ مُجبرًا بدخول السوق؛ يستعيذ من جنونه بالمعوذتين وقراءة (آية الكرسي).

ليس غريباً تحت نيْر هذا الواقع المعيشي المُزري؛ أن يتقبل طيف عريض من أبناء الطبقة الوسطى ذُل السؤال اضطراراً بالطواف على المساجد يستجدون المصلين، اما أبناء الطبقة الدنيا فقد حلَّت لهم المسألة إجمالاً، وليست هذه (فتوى شرعية)؛ وإنما إحساس متعاطف وحنون مع حفاة الأقدام ولابسي الأسمال المُتَّسخ منها والمُرقٌَع مثل جباب الدراويش، بل هي في جوهرها رؤية تنعكس بوضوح شديد على مرآة هذا الواقع (الزيمبابوي) البئيس.

قد لا نرى تحفُّظاً في طرح سؤال بريء على وزارة النقل: على أي قانون أو تشريع أو مرجعية اعتمدت في مخاطبتها لصنوتها وزارة المالية لرفع رسوم العبور على الطُّرق السريعة التي تفتقد أصلاً إلى المواصفات الهندسية المتعارف عليها عالميًّا؟ ونظرًا لرداءتها وعلاَّتها المتزايدة ومخاطرها أطلق عليها المواطنون وصف: (طرق الموت).

ربما لجأت الوزارة المعنية إلى استخدام التأثير بالصدمة اعتقادًا جازمًا منها بأن المواطن أو المصدِّر أو المستورد سيتجاوب مع رسوم عبور دعمًا لطُرق يمكن أن يلقى فيها حتفه؟! وبدورها على ماذا اعتمدت وزارة المالية في إصدار موافقتها الفورية على اقتراح وزارة النقل؟

الاعتماد على (جيب) المواطن رافدًا أساسيًّا لخزينة الدولة؛ دليل عجز وحيرة، ولا يمكن أن يشكل بديلاً لخطط علمية خمسية أو عشرية من أجل تطوير الإمكانات المحلية، وتحقيق أقصى استفادة من الموارد والثروات الذاتية، لبناء اقتصاد متنوِّع، قوي ومنافس إقليميًّا ودوليًّا. فالأمم – ياحكومتنا المختزلة في بضع وزارات – لا تُبنى وتنهض بقرارات لحظية فردية لا مرجعية قانونية مُبرِّرة لها.

 

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.