Bank of Khartoum Visa Card

أبعد من سد النهضة

بقلم: خالد التيجاني النور

(1)
خلصنا في المقال السابق في هذه الزاوية إلى التنويه بالقرار السديد الذي أصدره السيد رئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك بتشكيل لجنة عليا برئاسته لمتابعة ملف سد النهضة لـ “تعزيز مصالح السودان الاستراتيجية، بجانب وضع الموجهات ذات الصلة بالتركيز على وزارة الري والموارد المائية لتعظيم الفوائد المتوقعة، وتقليل الإسقاطات السالبة”.
ومع التقدير للدور الكبير الذي ظلت تقوم به وزارة الري بقيادة بروفيسور ياسر عباس في إدارة التفاوض بكفاءة عالية للحفاظ على مصالح السودان المائية، إلا أن تطوراً مهماً في مسار هذه القضية أفرز تحولاً جذرياً يقتضي نقلة نوعية في التعامل مع هذا الملف، فقد كشفت إثيوبيا بوضوح في تصريح لوزير خارجيتها الأيام الماضية بأن سد النهضة “غيّر التاريخ والجغرافية السياسية لهذه المنطقة”، وهو ما يعني ببساطة أن مسألة سد النهضة أبعد من كونها مجرد قضية فنية تتعلق بالمياه وإنتاج الكهرباء والتنمية، بعدما تأكد من أنه أداة سياسية بامتياز تريد أديس أبابا استخدامها لخلق توازنات جيو سياسية تعيد تعريف الأوزان الاستراتيجية في حوض النيل الشرقي بكل تبعات ذلك في التأثير على المصالح الحيوية للسودان ومصر على حد سواء.

(2)
والخطوة التي اتخذها رئيس الوزراء، وإن جاءت متأخرة جداً بالنسبة للسودان كدولة، إلا أنها صحيحة جداً فقد كانت هي الفريضة الغائبة طوال سنوات التفاوض الماضية، حيث أغفل النظام السابق الأبعاد الاستراتيجية لتداعيات السد في تغيير موازين ومعادلات القوة في المنطقة وتأثيرها المباشر على المصالح الوطنية، حيث حُصر التفاوض في الجانب المائي التقني في غياب رؤية استراتيجية شاملة، لم تخلُ من قصر نظر بمنح تأييد على بياض للسد بحسابات سياسية ضيقة على خلفية التحالف الوثيق مع إثيوبيا حينها والعلاقات المتأرجحة مع مصر، ذلك أنه حتى في حالة تحقق الجدوى الكاملة للمصالح السودانية المائية من تشييد السد، فإنها تبقى عاملاً واحداً من جملة عدة معطيات تحكم النظرة الكلية للرؤية المستقبلية للمصالح الاستراتيجية السودانية في أبعادها المتعددة بصورة شاملة ومتوازنة.

(3)
ليس سراً أن مصالح السودان ظلت تتضرر بصفة مستديمة منذ الاستقلال بسبب الافتقار لنظرية للأمن القومي، تعرّف مصالحه الوطنية الاستراتيجية، محدداتها ومهدداتها، وهي قضية لا تتحقق إلا في ظل توافق وطني راسخ لا تتبدل بتغيّر الأنظمة، صحيح أن لذلك علاقة وثيقة بتأخر تشكّل الهوية الوطنية الجامعة، وضعف التماسك الوطني في بلد لا تزال تواجهه أسئلة تأسيسية في بناء الأمة، ودولة حارسة للمصالح العليا. والأمثلة أكثر من أن تعد من اتفاقية مياه النيل في 1959، ومروراً باستسهال الطبقة السياسية في القوى الحزبية قاطبة التماهي مع أجندة خارجية حتى في العمل السياسي حكماً ومعارضة.

(4)
وشهدنا في سنوات نظام الإنقاذ تقديم تنازلات مجانية للأجندات الأجنبية على نحو غير مسبوق في تاريخ السودان، على الرغم من الشعارات المرفوعة ومزاعم استقلال القرار الوطني، من ذلك انخراط النظام في الحرب الأمريكية ضد الإرهاب، وخدمة الأجندة الأوروبية في مكافحة الهجرة، والتورط في الحرب اليمنية، وكانت أسوأها بلا منازع تقسيم السودان، بدلاً عن الوفاء باستحقاقات الحفاظ على وحدة البلاد، في محاولة لإرضاء الغرب ثمناً لاستدامة السلطة. وكانت آخر دلالة على تواضع العقل السياسي السوداني مغامرة لقاء برهان نتنياهو والآمال الكذوب التي تعلّقت به.

(5)
والأمل أن تتدارك الحكومة الانتقالية هذا الخلل الكبير في التعاطي مع مصالح السودان الاستراتيجية، والرجاء أن تتسع مهمة هذه اللجنة إلى ما وراء قضية سد النهضة، التي تقتضي بالضرورة تصفير كل قضايا السودان العالقة مع إثيوبيا، دون أن تغفل تحقيق ذلك في إطار تسوية قضايا السودان المعلقة مع عدد من دول المنطقة، بما يحفظ التوازن الدقيق لهذه المصالح، وليت السيد رئيس الوزراء ينتهز هذه السانحة ليقوم بتوسيع مهام وعضوية هذه اللجنة، والاستعانة بخبراء مختصين من ذوي الدربة والدراية لرسم خرطة جديدة للمصالح الاستراتيجية السودانية تستند على نظرية شاملة للأمن القومي.

Leave A Reply

Your email address will not be published.