التسوية والحل السياسي.. تفاصيل حلقة نقاش

الخرطوم: مهند عبادي

قال ياسر عرمان القيادي بالمجلس المركزي لقوى إعلان الحرية والتغيير إن الأوضاع الحالية بالبلاد هي نتاج لوجود عدة خصائص  أهمها ما افرزته ثورة ديسمبر المجيدة، عبر ادخالها لملايين الفاعلين لمضمار العمل السياسي بعد سنوات من “اليباس”، واستعادة المجتمع المدني والمقاومة المدنية مجددا بعد محاولات القضاء على الفعل المدني بصورة منظمة من قبل النظام البائد، والذي استفاد من فاعليته في المجتمع المدني خلال سنوات ماضية وسعى جاهدا الى تجفيف منابع الفعل المدني، وأضاف ياسر أن الشباب ومن خلال ثورة ديسمبر،عبرحراك ضخم وكبير انتظم مختلف ارجاء البلاد وتابع انا اعتقد حتى أبناء دولة جنوب السودان كانت لهم مساهمة في هذا المسعى بما قدموا من نضال وعمل قبل الانفصال، وأشار عرمان إلى أن انتفاضة سبتمبر من العام 2013كانت انتفاضة “جبارة”.

سمات المرحلة.. العجز التام للدولة

ولفت ياسر في حلقة نقاش بطيبة برس أمس السبت إلى أن واحدة من خصائص المرحلة الحالية بالبلاد تتمثل في حالة العجز التام للدولة التي اندثرت ملامحها بسبب الهشاشة الاجتماعية والاحتقانات وعدم الرضا وتهديم بنية المجتمع، وكثرة الفتن بين القبائل واضمحلال دورة الارياف من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والتي تحول معها الريف الى مصدر للفقراء نحو المدن الغير فاعلة والتي تريفت بدورها بسبب عدم الانتاج، مؤكدا بأن الاوضاع في الدولة لن تنصلح الا باستعادة الارياف الفاعلة والمنتجة، ونبه عرمان الى ان تحول الاوضاع الى قطاعات أمنية وعسكرية ووجود جيوش متعددة حتى في العاصمة يعتبر واحدا من أبرز الخصائص والتحديات للاوضاع الحالية في البلاد، وقال إن الوضع اليوم ليس كما كان في “64-85″، هذا الى جانب تراجع الطبقة الوسطى بكل امكاناتها ، وهو الأمر الذي يجعل من تحقيق التغيير الجذري أمرا في غاية الصعوبة وكذلك الامر بالنسبة للعملية السياسية نتيجة لوجود مراكز عديدة للسلطة، وأكد عرمان بأن المضي في العملية السياسية يعتبر أفضل خيار حاليا ومن شأنه أن يجنب البلاد الحرب الاهلية الشاملة والتي ان اندلعت فسوف تكون في المدن على خلاف ما كانت عليه في السابق حيث كانت الحرب في الارياف خاصة وأن مركزالصراع انتقل الآن الى الخرطوم مما يحتم علينا التعامل مع الاوضاع الحالية بطريقة تمكننا من الوصول الى صيغة تقود الى استكمال مطالب واهداف الثورة وبناء الدولة.

التسوية والاتصالات.. نوايا وليست خطوات

وقال عرمان إن التفاهمات والاتصالات مع العسكريين لا تزال” نية” ولم تنضج بشكل كامل ولكنها رغم ذلك أثارت حفيظة الفلول، وأضاف : بعد نضوجها سوف تثيرهم بشكل أكبر، وأكد عرمان أنه لا يوجد بديل سوى المضي في التفاهمات لبناء الدولة، مشيرا الى انها اشتملت على ابعاد العسكريين من السلطة، باعتبار أن ذلك واحد من مطالب لجان المقاومة لافتا إلى أن هذا يعتبر التفاهم الوحيد الذي اكتمل بعد أن وافق العسكريون عليه، وتابع لكننا نحتاج الى مزيد من الدفع بواسطة الجماهير لنتمكن من الوصول الى استكمال التفاهمات،وشدد عرمان على ضرورة أن يعمل العسكريون على تهيئة المناخ  وايقاف العنف والقتل واتاحة الفرصة أمام المؤسسات المدنية مثل محامي الطوارئ ومكتب الاطباء الموحد والمعلمين وخلافها من الاجسام للعمل مع الشرطة لضمان عدم اطلاق النار والغاز المسيل للدموع خلال التظاهرات، وقال أعتقد أن ذلك مفيد للعسكر  كما ينبغي تحديد مواقع للتظاهر كتسمية” شارع الستين والاربعين و سواهما للمظاهرات”، مؤكدا ان اغلاق الجرائم وعدم زيادتها بالقتل المستمر ضرورة لمضي التفاهمات الى الامام، وشدد عرمان على أهمية التزام الدولة واللجنة الرباعية والثلاثية وغيرهما من الميسرين بحصر ومعالجة المصابين كضرورة من مطلوبات تهيئة المناخ، فضلا عن اطلاق سراح المعتقلين السياسيين ولجان المقاومة والقيادي بالحرية والتغيير وجدي صالح، باعتبارها اجراءات ضرورية للمواصلة في العملية السياسية المؤتمنة.

تحذيرات الاغراق السياسي

وحذر عرمان من محاولات اغراق العملية السياسية، من خلال ادخال أطراف ودوائر تابعة للنظام البائد بغرض الاتيان برئيس وزراء ضعيف، وقال عرمان نحن لا نرفض المشاركة السياسية ولكن لا بد ان تكون عملية سياسية شاملة وان تكون قوى الثورة هي التي في صدارة المشهد وليس من كانوا شركاء للنظام البائد، واضاف توسيع القاعدة يشمل قوى الانتقال، ولكن هناك فرقًا بين اغراق العملية السياسية وتوسيع القاعدة، وأكد عرمان نسعى الى اكمال الانتقال وبناء الدولة، وبناء كتلة مدنية لتوطين الديمقراطية، والمشاركة في الانتخابات عبر قائمة واحدة لهزيمة الفلول، وأشار نطمح لأن تكون القائمة واحدة في ثلاث أو أربع دورات انتخابية في المستقبل حتى نضمن بناء الدولة ومن ثم يمكن أن تمضي أي مجموعة سياسية لوحدها، ونبه عرمان الى انهم قسموا العملية السياسية الى مرحلتين بالاتفاق الإطاري أولا بهدف انهاء الانقلاب، ومرحلة أخرى للاتفاق النهائي لان هناك قضايا اربع رئيسية لا يمكن للحرية والتغيير ان تقرر فيها بمفردها، وهي قضايا تفكيك نظام الانقاذ حتى نصل الى بناء الدولة والعدالة الانتقالية عبر اشراط اصحاب الحق، فضلا عن قضية اتفاق السلام واعادة تقييمه  وتبويب الاتفاق لمصلحة تنفيذه،وقضية اصلاح القطاع الامني والعسكري باعتبارها مهمة مشتركة بين العسكريين والمدنيين لتحديد أي قطاع يريده الشعب السوداني، وقال: لا عداء لنا مع القوات المسلحة، ولكننا نريد جيشا وطنيا لا ينتمي للحركة الاسلامية وقوات مسلحة فاعلة كما لم نقول اننا نريد ان يكون الدعم السريع بديلا للجيش بل قلنا لا نرغب في فتنة بينهما، وطالب عرمان المفكرين والاكاديميين ببذل مزيد من الآراء والافكار حول هذه القضايا.

جذريون بالنقاط لا الضربة القاضية

وأشار ياسر عرمان إلى أن الاتفاق الإطاري سيعزز الحركة الجماهيرية ويزيد من قوتها لدعم العملية السياسية، لان القمع واحد من أسباب تراجع العملية السياسية، ولفت الى ان رئيس الوزراء المرتقب بعد انتهاء الاتفاق السياسي ينبغي ان تتوفر لديه امكانات مالية لحل الأزمة الاقتصادية وتحسين اوضاع الناس مشيرا الى ان الامارات والسعودية ابديتا التزاما بتوفير الضمانات المالية عقب الاتفاق، وشدد ياسر على ضرورة أن تقدم القوى المدنية طرحا بناءً لعلاقة جديدة مع دول الجوار وتحويل كوارثها الى منافع، قال لا بد من علاقة واضحة مع جمهورية مصر العربية، وغيرها من الدول وتحقيق التفاف شعبي حول ذلك واستغلال موارد البلاد ووضعها الجغرافي لمصلحة البلاد، وأشار عرمان الى ان مشكلة البلاد سياسية في المقام الاول، وحلها يعد مفتاح للأزمة الاقتصادية خاصة مع وجود كارتيلات المصالح عبار القارات، وهو ما يحتم ضرورة تقديم حلول ومشروع وليس شعارات فقط، وأكد عرمان ان العملية السياسية اذا كانت بعيدة عن الشارع فانها لن تنجح لذلك فان الحرية والتغيير لن تتجاوز الشارع حتى لا تتحول التسوية الى صفقة مشتركة، قال نحن جذريون بـ”النقاط”وليس عبر “الضربة القاضية” التي لا تحدث الا من محمد علي كلاي وهو غير موجود حاليا، لافتا الى ان الأزمة السياسية الحالية تتيح فرصة لبناء الدولة بعيدا عن التوخين  والتنمر وانتاج مشروع جديد يقوم على المواطنة بلا تمييز، داعيا الى رد الاعتبار الى علاقة السودان مع دولة جنوب السودان واقامة اتحاد سوداني بين الدولتين خاصة وانها الدولة الوحيدة التي بيننا وبينها “10” ملايين مواطن و”2018″ كيلو متر على الحدود، وتستورد”137″ سلعة من السودان، لا يوجد بها بنك سوداني واحد هناك، مشددا على ضرورة ازالة التناقضات بين قوى الثورة لما أفرزته من ضررعليها، و قال ان الثورة لم تنبه الفريق فتحي أحمد علي الذي يمكن أن يشكل نقطة اتصال بين الجيش والمدنيين لايمانه القاطع بمدنية الحكم  وهو شخص منضبط ويستحق الاحتفاء ويمكن ان يساعد على حل التناقض بين العسكر والمدنيين..

خطر المشاريع الاقليمية والدولية

في السياق قال محمد الفكي سليمان القيادي قوى اعلان الحرية والتغيير وعضو مجلس السيادة السابق، إن النقاش حول العملية السياسية بدأ منذ اليوم الاول للانقلاب، خاصة وان الانقلابيين كانت تصوراتهم مختلفة ورؤاهم لحل السلطة متعددة وليس انقلابا يخدم وجهة محددة كما كان عليه  الحال في انقلاب الانقاذ ،  وأضاف بعد خروجنا من المعتقلات وجدنا ان اتفاق “21” نوفمبر الذي ابرمه رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك مع البرهان قد انتهى ووجد رفضا واسعا من الشارع ، وأشار عندما طلب من رئيس بعثة ” يونتامس” فولكر بيرتس دعم هذا الاتفاق قلنا له إن هذا الاتفاق لا وجود له وقد انتهى برفض الشارع ، وأكد الفكي ان الحرية والتغيير لم تكن جزءا من تشكيل اللجنة الرباعية مشيرا الى ان اللجنة تشكلت من دول اعلنت عن تحالف لوحدها ولا علاقة للتغيير بها، وتابع محمد الفكي أن الاوضاع الان بالبلاد بها تعقيدات كبيرة نتيجة للتقاطعات وصراع المشاريع الدولية والاقليمية الى جانب تكتل اقليمي منقسم  وقادر على ان يفعل اي شيء في السودان، وهذا خطر حقيقي.

ما هو أكبر مهدد لنجاح الحل السياسي؟

ونبه الفكي الى ان تفكك الجبهة المدنية يعتبر أكبر مهدد لنجاح الحل السياسي ، مشيرا الى ان العملية السياسية حققت “85%” من مطالب الشارع والمطلب الوحيد الذي عجزت عن تحقيقه ابعاد البرهان – حميدتي من المشهد ومحاكمتهما، وقال هذا المطلب” غلبنا” ، ولفت الفكي الى ان العسكر يسعون الى اطالة امد التفاوض بغرض تفكيك الجبهة المدنية ، ولكن وضع العسكر أنفسهم صعب جدا فهم يواجهون حاليا ازمات اقتصادية  وامنية واجتماعية، وتابع هذه المحاولات لتفكيك الجبهة المدنية  اثبتت عجزها عن التوافق كلها تكتيكات نحن نعيها جيدا، ونعلم تماما أن العسكر ليسوا ” كتلة صلبة”  ، وقال نحن نمضي في طريق استعادة المسار المدني كما أننا نعي تماما بأن أزمة البلاد سياسية في الأساس وحلها يفتح الطريق أمام حل المشاكل الاقتصادية،مشيرا الى النجاح الذي تحقق في حكومة عبدالله حمدوك رغم اتخاذ القرارات الاقتصادية القاسية وقتها ، وشهدت البلاد تحسنا في الاقتصاد  وهذا بفضل العمل السياسي ليس الاقتصادي، وأكد الفكي أن الحل السياسي كفل سلطات وصلاحيات واسعة للمدنيين في الانتقالية أكبر مما كانت عليه في الوثيقة الدستورية، مشددا على ان العقبة الاساسية سوف تكون هي كيفية تنفيذ الاتفاق السياسي ولا بد من اجراء حوار كبير حول رئيس الوزراء الجديد والذي سوف يتمتع بسلطات واسعة جدا  وسوف يرأس مجلس الأمن والدفاع ويكون مسؤولا عن الشرطة والأمن بشكل كامل، وهذه سلطات كبيرة وتبعث مخاوف حقيقية ، وقال محمد الفكي كل ذلك يتطلب تشكيل المجلس التشريعي باعتباره ضرورة مهمة لمراقبة رئيس الوزراء وهذه ليست مسؤولية الحرية والتغيير وحدها ولابد للنقاش حولها لان رئيس الوزراء هذه المرة لن تكون معه حاضنة سياسية أو ائتلاف حاكم مثل التي مضت، لذلك لا بد من جهة تراقبه ، مشيرا الى ان التشريعي ينبغي ان يتشكل من قوى الثورة والفاعلين ولجان المقاومة لتحقيق الرقابة  مشيرا الى ان وجود لجان المقاومة ليس من باب المكافأة على عملها في الثورة ولكن حتى تتحمل المسؤولية وتقوم بدور التشريع وتعرف كيف تمضي الامور في البلاد وبالتالي سوف ينعكس ذلك على ضبط المطالب و”عقلنة” الخطاب السياسي، مشيرا الى ان لجان المقاومة بها كفاءات كثيرة غير منتمية لأحزاب يمكن أن تقدم الكثير للبلاد، لافتا إلى اغفال الحرية التغيير لتوسيع المشاركة السياسية كان واحداً من أكبر الأخطاء التي قعت فيها خلال حكومة الثورة، هي ضرورة لا بد منها لتحسين الخدمة ومراقبة جهاز الدولة وازالة الاحتقان السياسي وبناء المجالس المحلية التشريعية، ونبه الفكي الى ان الواقع صعب جدا ولابد من الانفتاح والنقاش لكيفية اختيار من سيعملون في الحكومة.

الخيارات المتاحة “مُره”

من جهته قال عالم عباس إن الخيارات المتاحة كلها خيارات ” مُره” ولكن لا بد من اختيار خيار بتضحية معقولة،وأضاف ان المرحلة قاتمة جدا ولكن الثقة في العسكر مرة أخرى عبر صيغة جديدة لن تنجح، والنتيجة سوف تكون نفس الشيء ،لافتا الى ان العسكريين يرغبون في ” بيع الزمن ” فقط  وهم الآن بيدهم السلطة والمال  لن يقبلوا بالتسوية، ونبه عالم عباس إلى ان المشكلة الحقيقة في الثورة تتمثل في غياب المشروع  وغياب التفكير فيه  وعدم الاتفاق على خطوط عريضة على اقل تقدير ، مشددا على ضرورة ايجاد حل للازمة الاقتصادية، وايجاد وضع ومشروع حقيقي وتسويقه للشعب السوداني للالتفاف حوله ،وتحديد المسار الذي نمضي فيه ، مشيرا الى ان هناك فجوة.. الشباب يمضون في اتجاه والشيوخ في اتجاه مغاير،  مع وجود عدد من المتربصين بالبلاد من الجهات الخارجية و لذلك فلابد من وضع منفستو حقيقي والتفكير خارج الصندوق، مشددا على ان التسوية ” بيع للزمن” والعسكر لن يتخلوا عن السلطة الا بتوفير الضمانات.

Leave A Reply

Your email address will not be published.