sudani-banner

شرعية النقابات.. مصادقة السودان على اتفاقية (1987) تنهي الجدل..

منذ انتخاب نقابة الصحافيين السودانيين، وتتويج جهود القاعدة الصحفية بانتخاب جسم شرعي يمثل عبر عملية ديمقراطية مكتملة، تفجر السؤال الأبرز المتعلق بمشروعية الأجسام النقابية في ظل عدم اعتراف الأجهزة الرسمية في الدولة بهذه النقابات، سيما مع عدم اعتماد مسجل تنظيمات العمل السوداني لنقابة الصحفيين المنتخبة، فضلاً عن ردة الحكومة وصدور قرارات قضائية بإعادة الاتحادات المحلولة من قبل حكومة الثورة، الأمر الذي أدخل الحراك النقابي في أزمة مزدوجة حول الشرعية القانونية والشرعية النقابية للقواعد المنتخبة للأجسام، بيد أن خبراء قانونيين يؤكدون أن مصادقة السودان على المعاهدة الدولية واتفاقية العام 1987 التي أتاحت الحق في التنظيم وكفلته، يمنح نقابة الصحفيين السودانيين الشرعية الكاملة، ولا يحق لمسجل تنظيمات العمل أو السلطات في الدولة التدخل في الشأن النقابي أو التأثير عليه بموجب الاتفاقية.
الخرطوم – مهند عبادي
87 تحسم الفوضى
الخبير في القانون عز الدين عثمان يقول إن بموجب اتفاقية العام 1987 التي دخلت حيز التنفيذ منذ مارس الماضي بعد مصادقة السودان عليها، فإن نقابة الصحفيين شرعية، ولا يحق لمسجل العمل تطبيق قانون (2010)، وليست لديه سلطة تقدرية لمنح حق التنظيم لأي جهة أو مجموعة، مشيراً إلى أن اعتماد الاتفاقية بشكل تلقائي وفقاً للقانون السوداني يجعلها أعلى مما سواها، بالتالي فإن أي نص في قانون (2010) مخالف لاتفاقية الحريات النقابية الدولية يعتبر ملغياً، وتسود نصوص الاتفاقية الدولية، وأضاف عز الدين الذي كان يتحدث في ورشة عمل حول “النقابات بين القانون الوطني والمعاهدات الدولية” بمركز طيبة برس، أمس السبت، أن اتفاقية الحريات النقابية لم تؤيد مبدأ نقابة المنشأة، بل أتاحت مبدأ الحرية في التنظيم، وتابع: “من ناحية عملية يمكن أن تكون هناك نقابة مهنية وأخرى عمالية”، لافتاً إلى التعدد في الأجسام النقابية أمر ممكن، ولا خلاف عليه بموجب الاتفاقية..

الإنقاذ.. تحجيم دور المهنيين
ومن جانبه قال الأستاذ حيدر عبد الرحمن المستشار القانوني إن حكومة الإنقاذ عملت على تحجيم دور المهنيين منذ العام (2004) من خلال إقراراها لقانون الاتحادات المهنية، بغرض قف التأثير السياسي للقطاعات المهنية، ولكنها لم تصدر قوانين مفصلة لكل نقابة، لذلك جاءت التجرب مشوهة عبر اعتماد النظام الفئوي المختلط، الذي كان يشمل كل المهن به ممثلين للإدارات، وأشار حيدر إلى أن مفهوم النقابة العمالية المطلبية معني في الأساس بمصالح العمال بينما تعمل المهنية على تنظيم المهنة والسجل والحماية من التغول، لافتاً إلى أن نقابة المحامين والصحفيين تعتبران نقابات مهنية، ولكنها بها بعض أوجه القصور، بالنظر إلى أن لجنة قبول المحامين تضم في عضويتها قاضياً وممثلاً لوزارة العدل، وكذلك الأمر في الصحفيين فقد كان فيها أيضاً ممثلون لجهات أخرى، وقال حيدر إن سنوات الإنقاذ كانت فيها مجالس مهنية متخصصة بها تمثيل للاتحادات المهنية، ولكن لم تكن هناك أي سيطرة على السجل، لذلك بحسب حيدر فإن المحل الرئيسي أمام النقابات المهنية يتمثل في السيطرة الكاملة على السجل، كما هو الحال في النقابات بدل مصر الأردن وغيرهما، وعدد حيدر مجموعة من الاختلافات حول النقابات المهنية والعمالية من حيث القانون، حيث تشكل المهنية عبر قانون خاص، بينما تشكل العمالية بقانون عام، من حيث المشروعية فإن النقابة المهنية تستمد مشروعيتها من القانون، والعمالية من النظام الأساسي، إلى جانب الاختلاف في إلزامية العضوية بالنسبة للمهنية، وعدمها للعمالية، وشروط العضوية نفسها التي تستوجب مؤهلاً علمياً للنقابة المهنية، ولا تشترط ذلك في العمالية، ومن ناحية العقوبات فإن النقابة المهنية تقر بالشطب من السجل، بينما تكتفي العمالية بالفصل من العضوية فقط مع استمرار مزاولة العمل، وفيما يتعلق باللجوء إلى القضاء تعتمد النقابة المهنية على الحكم في القضاء الإداري، بينما تلجأ العمالية إلى القضاء العادي، ونبه حيدر إلى أن نقابة الصحافيين تجمع بين المهني والعمالي “المطلبي” وهو ما يستدعي عقد مراجعات حقيقية للنظام الأساسي وتصحيح الأوضاع، وأكد أن اتفاقية الحريات النقابية للعام 1987 لها تأثير على المهنيين باعتبار أنها أتاحت التعددية في إنشاء النقابات، وسوف تكون كلها نقابات مطلبية وليست فئوية، كما أن التأثيرات تشمل عدم الجمع بين الإدارة والعمال في نقابة واحدة، ودعا حيدر إلى إعداد قانون محكم للنقابات، فضلاً عن النظر في مسألة السجل والمجالس المهنية المتخصصة، والتحول إلى نقابات مهنية متخصصة وحماية المهنة.

تفاصيل ومراحل عملية إجازة قانون النقابات
وزيرة العمل السابقة، تيسير النوراني، سردت في في حديثها بالورشة تفاصيل ومراحل عملية إجازة قانون النقابات التي تعطلت بفعل الانقلاب في أكتوبر من العام 2021، وقالت إنها ومنذ توليها الوزارة في جعلت من القانون أولوية عمل ملحة، خاصة بعد أن علمت بأن القانون لم يجاز في مجلس الوزراء، كما أنه يخضع لحوار مستمر في اللجنة الفنية بالمجلس، وأشار إلى أنها التقت بمستشار رئيس الوزراء السابق، الشيخ خضر، وطلب منها أرجاع القانون إلى الوزارة وإجراء حوار ومراجعات حوله، وأضافت تيسير أن الزارة قدمت مشرع القانون إلى تجمع المهنيين ولجنة المعلمين ومبادرة القانون الموحد برعاية محجوب محمد صالح، وإلى الأحزاب السياسية الى الجبهة الثورية، بغرض إبداء الملاحظات والنقاش بعد اجتماعات مختلفة تم تقديم مشروع القانون لوزارة العدل مع استصحاب كل الملاحظات والاختلافات بغرض التعديل بعد إجراء مجموعة من التعديلات عليه خاصة في ظل الهجوم الشرس على القانون، واتهام الوزارة بأنها أعادت نفس قانون الإنقاذ التي وضعته في العام (2010)، وخلصت اللجنة المشتركة مع العدل إلى ثلاث نقاط خلافية تتعلق بـ”الفئة، الوحدة النقابية، والنقابات الولائية والتعددية” من جملة (13) نقطة خلاف، وقالت تيسير إن تعنت القوى السياسية حول القانون حول هذه النقاط كان سبباً وراء تأخيره، وأشارت إلى أن الشيوعي كان من أكثر الأحزاب إصراراً على النقاط الثلاث محل الخلاف، وأضافت أن تجمع المهنيين ولجنة المعلمين تأخروا في إبداء الملاحظات وعندما دفعوا بها كان القانون قد أجيز في مجلس الوزراء، بعد نقاش مفصل، وقالت تيسير إن الحزب الشيوعي بعد ذلك عقد لقاء مع رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، ناقش معه القانون وقدم آراء حوله، ليقم بعدها حمدك بتشكيل لجنة لإيجاد التوافق حول القانون وأضافت: “أنا رفضت هذا المقترح الخاص باللجنة، ولكنها التقت بالحزب الشيوعي وانتهت الى نفس النقطة الخلافية التي انتهينا إليها في الوزارة”، مشيرة إلى أن الشيوعي ظل متمسكاً بالقانون الموحد، وخلال حديثها بورشة العمل وسردها لتفاصيل قانون النقابات أكدت النوراني أن الوزارة كانت تستعد للمشاركة في مؤتمر منظمة العمل الدولية بالقاهرة في سبتمبر من العام 2021، وسعت إلى تمرير قانون النقابات في الاجتماع المشترك لمجلس السيادة والوزراء باعتباره التشريعي لاعتماده بشكل نهائي، لكنها صدمت ببعض التعنت من قبل أعضاء المجلس، محمد الفكي سليمان، والفريق شمس الدين كباشي؛ بحجة أن لديهم بعض الملاحظات والآراء حول القانون، ونبهت تيسير إلى أن البلاد كانت مواجهة بحملة من بعض الدول فيما يتعلق بالنقابة إبان انعقاد اجتماع القاهرة، وتقدمت دول البحرين السعودية والاتحاد الدولي بشكوى رسمية ضد السودان، بسبب الفراغ النقابي، وسجن أعضاء الاتحادات القديمة، وقالت إن دفوعاتهم أمام المنظمة الدولية تمثلت في استعانتهم بتقديم نسخ من بلاغات النيابة العام ضد المتهمين من الاتحادات فضلاً عن توضيح مراحل إجازة القانون الخاص بالنقابات الذي ينتظر إجازته في المجلس المشترك، لافتة إلى أن وفد السودان آنذاك ضم ممثلين من اللجان التسييرية للمعلمين، وأصحاب العمل والحرفيين، وتابعت: “بعد عودتنا لم ينعقد الاجتماع المشترك للسيادة والوزراء بسبب المشاكل التي بدأت ومن ثم جاء الانقلاب في أكتوبر، وأصبح القانون معلقاً حتى اليوم”، مؤكدة في حديثها أنه وبموجب اتفاقية 1987 يحق لكل اللجان التسييرية تكوين النقابات.

مراجعة بعض النقاط في النظام الأساسي

وبدوره سرد عبد المنعم أبو إدريس نقيب الصحفيين تجربة تشكيل النقابة المنتخبة بكل تفاصيلها، وأكد أنهم في النقابة وبعد ثلاثة أشهر من العمل الميداني وصلوا إلى ضرورة مراجعة بعض النقاط في النظام الأساسي، مؤكداً أن النقابة خاطبت مسجل العمل، ولكن لم يتم الرد عليها، وأنها تدافع عن شرعيتها استناداً على اتفاقية الحريات النقابية، رغم وجود بعض المشاكل التي تواجهها من الاتحاد العربي للصحافيين وبعض الاتحادات في الدول العربية التي تتعلل في تعاملها بالاعتماد الحكومي للنقابة، أكد أبو إدريس أن الاتحاد الدولي للصحفيين طلب بعض الوثائق حول العملية الانتخابية للنقابة والنظام الأساسي، وقد أرسلت له والنقابة تنتظر رده حالياً، وأشار إلى أن الاجتماع الأخير لاتحاد الصحفيين العرب شهد بعد التعاطف مع النقابة من قبل ممثلي المغرب وتونس والجزائر والإمارات، وقال إن النقابة حصلت على عضوية الكونغرس الأفريقي للصحافيين، وهو الجهة المناهضة لاتحاد الصحافيين الأفارقة، وفيما يلي النقابات الفئوية والمهنية قال أبو إدريس إن الصحفيين لديهم واقع مختلف ومعقد جداً، فقانون (2004) الذي تم تطبيقه بشكل سيئ جداً رهن عضوية الاتحاد باجتياز الامتحان، بصرف النظر عن ممارسة الناجح للمهنة من عدمها، الأمر الذي جعل هناك عضوية كبيرة لأشخاص غير ممارسين للمهنة بغرض الاستفادة من الخدمات التي يوفرها الاتحاد، لذلك فإن النقابة وبحسب النظام الأساسي عملت على تجاوز هذا المطب لحماية المهنة من التغول، واقترحت تشكيل جسم أهلي لا علاقة له بالحكومة للقيام بمهمة تنظيم المهنة، وأشار أبو إدريس إلى أن مسجل العمل رفضت الطعون ضد نقابة الصحافيين لأنها ليست نقابة منشأة، كما أنها لم تعتمد النقابة بسبب الوضع السياسي في البلد.

أهمية تشكيل النقابات.. لا يصح إلا الصحيح

ورشة العمل التي نظمتها طيبة برس، وشهدت نقاشات مكثفة حول أزمة النقابات عبر مشاركة مجموعة من الخبراء والنقابيين والمهتمين بالشأن العام، خلصت إلى عدة توصيات ومقترحات أبرزها استعجال اللجان التسييرية كافة لتشكيل النقابات وعدم انتظار القانون، والدعوة إلى نشر التوعية باتفاقية الحريات النقابية التي صادق عليها السودان، ودخلت حيز التنفيذ منذ مارس الماضي وإنزالها إلى المعنيين بها وسط القواعد العمالية، فضلاً عن توصيات أخرى تتعلق بالتدريب وبناء الحركة النقابية، وحث المسؤولين بالدولة لإجازة القانون لتجنب عودة الكيزان، وعمل دليل تأسيس علمي ومنهجي للنقابات وتوضيح إجراءات منظمة العمل الدولية من خلال التوعية بطريقة تقديم الشكاوى والطعون، والتعريف بما أقرته اتفاقية الحريات النقابية من إتاحتها لمبدأ التعددية النقابية وتوعية اللجان التسييرية بالاتفاقية نفسها، فضلاً عن حث المنظمات الدولية لزيادة الدعم بغرض التدريب والتوعية بالاتفاقية معرفة الحقوق، وتدريب مدربين من قبل مركز طيبة برس حول الاتفاقية، والاتصال بمنظمة العمل الدولية فيما يلي التدريب والتوعية، إلى جانب توصية أخرى تتعلق بضرورة أن تتوجه نقابة الصحافيين إلى المحكمة بغرض إلزام مسجل تنظيمات العمل بالرد على النقابة، وتوصية إلى اللجان التسييرية بإيداع طلبات تشكيل لمسجل العمل، وعند رفضه الذهاب إلى المحكمة العليا، عقد ورشة حول قانون النقابات الذي أعدته وزارة العمل وإجراء تعديلات عليها بما يتوافق مع اتفاقية (1987)، فضلاً عن توصية بتشكيل فريق عمل للإحصاء والمعلومات لإنجاز قانون نقابات بعد دراسة الوقاع وعمل ورش عمل حول الحدة والتعدد النقابي النقابات المهنية والفئوية على ضوء التجربة والواقع الجديد، إلى جانب مقترح متعلق بالكيفية التعامل مع الوضعية الجديدة بعد قرارات المحكمة العليا بإرجاع الاتحادات المحلولة، التي إن أصبحت واقعاً فينبغي على النقابيين تقديم طعن وسحب ثقة من الاتحادات من القواعد إلى المحكمة الدستورية، وتسليم نسخة من الطعون إلى موظفي المحكمة الموجودين، حتى وإن لم تكن الدستورية مشكلة.

Leave A Reply

Your email address will not be published.