الحل السياسي .. التقييم يدين التسوية

 

الخرطوم – مهند عبادي

يمضي مسار الحل السياسي نحو التوقيع على اتفاق طارئ يمهد الطريق للاتفاق النهائي الذي من شأنه إنهاء الأزمة السياسية في البلاد، ولكن مسار “التسوية” المتوقعة التي تواجه برفض واسع، أفرز مجموعة من الأسئلة الملحة المتعلقة بجدوى الحل السياسي في خدمة أهداف ومصالح الثورة السودانية، بإعادة إنتاج نفس التحالف مع العسكريين الذي انقلبوا على الوثيقة الدستورية قبل عام مضى.. في وقت يشدد فيه خبراء على ضرورة التوصل إلى حل سياسي لمعالجة الأوضاع الحالية، وكضرورة ملحة لاستعادة المسار الانتقالي، ومن ثم التفكير في الخطوات الأخرى الخاصة بأجندة التحول الديمقراطي الكامل.

 

تصفير الثورة.. التفكير بشكل إستراتيجي

وحول هذه الفرضية، يرى المفكر الأستاذ النور حمد الباحث والأكاديمي أن مخاوف حقيقية مع وجود تحركات وضغوط على المواطنين من خلال الانفلات الأمني والضيق الاقتصادي، ورفض لجان المقاومة للتسوية، يستدعي على الكل التفكير بشكل إستراتيجي، مشيراً إلى أنه مع جود الرفض الكبير الحالي، فإن التوقيع على التسوية السياسية ربما يفاقم من أعداد الشهداء؛ نتيجة لزيادة القتل المتوقعة، وأضاف حمد أن العسكر لا يرغبون في نجاح الثورة، ولا التحول الديمقراطي، وأنهم سعوا لذلك منذ فض الاعتصام، وأنهم يعملون على تصفير الثورة، وتابع: “أرى أنه ينبغي شراء الهدنة، حتى وإن كانت غير منتجة، ومن ثم العمل على تنظيم الصفوف بين الحرية والتغيير والشارع، وإزالة الشرخ الذي حدث”، وأكد أن إعادة الاصطفاف ضرورة، حتى وإن استمرت الثورة عشر سنوات، وأشار النور إلى أن تفكير الجذريين خيالي ومثالي، وأن المعركة الحالية طويلة، ولابد من ترتيب الصفوف، مشيراً إلى أن العمل الجماهيري والنضال ينبغي أن يستمر مع الصراحة وردم الفجوة، والوضوح مع الجماهير، وإشراك الفضاء العام في المسار لبناء الثقة، مؤكداً أن العسكر (ناوين) الانقلاب، وتصريحات البرهان الكثيرة مؤخراً تؤكد ذلك، لافتاً إلى أن ما يجري حالياً خط مصري وإملاء، وحتى العنف واستخدام سلاح الخرطوش السكسك مصري، ولم يحدث في العالم إلا في مصر، وكل ذلك بغرض تسكيت الشارع وتعجيزه، مشدداً على ضرورة الهدنة والتسويق لها؛ حتى لا تقود التسوية إلى مشاكل في ظل رفض الشارع لها.

 

العسكر يريدون إغراق العملية السياسية

وبدوره يقول موسى آدم عبد الجليل أستاذ بجامعة الخرطوم، في حلقة نقاش حول الحل السياسي بطيبة برس، إنه من الواضح وجود عدم ثقة بين العسكر وقوى الحرية والتغيير، وأن العسكر يريدون إغراق العملية السياسية، بينما تسعى الحرية والتغيير إلى إضافة شركاء موثوقين، وهذا يفرز إحباطاً يؤكد عدم الثقة في العسكر، وأنهم غير جادين في الوصول، ويرغبون في شراء الزمن فقط، وأضاف موسى أنه لابد من الرجوع إلى توسيع قاعدة الانتقال من الشارع وردم الهوة مع الشركاء الأساسيين وقال: “أرى أن هناك “فيلان” في الغفرة، الأول يتعلق بالعسكر ورغبتهم في مخرج آمن بكل تفاصيله، العدالة، وهذا أمر في غاية الصعوبة، والفيل الثاني يتعلق بدول الجوار ومصالحها وهو الأمر الذي لا يتم التحدث عنه بوضوح، ولابد من فهمها والتعامل معها ومخاطبتها وأن تقوم على شراكة منتجة، بدلاً من السماح لجمهورية مصر بفرض شخصياتها، ولذلك ينبغي الحديث معها بثقة وعدم مصادرة دور تحالف الحرية والتغيير، وفرض أشخاص آخرين لضمان مصالحها، كما ينبغي مناقشة المصالح الأمنية للمملكة العربية السعودية، وتوفير الضمانات لعدم تخريب العملية السياسية، وتقديم الضمانات لرعاية مصالحهم وفق أسس محددة”.

 

نموذجان للتسوية السياسية

ومن جهتها قالت هند عباس حلمي أستاذ الاتصال السياسي بجامعة الخرطوم، هناك نموذجان للتسوية؛ الأولى تسوية سياسية مدعومة من المنظمات الدولية الخارج، وهذه في الغالب لن تنجح، والثانية تسوية سياسية تاريخية تقوم على معالجة الأزمات والمشاكل، وهذه ستنجح، وأضافت أن ما يتم الآن يرغب من خلاله العسكريون في قيادة البلاد نحو نفس الدائرة القديمة، بانقلاب جديد، وتساءلت عن ضمانات التسوية التي تمضي الحرية التغيير في طريق إنجازها.

إلى ذلك، قال الوليد محمد الأمين أستاذ بجامعة الزعيم الأزهري، إن المشكلة الحالية أعمق من الفلول، وهي تتعلق بهيكلة الدولة السودانية، مشيراً إلى أن هناك مشكلات جديدة ظهرت مع الانشغال بالفلول مثل الأنظمة الجهوية، مشيراً إلى أن غياب المنظرين والمفكرين للثورة يعتبر واحداً من أكبر المشكلات التي واجهتها، مؤكداً أن الضمانات للحل السياسي تتمثل في الشارع، ولكن لابد من بناء عقد اجتماعي مع الشارع نفسه، ومحاربة الابتزاز الجهوي، وتعريف الكفاءات التي نريدها في الحكمة ووضع رؤية وبرنامج واضح لقيادة الدولة.

 

اختلال الأولويات .. ترف فكري

الأستاذة بجامعة الخرطوم، رسائل عبدالله، قالت في مداخلتها إن الحديث عن التسوية والحل السياسي في ظل الانهيار الاقتصادي يعتبر ترفاً فكرياً وكلام قاعات،، مشددة على أن الضرورة تفرض على الجميع العمل لإنهاء الأزمة الاقتصادية، باعتبارها الأساس، لافتة إلى أن العملة السودانية انهارت بمعدل “2000%”، مؤكدة أن تحرير الأسعار يفترض أن يصاحبه تحرير للخدمات، مشيرة إلى أن ارتفاع الأسعار نتيجة للتحرير سوف يقود إلى اضطرابات، وبالتالي سوف تفشل التسوية، وشددت رسائل في حديثها على أهمية استصحاب الشباب وعدم تجاوزهم، وقالت إنهم وقود الثورة، ويمثلون “67%” من سكان البلاد، وحتى الآن لا يوجد مشروع أو تسوية تخاطب الشباب، بعد أن تم اختطاف ثورتهم، وهم حتى الآن يموتون ويواجهون صعوبات في الدراسة، ويفكرون جميعهم في “السمبك”، وأشارت إلى أن مشاركة المرأة أيضاً ضعيفة، وهي دائماً ما توضع كـ”ديكور” فقط، ولا تسند لها مهام قيادية، ويتم التعامل معه بمبدأ “شاوروهم وخالفهم”، وقالت: “أين مناصب المرأة في السفارات والوزارات؟”، داعية إلى مراعاة الجندر، وقالت: “قدموا المرأة فقد تنجح أفضل من الرجال”.

الأستاذ منزول عسل قال، في كلمته، إن المجلس المركزي للحرية التغيير يحتاج إلى الانفتاح بشكل أكبر على الشعب السوداني، والتعامل شفافية ووضوح لكسب الشارع، وأضاف أن القائد لابد أن يكون شجاعاً، ويدافع عما يمضي فيه، داعياً الحرية والتغيير إلى عدم الثقة في البرهان.

 

رغبة الشارع.. خروج العسكر

إبراهيم أحمد الحسن الأستاذ بجامعة الخرطوم، قال إن الشعب يرغب في خروج العسكر من المشهد السياسي، وإزالة التمكين، ومحاسبة الفاسدين والقتلة، وحقوق الشهداء، وإصلاح الخدمة المدنية، وجيش قومي، لذا فإن الحل السياسي يفترض أن ينتهي إلى تشكيل حكومة وبرلمان قوي، وتفادي مشاكل الحكومات السابقة بعد الثورة، ودعا إبراهيم إلى البدء في اختيار حكومة مستقلة، وتحديد آلية لذلك الاختيار، خاصة أن الشعب لن يتحمل أكثر مما هو عليه من ضيق اقتصادي وتردي خدمات، مشيراً إلى أن حكومة الكفاءات ضرورة حتى تمضي البلاد إلى الأمام ، واقترح إبراهيم تشكيل لجنة من الأكاديميين والحرية والتغيير وقوى الثورة لاختيار الحكومة وفقاً لمعايير ومقاييس محددة، وقال حتى وإن دعا الأمر لفتح وظائف للوزراء فليكن، لافتاً إلى أن واحدة من مشاكل حكومة الثورة كانت في كيفية الاختيار الصحيح، فضلاً عن كثرة المستشارين لرئيس الوزراء والشلليلات، والمتسلقيين مما أضعف الحكومة، ودعا إلى البدء في الاختيار للبرلمان بذات الطريقة ليكون قوياً، وشدد إبراهيم على أن حمدوك يعتبر واحداً من أبرز الكفاءات التي شغلت رئاسة الوزراء بالبلاد، ولكن بطانته أضرت به كثيراً، قال: “أنا لست ضد المستشارين، ولكن ينبغي أن يكونوا بقدرات محددة”، وأضاف: “أرجو إزالة التناقض في احاديث الحرية والتغيير عبر التصريحات الإعلامية العديدة التي نسمعها وتحديد ناطق رسمي للتحدث”.

 

الانقلاب يعمل بوعي.. ضرورة تجنب الفخ

ومن جهته قال دكتور حسن بشير محمد نور بجامعة النيلين، إن الانقلاب يعمل بوعي كبير، وما يدور حالياً ليس بشغل عساكر، لذلك ينبغي تجنب فخ التسوية، والوعي بالتحديات، خاصة أن المسألة ليست مجلس وزراء وسيادة مدني وخلاص، فالمسألة خطرة جداً، وفشل ما بعد الاتفاق سوف يكون كارثة على الوطن، ولابد من معرفة التعامل مع العسكر بعد التسوية سوف يكون كيف، وكذلك القضاء، النيابة، بنك السودان والخدمة المدنية، وأضاف حسن أن الشعب ينتظر حلاً للمشكلة الاقتصادية، وقال: “عشان تحكم وتحل المشكلة لازم يكون عندك السلطة والمال ، ولابد من رؤية للتعامل مع الوضع الحالي الذي يتحكم فيه العسكر”، وتابع: “نحتاج إلى برنامج وهيكلة الدولة، وتفكيك التمكين بشكل مؤسسي عبر إنشاء مفوضية مكافحة الفساد لتخطي العقبات التي واجهت لجنة إزالة التمكين، والمفوضية سوف تكون معها محكمة ونيابة”، ودعا حسن إلى إلغاء اتفاق السلام، وقال إن شرق السودان يحتاج إلى تعامل بعيداً عن المسار، وتحديد كيفية التعامل مع مؤيدي الانقلاب.

 

 

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.