sudani-banner

الثوري لتأسيس سلطة الشعب.. ميثاق يصنع من الحطام دولة لم يعترف بمجلس سيادة وألغى منصب القائد العام للعسكريين وحصره في رئيس الوزراء

الخرطوم: عمرو شعبان

برغم الفرح الناضح من عيون الثوار المحتشدين في مركز شباب الصحافة ليلة امس الاول الاربعاء، الا أن الفاعلين في دهاليز دمج المواثيق والقائمين على امر المؤتمر الصحفي بدوا مهموين ومترعين بالتعب، ربما من آثار السهر لإنتاج المشروع العملاق الذي هز اركان الانقلاب هزاً أو ربما قلقاً على تأمين الفعالية وتقديمها بصورة تشبه نضالات أبناء وبنات هذا الشعب حسبما أوضح البعض..

 

التوقيع الذي وضع نقطة النهاية للشموليات في السودان

في خطوة انتظرها الكثيرون من رفاق الشهداء، وقع ممثلو لجان المقاومة والتنسيقيات بالخرطوم والولايات على “الميثاق الثوري لتأسيس سلطة الشعب” الامر الذي عده الثوار إغلاقا لباب يمكن من خلاله ان تتسلل التسوية بين المدنيين والانقلابيين.

ووقعت حوالي (18) تنسيقية ولجنة المقاومة بالعاصمة السودانية والولايات على “الميثاق الثوري لتأسيس سلطة الشعب”، فيما أعلن الموقعون أن الدولة السودانية القديمة يجب أن تنتهي إلى الأبد. وقالت المتحدثة باسم تنسيقيات لجان المقاومة في كرري وعضوة اللجنة المشتركة لدمج المواثيق ساجدة (م) إن “الميثاق مرحلة جديدة من نشاط لجان المقاومة التي تعيد تعريف الحياة السياسية في السودان”، مضيفةً أن “دورة الانقلابات العسكرية وسيطرة النخب السياسية على السلطة أدخلت البلاد في نفق مظلم”، مشددة على أن الميثاق يهدف إلى إنهاء فرص التسوية الفوقية بين العسكريين والمدنيين وإعادة السلطة إلى الشعب لا “النخب الفوقية”.

وأشارت ساجدة إلى أن الميثاق الثوري خطوة مهمة لتشكيل سلطة قادمة من الشعب وإنهاء النزاعات المسلحة وتحقيق السيادة الوطنية. وأضافت أن “الانقلاب العسكري في 25 أكتوبر الماضي أنهى جميع الفرص الممكنة لإيجاد الدولة السودانية الحديثة”.

 

النقاط فوق الحروف

وتضمن الميثاق الممهور بتوقيعات الثوار الاحياء ودماء الشهداء، ستة ابواب بدات بالباب الاول الذي قدم استعراضا تاريخيا للازمة السودانية وفشل النخب السياسية في تشخيصها ومن ثم وضع معالجات حاسمة لها، وانتهى بالباب السادس الذي يضم الملاحق سواء التصورات الاقتصادية للثوار أو القرارات الثورية المفترض اتخاذها فورا، فيما تطرق الباب الخامس للاحكام العامة، وحددت عبره لجان المقاومة من المستهدف بالتوقيع ومن الذي لا يحق له أن يوقع، وقالت: هذا الميثاق مطروح من تنسيقيات لجان المقاومة بولايات السودان المختلفة للتداول والتطوير والتوقيع عليه من لجان المقاومة بولايات السودان المختلفة وكل التنظيمات المهنية والنقابية والمطلبية والنسوية وتنظيمات معسكرات النازحين والاتحادات العمالية والطلابية والفئوية والتنظيمات السياسية والثورية الرافضة لعسكرة الحياة السياسية والساعية لإسقاط الانقلاب على أن تكون لجان المقاومة هي الضابط للتعديلات.

واستثنت لجان المقاومة من التوقيع في ميثاقها الثوري كل القوى السياسية التي شاركت في انقلاب ونظام 30 يونيو 1989م حتی لحظة سقوطه والقوى التي أيدت انقلاب 25 أكتوبر 2021م والقوى التي شاركت في سلطة انقلاب 25 أكتوبر حتى لحظة سقوطه ..

بيد ان مطالبة الميثاق في الاحكام العامة لكل القوى المدنية والسياسية التي قبلت وشاركت في التفاوض الذي قاد لإنتاج الشراكة مع المجلس العسكري والتسوية السياسية في 2019، إصدار نقد ذاتي مكتوب، أعتبره البعض مثيرا للجدل لجهة ان القوى السياسية المقصودة قدمت بالفعل نقدا اكثر من مرة في اكثر من محفل ، عقب الانقلاب منذ ندوة ميدان الرابطة بشمبات الشهيرة..

كما وضعت لجان المقامة ضوابط للتوقيع ابرزها أن يكون التوقيع على الميثاق من تنسيقيات لجان المقاومة بولاية الخرطوم بصورة منفردة ولا يقبل التوقيع عليه باسم المدن، فضلا عن ان يكون التوقيع على الميثاق من تنسيقيات لجان المقاومة بولايات السودان المختلفة على حسب المستوى التنظيمي الذي يمثل لجان المقاومة في كل ولاية واضافت: يتم التوقيع على الميثاق من تنسيقيات لجان المقاومة وتنظيمات (معسكرات) النازحين بواسطة ممثل تقوم بتسميته للتوقيع على الميثاق مع وجوب تفويضه کتابیأ من التنسيقية أو التنظيم.

 

ملامح مهمة.. الثوار يرسمون دولتهم

واعتبرت لجان المقاومة في ميثاقها أن الميثاق الثوري لتأسيس سلطة الشعب هو وثيقة سياسية لبدء عملية سياسية جذرية واسعة، هدفها النهائي بلورة رؤية سياسية وطنية موحدة حول طبيعة الدولة والحكم والاقتصاد وتداول السلطة. منوهة الى أن هذه الرؤية السياسية تشكلها قواعد الشعب عن طريق عمليات المناقشات العامة والمفتوحة التي تنظمها لجان المقاومة والنقابات المنتخبة والقوى الثورية الأخرى المؤمنة بالتغيير الجذري وفقأ للرؤية العامة للميثاق.

واشارت اللجان الى إن الميثاق هو تتويج لنضالات المقاومة الشعبية منذ إعلان الاستقلال في (1956م) وفي سياق المقاومة الخاص بثورة ديسمبر (2018م)، ويمثل حجر الزاوية في ترجمة الفعل الثوري إلى رؤية سياسية واضحة ومتماسكة، وبداية عملية تحويل السلطة إلى الشعب بانتزاعها من النادي السياسي النخبوي (التقليدي والحديث الذي يخدم أهداف تحالف التبعية للأطماع الخارجية ضد مصالح الغالبية العظمى من الشعب السوداني.

 

تشخيص الوضاعة وحسم الفوضى

وبلغة قاسية شددت لجان المقاومة على ان ميثاقها يمثل أولى الخطوات في الخروج من الأزمة السياسية المزمنة التي وصلت مآلاتها إلى تحول السودان إلى دولة نزاعات أهلية ومجاعات وجيوش ارتزاق وفقدان كامل للسيادة الوطنية، واضعة تعريفها الخاص للسيادة الوطنية وقالت: في سياق المرحلة الانتقالية القادمة نعرف السيادة بوصفها سلطة ديمقراطية يمارسها الشعب في هياكل السلطة المختلفة، عبر المشروعية الدستورية المتمثلة في الدستور الانتقالي الذي يحكم الفترة الانتقالية ويحدد ملامحها.

 

القطيعة التاريخية مع الازمة.. حينما ينهض الشباب

إن المدخل الحقيقي لفهم تصورات الثوار ولجان المقاومة لتفسير خطوتهم بالامس دفع بالكثيرين لتقليب الميثاق، لتاتي الاجابة في سياق النص بقولها: نفهم ثورة ديسمبر العظيمة (2018م) بوصفها ثورة ضد الشمولية العسكرية والمدنية وضد الانقلابات العسكرية وضد علاقات الخضوع الاستعمارية، معتبرة اياها تراكم نضالات الشعب السوداني منذ تكون الدولة السودانية الحديثة. واضافت: إن أفق ثورة ديسمبر السياسي هو تحويل طبيعة السلطة نفسها من سلطة مركزية نخبوية إلى سلطة شعبية ديمقراطية مدنية تنموية، وذلك يفسر تكاثر أعداء الثورة لكونها تهدد مصالح أطراف عديدة.

وشدد الثوار في ميثاقهم على أن تحقيق السلام والاستقرار واستعادة السيادة الوطنية كاملة يتطلب وجود مشروع وطني اقتصادي تنموي جامع يعيد صياغة أسس التعاقد الاجتماعي على أساس المواطنة والحقوق المتساوية، ويتصدى لجذور أزمة الحرب والسلام على أساس المصالح الوطنية المشتركة بين السودانيين، ويقدم هذه المصالح المشتركة على جميع المصالح.

وقطع الميثاق بإن استعادة السيادة وسلطة الشعب هي المعركة الأساسية ضد الديكتاتورية، واضاف: الأن ثورة ديسمبر ليست ثورة ضد النظام البائد واللجنة الأمنية فقط، بل هي ثورة مشروع وطني جذري يوحد السودانيين على أساس دولة المواطنة والحقوق المتساوية ويعيد لهم قرارهم واستقلالهم السياسي والاقتصادي في دولة مدنية ديمقراطية..

 

حينما مست الانقلابات الكرامة.. الثوار يضعون نهاية لتدخل العسكر في السياسة

وتعهد الثوار في الميثاق الثوري على انه وتأكيدا لالتزامهم بوضع حد للانقلابات العسكرية التي شكلت معظم ملامح المشهد السياسي منذ الاستقلال، فإنهم لن يأجلوا هذه المعركة للوصول لتأسيس دولة وطنية ديمقراطية، لا شراكة فيها مع القوى المضادة للثورة في السودان، ولا تفاوض فيها على إبعاد المؤسسات العسكرية بالكامل من الحياة السياسية، ولا شرعية فيها للأنظمة الشمولية، ولا مساومة فيها على حق شعبنا في الحياة.

ودعا الميثاق أبناء الشعب السوداني وبناته وجميع قواه الثورية المدنية والسياسية في شتى مدن وقرى السودان، غربا وشرق وجنوبا وشمالا، إلى المضي قدما والعمل على حشد قدرات شعبنا وإمكاناته لدعم هذه الخيارات وتعزيزها والضغط الشعبي المستمر لتحقيقها، عبر جميع الوسائل السياسية والإعلامية، واستنهاض الحركة الجماهيرية وتوظيف كامل رصيدها وأساليبها السلمية المجربة والمبتكرة للوصول إلى بناء دولة مدنية حديثة.

 

المؤسسة العسكرية .. حينما يتم قراءة التاريخ

ورصد الميثاق التطور التاريخي للجيش السوداني، واعتبره من ضمن المؤسسات التي أنشئت في فترتي الحكم الاستعماري وكان يسمى سابقا قوة دفاع السودان، وان الهدف من انشائه خدمة مصالح الحكم الاستعماري. واضاف الميثاق: إن الجيش السوداني باعتباره أحد أوجه أزمة الدولة السودانية يحتاج إلى إعادة هيكلة. هذه المؤسسة لم تخضع لإعادة هيكلة وطنية منذ استقلال السودان، بل استمرت هياكلها وعقيدتها الاستعمارية في توجيه العنف ضد السودانيين بدلا عن القيام بالمهام المتعارف عليها من حماية الدستور والسيادة والحدود؛ إذ قام الحكم الاستعماري بتجنيد الجنود في الجيش على أسس عنصرية ومعتقدات دينية لمواصلة تنفيذ استراتيجية “فرق تسد”. وهكذا، أنشئ الجيش السوداني وتطور ليبقى منقسما عرقيا ومناطقيا وكان العامل الحاسم للحكام الاستعماريين هو بسط السلطة ودعم “السلام” الاستعماري من أجل ضمان استغلال الموارد من مختلف الأراضي في السودان.

وقررالميثاق في سياق اصلاح هذه المؤسسة وعدم ترفعها على المدنيين الذين هم اصل وجودها، فنص على الغاء منصب القائد العام وحصره على رئيس الوزراء، فضلا عن النص صراحة على عدم تجنيد الا من اصحاب الشهادات سواء الثانوية او الجامعية. وشدد الميثاق على أنه استنادا إلى كیفیة نشأة مؤسسة الجیش السوداني فإن شعار لا شراكة یجسد فھما عمیقا لمشكلة الجیش، لأن تأجیل المواجھة مع المجلس العسكري یعمق ویطیل أمد مشكلة عنف الدولة، إذ أثبتت التجربة أن الشراكة مع الجیش في الوثیقة الدستوریة ( 2019 م) أتاحت المجال لتحول ملیشیا الدعم السریع إلى مؤسسة اقتصادیة اجتماعیة متطورة فنیا وعسكریا ولوجستیا،ً كما أتاح تغول الجیش على الموارد الاقتصادیة.

 

(83)قرارًا ثوريًا.. حينما يقرر أصحاب الحق

الباب السادس في الميثاق تضمن جملة من الملاحق ابرزها الملحق رقم(2) حيث احتوى على 83 قرارا ثوريا واجبة التنفيذ، ابرزها ازالة التمكين الإداري وفصل كل عضوية المؤتمر الوطني التي تم تجاوز قانون الخدمة المدنية في تعيينها وترقيتها ومحاسبة من ساعد في هذا الجرم مع تغريم كل المفسدين ماليا أي اموال بددت وتحويلهم لمحاكم الفساد والمال العام.

كذلك مراجعة كل ملفات الموظفين في فترة اقصاها شهر مع تطبيق قانون الخدمة المدنية ولائحتها, مع فتح التوظيف الجديد عبر لجنة الاختيار لملء أي فراغ في الوزارة وهيئاتها والمؤسسات التابعة لها. بالاضافة الى منع الصرف الا بموجب ايصال الكتروني، كذلك اخضاع كل الشركات الحكومية وشركات الامن والجيش والشرطة تحت ولاية وزارة المالية بالاضافة الى ربط كل وحدات الشراء والتعاقد بنظام الكتروني مركزي. كذلك بناء موازنة حقيقية يتم فيها اعتماد الصرف على البرامج بديلا عن الصرف على البنود. فضلا عن اعتماد الصرف على التعليم والصحة والتنمية كما ورد في البرنامج الاقتصادي. كذلك منع المؤسسات المالية من تمويل الأنشطة الخدمية وتوجيهها نحو تمويل الانتاج والصناعة، بالاضافة الى تعديل قانون الخدمة المدنية فيما يتعلق بالفساد واضافة عقوبة الغرامة والسجن والاعدام للقانون. وجاء كذلك قرار اعتماد برنامج الرعاية الصحية الأولية اتحادیا۔ مع ارجاع التأمين الصحي لوزارة الصحة من حيث الادارة والتشغيل الفني كمنفذ وحيد للخدمات الصحية كذلك توفير ومجانية الرعاية الصحية للاطفال والحوامل والمرضعات وكبار السن في المستوى الأولي والوسيط واضاف: منع تصديق العيادات والمراكز والمستشفيات الخاصة للكادر الذي يعمل في القطاع الحكومي والعكس. كذلك تم اقرار منع تصدير الماشية الحية ، فضلا عن انشاء البورصة القومية الحكومية لحماية صغار المنتجين والمزارعين، مع ارجاع الشركات الحكومية (الحبوب الزيتية الغلال, الأقطان القوار الصمغ العربي).

 

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.