اتفاق التسوية النهائي.. مخاوف الإجهاض تحاصر الميلاد

الخرطوم: هبة علي

مخاوف تلوح في الأفق السياسي، يمكن أن تحول دون التوصل لاتفاق نهائي بين العسكريين والمدنيين، وبحسب مراقبون، فإن المخاوف تولدت من التباين في مواقف المكون العسكري برأسيه المتمثلين في قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع، الفريق أول محمد حمدان دقلو، فضلاً عن ملاحظاتهم على وثيقة دستور المحامين، ويأتي هذا وسط تأكيدٍ من قوى الحرية والتغيير استعدادهم للاتفاق وأنه لن يكون ثنائياً..

 

ماذا قال قائد قوات الدعم السريع حميدتي؟

قائد قوات الدعم السريع، حميدتي، آثار دهشة الكثيرين بحديثه عن دعمه الكامل للتسوية، وتأكيده على وقوفه مع الثوار، برغم الأنباء التي تسربت مراراً عن تحالفه سراً مع قوى الحرية والتغيير، وميله لكفة قوى الثورة مؤخراً، وفي الوقت ذاته رشحت أنباء عن تحالف آخر موازٍ يضم البرهان ورئيس الحزب الاتحادي (الأصل)، السيد محمد عثمان الميرغني، وبعض القوى.

وقال حميدتي قُبيل يومين إنه يدعم التسوية السياسية في البلاد؛ لأنها الحل للأزمة، لكنه ضد إعادة السودان إلى ما قبل 2018.

وذكر حميدتي في كلمة، بختام فعاليات ملتقى الإدارات الأهلية للتعايش السلمي بولايتي جنوب وغرب كردفان، أنهم مع التغيير، ومطالب الشباب المحتجين في الشوارع، و”إن كانوا ينبذوننا”.

ورأى حميدتي أن “مطالب المحتجين مشروعة، لكن الأفضل من الاحتجاج هو الوصول إلى حل بالتسوية بين الجميع ونشر العدالة والمساواة بين جميع مكونات المجتمع السوداني”.

ودعا نائب رئيس مجلس السيادة، دعا قائد جيش تحرير السودان، عبد الواحد محمد نور، إلى “اللحاق بركب السلام، أو الالتزام بوقف إطلاق النار”.

واعتبر خبراء عسكريون أن حديث حميدتي لم يكن موجهاً للثوار، وإنما لبعض المكونات القبلية المدعومة من الجيش، وأخرى داعم لها.

واعتبر البعض حديث حميدتي يصب في اتجاه الأنباء المُسربة بتحالفه سراً مع الحرية والتغيير (المجلس) المركزي، وتحالف رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، مع رئيس الحزب الاتحادي (الأصل)، السيد محمد عثمان الميرغني، حيث يرون أن المكون العسكري منقسم إلى تحالفين.

 

المجلس المركزي مستعد للتوقيع.. تهافت أم إحساس بالخطر؟

الحرية والتغيير (المجلس المركزي) أكدت من جانبها استعداداتها لتوقيع اتفاق مع العسكريين، وقال عضو مجلسها المركزي الواثق البرير، إنّ “قوى الانتقال السياسي مستعدة لتوقيع اتفاق إطاري مع المكون العسكري”، لافتاً إلى “ضرورة تهيئة الأجواء الملائمة لذلك عبر إطلاق سراح المعتقلين، ووقف العنف ضد المتظاهرين”.

وقال البرير، في تصريحات صحفية الأحد الماضي، إنّه أطلع “خلال اجتماع مع الآلية الثلاثية على استعداد للاتفاق الإطاري مع المكون العسكري على أساس التفاهمات في مسودة مشروع الترتيبات الدستورية للجنة التسييرية لنقابة المحامين”.

وشدد البرير على ضرورة “اتخاذ إجراءات لتهيئة المناخ لذلك، بإطلاق سراح المعتقلين، ووقف العنف ضد المتظاهرين لوضع الترتيبات للانتقال السياسي.

 

ملاحظات العسكريين.. لم يتم التضمين

وكانت قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي) قد أعلنت في نوفمبر الجاري توصلها إلى تفاهمات مع المكون العسكري، وتوقع أن يتم التوقيع على اتفاق إطاري مع العسكريين قريباً، بما يمهد الطريق للوصول إلى اتفاق شامل يضمن تشكيل حكومة مدنية مدتها (24) شهراً تنتهي بانتخابات حرة ونزيهة.

واتخذ الاتفاق من دستور المحامين أرضية له بعد موافقة أطراف الاتفاق عليه مع إبداء بعض الملاحظات، كما فعل المكون العسكري وقوى سياسية وثورية أخرى.

وأوضح القانوني، المعز حضرة، في حديثه لـ(السوداني) أن اللجنة الفنية المنوط بها تسلم الملاحظات وإيجاد صيغة قانونية بعد تضمينها في دستور المحامين، لم تقم حتى الآن بتضمين ملاحظات العسكريين؛ لجهة أنها ما تزال تتسلم من بقية الأطراف، مشدداً على أن المكون العسكري ليس وحده من يتقدم بملاحظات.

 

مهددات اتفاق.. (قحت) تحدد مخاوفها

القيادي بالحرية والتغيير (المجلس المركزي)، شهاب الدين إبراهيم، قال لـ(السوداني) إنهم لا يراهنون على رغبة العسكريين في التوصل لاتفاق نهائي، مشيراً إلى أن موافقة العسكريين على الاتفاق الإطاري كان نتيجة عمل سياسي أدى لحصار الانقلاب إقليمياً ودولياً، وأيضاً بفضل الحراك الجماهيري الداخلي.

وقطع شهاب بأن رغبة المكون العسكري أن يستمر في السلطة عبر انقلابه، بيد أن قوى الحرية والتغيير استطاعت أن تفرض الحل السياسي على رغبتهم.

وأوضح أن هنالك تبايناً في مواقف الانقلاب عموماً؛ لان الانقلاب ليس المكون العسكري لوحده، حتى القوى الداعمة للانقلاب لديها مواقف مختلفة عن البرهان وحميدتي.

ولفت شهاب إلى أن تعدد مراكز الانقلاب من مهددات التوصل لاتفاق، وأيضاً محاولة بعضها الحفاظ على مصالحها الهشة.

وتابع: “نحن نحاول أن نستعجل الاتفاق، ويمكن على الأقل أن يخاطب مخاوف الأطراف جميعها، وفي الوقت ذاته يضمن حدوث تحول ديمقراطي حقيقي.

وأردف: “نأمل ان يتم التوقيع النهائي في أقرب وقت ممكن، ولا أحد يستطيع أن يُقدِّر متى سيتم، بسبب وجود صعوبة في التوصل لاتفاق، ولا نريد أن نوقع كقوى حرية وتغيير لوحدنا، ونريد أن تكون معنا كتلة كافية من قوى الثورة، الأمر الذي يتوقف على الحوارات التي تجريها الآن قوى الحرية والتغيير مع أطراف عديدة”.

وزاد: “التوقيع قبل نهاية العام تقدير سياسي يمكن أن يكون واقعياً بيد أننا نريد انضمام أكبر عدد، منوهاً إلى عدم مناقشة المرشحين لمجلس الوزراء وبرنامج الحكومة.

 

مواقف أخرى.. الجبهة المضادة للثورة

في الضفة الأخرى، حيث يقف الرافضون للثورة من جنس المنتسبين لمعسكر الفلول أو المحسوبين عليهم، يرى القيادي في تحالف “نداء أهل السودان”، عمار علاء الدين، أنّ تأخير التوقيع على الاتفاق الإطاري هو نتيجة لظهور شارع جديد مناوئ للتسوية السياسية وما يكتنفها من تدخلات خارجية، وهو ما ظهر من خلال مواكب الكرامة التي سيرها نداء أهل السودان في الأسابيع الماضية، ومن خلال الاستقبال الشعبي الكبير الذي حظي به رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي، محمد عثمان الميرغني، وهو من أبرز الرافضين للتسوية السياسية بين قوى إعلان الحرية والتغيير والمكون العسكري.

ونقلت تقارير اعلامية عن علاء الدين إنّ الشارع الجديد، دفع اللجنة الرباعية لتقليل جرعات دعمها وضغطها من أجلّ التسوية السياسية”.

واعتبر عمّار أنّ المكوّن العسكري نفسه فقد حماسته للتسوية بعد شعوره بموجات الرفض”.

وأضاف: “الخلافات داخل المنظومة المؤيّدة للحلّ السياسي عطّلت التوقيع على الاتّفاق الإطاري، وذلك عقب تصريحات من الحرية والتغيير قسمت فيها القوى المؤيدة إلى “قوى ثورة” من حقها أنّ تستحوذ على كل شيء، وقوى “انتقال” عليها البقاء على الهامش. هذا عدا عن التعديلات التي جرت على مشروع الدستور، ما دفع كثيرين للتراجع عن تأييده”.

واعتبر علاء الدين أن “موضوع التسوية السياسية برمته في طريقه للفشل، ولا مجال أمام المكون العسكري سوى الدعوة إلى طاولة مستديرة يدعو لها كل المكونات السياسية لمناقشة المبادرات الحالية والتوافق على وثيقة واحدة لإدارة الفترة الانتقالية بوفاق شامل، انتهاء بقيام انتخابات حرة ونزيهة”.

 

أصحاب الحق.. حديث عاطفي غير مُجدٍ

من جانبها رفضت القوى المحركة للشارع الثوري ممثلة في لجان المقاومة أي تعاطٍ مع حديث حميدتي، حيث اتفقت لجان المقاومة، بحسب تقارير إعلامية محلية، على أن خطاب نائب قائد الانقلاب وزعيم الدعم السريع، محمد حمدان “حميدتي” الأخير، هو خطاب مقروء من الكتاب القديم، ولن يجدي نفعاً، مشيرة إلى أنه خطاب عاطفي لا يحقق القيمة التي تسعى إليها المقاومة وهي تحقيق العدالة ودولة المدنية.

وقالت المتحدثة الرسمية باسم اللجان المقاومة بمدينة الخرطوم، مشاعر خضر، إن خطاب حميدتي في مضمونه لم يعنِ المتظاهرين، بل كان يشير لحجم الخلاف بينه وبين قائد الانقلاب، عبد الفتاح البرهان، وما بين داعم ورافض للتسوية المطروحة، ولأي قوى سياسية أخرى رافضة لها، في إشارة واضحة، في خطابه، من أجل استعطاف ودغدغة العواطف التي يريد حميدتي أن يخاطب بها الثوار. وأوضحت مشاعر أن لجان المقاومة ومنذ انقلاب الـ25 من أكتوبر ظلت تثور وتتظاهر ضد المكون الانقلابي أجمع، مطالبين بتنحيهم عن السلطة ومحاكمتهم محاكمة عادلة، ونوهت إلى أن محاولات حميدتي في استنفار مشاعر الثوار ضد المكون العسكري؛ هي محاولات بائسة وغير مسؤولة، ولم تغير نظرتهم على أنه قاتل وتاجر حرب، عمل على إبادة الأبرياء بدارفور، وصولاً لفض اعتصام القيادة العامة، وتابعت: (تساؤلاته الأن عن قفل الكباري دون تحسس الخجل، كان أجدر به السكوت عن المسكوت عنه، بدلاً من التساؤل وهو يشغل منصب نائب رئيس للانقلاب المتهالك).

من جانبه أوضح عضو لجان مقاومة جنوب الحزام، عمر هنري، ان تصريحات حميدتي هي رسائل للثوار الهدف منها كسب عواطف الشعب لنيل مكاسب، في وقت يعيش المكون العسكري الانقلابي خلافات داخلية لم يستطع حسمها، فخرجوا يريدون أن يكسبوا ود ثوار الشارع الذين قتلوا أحلامهم ورفاقهم منذ فض الاعتصام حتى انقلاب 25 من أكتوبر، وأضاف أن خطاب حميدتي لن يجد قبوله في وسط الثوار، وأردف: (نحن نعلم من يكون ولن يهدأ لنا بال حتى الاقتصاص منه، ومن كل من قتل الرفاق وتحقيق العدالة لأهلنا في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق). ومن جهته قال عضو لجان أحياء بحري، محمد حسن، إن خطاب حميدتي عفى عليه الدهر، وأن ما حدث في 2019م لا يمكن إعادته مرة أخرى، وأضاف أن حميدتي في خطابه يريد إعادة عقارب الساعة ليكون في صف قوى الثورة التي تخلى عنها في 2019م، حينما فض اعتصام القيادة العام، وكان يقول إنه حارس له، وتابع: (كذلك حينما انقلب على أحلامنا بالدولة المدنية في 25 أكتوبر، هذه هي محطات باع فيها حميدتي كل شيء يمكن أن يجعل منه إنساناً، رغم ما قامت به مليشياته في دارفور في فترة البشير)، وأكد حسن إن خطاب الاستعطاف لن يجدي، وانتهى خطاب التعاطف حينما وجه الرصاص في اعتصام القيادة، وحقيقة أنه من انقلب على الدولة المدنية.

 

 

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.