Bank of Khartoum Visa Card

بعد الرفض والانسحاب تعيينات الولاة..السير فوق حقل ألغام

تقرير: محمد عبد العزيز

بين التظاهرات والبيانات اظهر مواطنو خمس ولايات رفضهم للولاة الجدد وهي كسلا وشمال كردفان وجنوب كردفان وشرق وجنوب دارفور- على الاقل حتى الآن-، في تصعيد يمكن أن يهدد خطوة مهمة لإكمال بناء السلطات المدنية، ليبدو المشهد كالسير في حقل الغام في ظل استقطاب قبلي وسياسي حاد.

الناطق الرسمي باسم الحكومة، وزير الثقافة والإعلام فيصل محمد صالح، قال إن البلاد تدخل مرحلة جديدة باختيار الولاة المدنيين، وأقر بأن مرحلة اختيارهم كانت مرحلة شاقة وصعبة نسبة لتعقيدات كثيرة في أوضاع بعض الولايات ولعملية الاختيار، مضيفا:”لا يمكن اﻻدعاء بأن هناك إجماعا على كل الأسماء، بل هي عملية توافق ربما لا ترضي البعض”.

رفض وتحفظ
وشهدت ولاية كسلا مظاهرات، رفضا لتعيين صالح عمار، واليا للولاية، فيما شهدت شمال كردفان وبعض الولايات تصعيد آخر اقل حدة.
ناظر عموم قبائل الهدندوة سيد محمد ترك؛ اعلن رفضهم الوالي الجديد؛ محملا الحكومة المركزية تبعات ما حدث من احتجاجات بكسلا.

وأكد ترك استمرار التصعيد حتى تتراجع الخرطوم عن قرارها؛ وأضاف “نحمل الحكومة مسؤولية أي خلل أو قطرة دم أو روح تزهق.
الا أن دخول ناظر الجميلاب علي بيتاي في المشهد ومباركته لتعيين عمار وتأكيده على عدم التمييز بين مكونات الولاية أحدث شيئا من الاتزان، بعد تأكيده على ضرورة الحكم على الولاة بأدائهم.

وإن كان المحرك للرفض الذي واجه عمار في كسلا سياسيا خاضعا للتوازنات القبلية وحالة الانقسام التي عقدت عملية الاختيار، فإن ظهور بيتاي أحدث قدرا من التوازن سيسمح لعمار باستلام مهامه الا انه سيواجه بحكم غير مستقر.

فيما كان الرفض لخالد في شمال كردفان يستند على استقطاب سياسي مما جعل حدته اقل الا انها قابلة للتمدد في ظل عدم ايجاد تسويات مقبولة، اما في جنوب كردفان فقد كان الامر مزيجت بين السياسي والقبلي.

بشكل عام فان الولاة ال 18 سيكونون مؤقتين وخاضعين للتقييم حتى التوقيع على اتفاق سلام مع الجبهة الثورية خلال الفترة القادمة من المتوقع أن يعيد رسم المشهد.

عملية الترشيح
وعين رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، الأربعاء الماضي، 18 واليا مدنيا على جميع الولايات، بعد أن كانت تدار بعسكريين مكلفين طيلة الفترة التي أعقبت التغيير السياسي في البلاد.

ومنذ ديسمبر الماضي دفعت قوى الحرية والتغيير بقوائم ترشيح الولاة لرئيس الوزراء عبد الله حمدوك لتدخل معه في مشاورات ثنائية وواسعة حول الترشيحات، قبل أن يتم الاتفاق على تصنيف الولايات لثلاث فئات، الاولى تضم 10 ولايات يتم ترشيح ولاتها من قوى الحرية والتغيير تتضمن مرشحات في ولايتين على الاقل، اما الفئة الثانية فتضم 8 ولايات -ولايات دارفور وجنوب كردفان والنيل الازرق والقضارف- تواجه تعقيدات امنية يتولى حمدوك بنفسه مسئولية الترشيح لها.

في التاسع عشر من يوليو انزاحت آخر العقبات امام تعيين الولاة بعد أن تراجعت الجبهة الثورية التي كانت تتمسك بضرورة تعيين الولاة بعد السلام عن موقفها وتعلن موافقتها على تعيين الولاة المدنيين بشرط إشراك جماهير الولايات في اختيار الولاة الجدد، ومراعاة أوضاع الولايات التي تشهد نزاعات وحروبا وانقسامات.

قائمة الولاة المعلنة تضمنت 6 مقاعد لمنسوبي حزب الامة القومي (النيل الابيض، وجنوب وشرق وغرب دارفور، وجنوب كردفان)، صحيح أن الحزب حصل بصورة مباشرة على اربع ولايات وولايتين بصورة غير مباشرة (شرق دارفور وجنوب كردفان).

حصل المؤتمر السوداني على ثلاث ولايات (الشمالية، وشمال دارفور، وسنار)، والتجمع الاتحادي ثلاثة مقاعد (الخرطوم، ونهر النيل، والقضارف)، وحصل حزب البعث على ولاية النيل الازرق، اما الوطني الاتحادي فحصل على شمال كردفان، اما والي الجزيرة الذي ينتمي للحزب الشيوعي فترشح عبر مبادرة المجتمع المدني التي فاز مرشحها بكسلا، اما وﻻيتا البحر الاحمر ووسط دارفور فمرشحاهما مستقلان حصلا على قدر كبير من التوافق في ولايتيهما.

قوى الحرية والتغيير رحبت بتعيين الولاة المدنيين واعلنت دعمها الكامل لها، وقالت إن هذه القائمة جاءت نتاجا لعملية مشاورات واسعة استغرقت فترة طويلة بدأت بإرسال تنسيقيات الولايات لمرشحيها الذين يعبرون عن ولاياتهم واختيار المجلس المركزي للحرية والتغيير لقائمة منهم رفعها لرئيس الوزراء الذي أبدى بعض الملاحظات، وأجرى عليها تعديلات محدودة في بعض الولايات.

قوى الحرية والتغيير اكدت أن هؤلاء الولاة لن يعبروا عن جهة حزبية أو مناطقية بل سيشكلون هياكل حكمهم من كل مكونات الولاية السياسية والاجتماعية.

من جهته أعلن تجمع المهنيين السودانيين، تحفظه على الطريقة التي اتبعت في تعيين حكام الولايات.

وقال تجمع المهنيين في بيان “تعيين الولاة مطلب شعبي طال انتظاره إلا أننا نعبِّر بذات القدر عن تحفظاتنا تجاه الطريقة التي اتُبعت في تعيين الولاة.

وأشار الى رفضه اعتماد منهج المحاصصة الحزبية وتخطي المعايير والاعتبارات المتصلة بمؤهلات المرشحين، وتجاوز رؤى من قوى الحرية والتغيير ببعض الولايات بتجاهل مرشحيهم أو فرض آخرين يحظون بتزكية المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير.
رفض تجمع المهنيين لم يكن الوحيد، فحزب الامة اعلن رفضه بدوره وساق العديد من المبررات لذلك.

رفض اﻷمة
أعلن حزب الأمة القومي رفضه المشاركة في مؤسسات الحكم الولائي المعلنة، ودعا من تمت تسميتهم في تعيينات من منسوبيه للاعتذار، وهو امر قد لا يتم لانقسامات داخل الحزب ولسوابق تاريخية، وفي افضل الاحوال من الممكن اعتذار ثلاثة.

القيادي في حزب اﻷمة سعيد نصرالدين يقول إن حزب الامة اكد ضرورة وجود ارضية صلبة تمكن حكام الولايات من اداء مهامهم على الوجه الاكمل لذلك طالب بإجازة قانون الحكم المحلي وخلافه من الإصلاحات السياسية قبل الشروع في تعيين الولاة وكان على النحو التالي، اصدار تشريعات تحدد صلاحيات ومهام الولاة حتى لا يكون الإحلال والإبدال بعد كل فترة مما يضعف ثقة الجماهير، كما يشترط في الوالي النزاهة والعدالة والكفاءة والقبول الجماهيري، ثالثا مراعاة خصوصية ولاية الخرطوم باعتبارها حكومة توازي مجلس الوزراء وإبعادها من المحاصصة، رابعا
الولايات التي توجد فيها الحروب يجب أن يتم التوافق عليها بالإجماع اضافة لولاية القضارف كولاية تماس ملتهب.
تعيينات الولاة تواجه صعوبات كبيرة فإن نجحوا في استلام مهامهم فقد لا يكونون قادرين على ادارة حكم مستقر وتحقيق نجاحات كبيرة خاصة في ظل عدم وجود شراكة راسخة بين مكونات الحكم الانتقالية.

أزمات تعيين الولاة بعضها نتاج ﻷزمات متراكمة في الولايات، وبعضها نتاج لخلل في التنسيق بين الولايات والخرطوم، وبعضها يتحمله رئيس الوزراء، وآخر نتاج لتسويات ناقصة، وبين كل هذا وذاك يبقى جوهر الازمة الحالية مرتبطا بقوى الحرية والتغيير كحاضنة سياسية باتت في حاجة لعملية إصلاح عاجلة سواء على مستوى الإعلان التأسيسي أو البناء الهيكلي، ويعتمد نجاح السودان في عبور الفترة الانتقالية في قدرة التحالف على إيجاد قيادة لديها المقدرة والإرادة اللازمة لإنجاح عملية الانتقال وهو ما يستلزم محاولة الانفتاح على كل قوى الثورة والأفراد والجماعات التي ساهمت في عملية التغيير.

على كل يمكن القول إن رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وقوى الحرية أمام تحدٍ لاختيار كفاءات ذات تفكير سياسي وقدرات إدارية قادرة على الاستجابة للتحديات الكبيرة وإحداث فريق منسجم للعبور بالفترة الانتقالية لبر الأمان سواء على مستوى الولاة أم الوزراء الاتحاديين، وإلا فسيعملون على تشويه صورة الحكم المدني عبر تقديم كوادر اقل تأهيلا وكفاءة.

في الاثناء تبدو خيارات حمدوك صعبة فالتراجع عن تعيين الولاة او بعضهم يفتح بابا للفوضى السياسية، والمضي قدما يفتح صندوق الشر (باندورا) قد يطيح بحمدوك نفسه.

Leave A Reply

Your email address will not be published.