Bank of Khartoum Visa Card

الأعلام والدبلوماسية : جدل البوح والكتمان في عالم متغير (1)

بقلم : السفير د. خالد محمد فرح
[email protected]

لاشك بأنَّ الوعي بالتلازم والترابط الماثلين بين حقلي الإعلام والدبلوماسية ، قد بدأ يظهر منذ وقت طويل ، ربما يعود الى فترة ظهور هذين المنشطين البشريين الى حيز الوجود. وبوسعنا أن نقول إنَّ كلا هذين الحقلين قد كانا منذ البداية ، يكملان بعضهما بعضا ، ويفيد كل منهما من الآخر على طريقته . فالدبلوماسى محتاج دائماً لما يقدمه له الاعلام من أخبار ومعلومات وتحليلات تفيده فى فهم حقيقة الاوضاع فى الدولة التى هو معتمد لديها ، وبالتالى ابلاغها لحكومته على الوجه الصحيح ، ثم اقتراح المواقف الملائمة حيالها بحسب أسس وأهداف السياسة الخارجية لبلاده ، ووفقاً لما تقضيه مصالحها الوطنية فى المقام الاول.
وبالمقابل ، يظل عالم الدبلوماسية والدبلوماسيين وتحركاتهم وتصريحاتهم ومواقفهم هي المادة المُفضَّلة لدى الصحفيين عموماً ، وذلك نسبة لأهمية مايصدر عن الساسة والدبلوماسيين بصفة عامة ، من مواقف وتصريحات من شأنها أن تأثر تأثيراً بالغاً على مجمل الأوضاع المحلية منها والإقليمية والدولية .
وهكذا يتحول بعض الدبلوماسيين فى كثير من الأحيان ، الى نجوم (إعلاميين) شديدي الجاذبية والبريق ، بل لعل جاذبيتهم الإعلامية تتفوق فى بعض الاحيان على جاذبية نجوم الفن والرياضة أنفسهم. ولعلنا لانجافي الحقيقة إذا ما ماقلنا على – سبيل المثال – إن الدكتور هزى كسينجر وزير خارجية الولايات المتحدة فى عهد الرئيس ريتشارد نيكسون ، كان أشهر – على الأقل من وجهة نظر وسائل الاعلام العالمية – من جميع نجوم كرة السلة الأمريكية البارزين الذين عاصروه ، بينما كان غريمه السيد اندريه غروميكو وزير خارجية الاتحاد السوفيتى فى نفس الحقبة فى المقابل ، أذيع صيتاً من أكثر راقصى البالية شهرة فى بلاده .
على أنّ ذلك الوعي بالتلازم والعلاقة الجدلية بين مجاليْ الاعلام والدبلوماسية ، لم يقتصر على كونه يُصوَّر في مجرد خواطر ذهنية عابرة هكذا ، وإنما تم التعبير عنه فى شكل مؤلفات طُرحت على القُرَّاء منذ وقت مبكر نسبياً ، أي قبل فترة مابعد الحرب الباردة الحالية التي نعيشها الآن ، والتى برز فيها الوعي بجدلية العلاقة بين الإعلام والدبلوماسية بصورة أكثر وضوحاً وإلحافاً ، وذلك نتيجة لما أحدثته ثورة الاتصالات والمعلومات من انقلاب جذري فى هذا المضمار.
فمن بين المؤلفات التى عرضت لهذا الامر منذ مطلع ستينات القرن العشرين ، كتاب الامريكى بيرنارد كوهين بعنوان (الصحافة والسياسة الخارجية) The press And Foreign Policy الذى صدر فى العام 1963م.
وعلى الرغم من أنَّ هذا الكتاب يدور بصفه أساسية حول دور الصحافة الامريكية تحديداً ، فى تغطية الاخبار والانشطة ذات الصلة بالسياسية الخارجية للولايات المتحدة الامريكية على بالذات ، إلا انه يظل من بواكير الاعمال التى تطرقت للعلاقة بين الدبلوماسية والاعلام من جوانبها العملية والنظرية. لكن يظل عصر مابعد انهيار حائط برلين ، ونهاية الحرب الباردة الذى بات يظلنا منذ أكثر من عقدين من الزمان ، هو العصر الذى يشهد اهتماماً ملحوظاً بالبحث فى جدلية العلاقة بين الدبلوماسية والاعلام ، وهو اهتمام لفتت إليه بصفة خاصة بل حتّمته ، الثورة الهائلة التى شهدها مجال الاتصال والمعلومات كما أسلفنا.
وكمثال على المؤلفات الحديثة التى كُرِّت لبحث العلاقة بين الاعلام والدبلوماسية ، نود الاشارة الى كتاب نشره الكاتب العراقى عامر ضياء فى عام 2006م باللغة الانجليزية تحت عنوان :
The Information Age and Diplomacy: An Emerging Strategic Vision in Word Affairs
وقد تطرق هذا المؤلف فى كتابه هذا بصفة أساسية ، إلى تطور المهنة الدبلوماسية الذى اقتضته عملية التطور فى مجال تقنية الاتصالات والمعلومات ، فضلاً عن تطرقه الى جملة من أنماط السلوك والمهارات والمعارف والقدرات ، التى بات ينبغي على الدبلوماسي المحترف الإلمام بها من أن أجل يظلَّ مواكباً وفعالاً.
فى الإعلام والدبلوماسية تعريفاً ومفهوماً
أما الإعلام ، فإنه عبارة عن ذلك النشاط البشري الواعي والقصدي ، الذى يستهدف فى الأساس نشر الاخبار ، ونقل المعلومات ، وإذاعتها على نطاق واسع ، بالاضافة إلى إشاعة الترفيه والتسلية والتعليم والتثقيف والتوعية والترويج والإعلان وذلك على سبيل التوسع ، فضلاً عن نقل وتمرير العديد من الرسائل ذات المحتويات والمضامين المختلفة إلى جمهور بعينه يقل أو يكثر ، وإلى حيّز جغرافى بعينه يصغر أو يكبر.
ويستخدم الاعلام من أجل توصيل رسالته بطبيعة الحال ، جملة من الآليات التي تتمثل فى شكل وسائل أو تقنيات أو منظمات أو مؤسسات طوعية أو حكومية ، رسمية أو غير رسمية ، عامة أو خاصة.
وقد شهد مجال الاعلام عموماً ، طفرة مذهلة بفضل التقدم الهائل الذى حدث فى مجال تقنية المعلومات والاتصالات خلال العقود الاخيرة ، حتى غدا العالم بالفعل اشبه بالقرية الصغيرة ، التى يعرف بعض أجزائها الكثير مما يجرى للبعض الآخر ، ويتأثر وينفعل بما يدور فيه.
ويذكر كاتب هذه السطور من تجربته الشخصية مما له علاقة بتباين الأثر الكبير لتقنية نقل الأحداث والمعلومات عبر وسائل الاعلام ، أنه عندما وقع الهجوم الصاروخى الأمريكي الشهير على مصنع الشفاء بالخرطوم فى عام 1998م ، وكان وقتها بباريس يعمل مستشاراً بالسفارة السودانية هناك ، يذكر أنه شاهد هو وأسرته الصغيرة من خلال شاشة التلفزيون عبر قناة CNN الامريكية المعروفة ، ذات المصنع وقد تحول إلى كومة من الرماد ، تنبعث من من بين أنقاضها أعمدة الدخان وألسنة النيران ، ولما اتصلوا باسرة زوجته بام درمان الواقعة على مرمى حجر من الخرطوم بحرى حيث كان المصنع قائماً ، الفوهم – للمفارقة المدهشة – غير مدركين لما حدث تماماً ، وهذا لعمرى من مفارقات عصر ثورة الاتصال والمعلومات بلا ريب.
وغنيٌّ عن القول أن قناة CNN ما كانت لتقف وتتحمّس لتغطية أى حدث آخر يتعلق بمصنع الشفاء الذى قيل ان انتاجه كان يغطى أكثر من 50% من احتياجات السودان من الادوية البشرية والبيطرية حينئذٍ ، وإن كان هذا الحدث افتتاح ذلك المصنع على سبيل المثال ، ولو أنها دُعيت اليه رسمياً. وذلك ببساطة لإن افتتاح مصنع أدوية بدولة ما – وخصوصا في وضع السودان بالنسة لأمريكا – ليس خبراً يستحق التغطية من وجهة نظر وسائل الاعلام الغربية ، ولكن تدميره هو ذاته في المقابل ، يعتبر خبراً يستحق الصدارة ، لأنه ينطوي على رسالة مضمونها الأساسي فى نهاية المطاف ، إظهار قوة أمريكا وسطوتها ، وحولها وذراعها الطويلة ، وقدرتها على ردع وتخويف من تعتبر أنهم أعداؤها ، وآخرين من دونهم حيثما كانوا.
ذلك ، والمصالح الوطنية والسياسية والاقتصادية فى المقام الأول ، ثم المواقف الايدلوجية المسبقة بدرجة أقل ، هي التي تتحكم بكل تأكيد فى طريقة تناول إعلام بلد ما أو كيان حضارى ما لهذا الحدث أو ذاك . فلا مشاحة من ملاحظة أن تغطية قناة الجزيرة على سبيل المثال لمآسى الغزو الأمريكي لافغانستان والعراق ، وتقاريرها المصورة عن وقائع الاجتياح الاسرائلى لقطاع غزة ، وما أبرزته لمشاهديها فى شتى أنحاء العالم من مناظر فظيعة تقشعر لها الأبدان ، تختلف اختلافا كبير عن تغطية قنوات التلفزة الامريكية مثل الـ CNN والـ ABC لذات المشاهد ، والسبب فى ذلك هو بكل تأكيد ، أنَّ السياق السياسي والايديولوجي والحضاري العام الذي تصدر عنه وسائل الاعلام الامريكية ، لم يشأ أن يضع المشاهد الغربى والأمريكي على وجه الخصوص ، فى صورة الأحداث الحقيقية كما وقعت ، وذلك خشية تاثيرها على مواقفه من سياسة الولايات المتحدة وحلفائها فى العالم. وهذا الميل إلى التطفيف والانتقائية من قبل وسائل الاعلام الغربية عموما ، فى التعاطي مع مختلف الأحداث والتطورات التى تشهدها بلدان العالم الثالث ، قد كان بكل تأكيد ، أحد أهم الدوافع التي حدت بمنظمة اليونسكو ، وهي أهم منابر الدبلوماسية الدولية متعددة الأطراف ذات الصلة بمجال الاعلام ، الى أن دعت فى عهد مديرها العام الاسبق السنغالي الجنسية أحمد مختار امبو ، الى قيام ” نظام إعلامي عالمي جديد ” ، من أجل تأمين وضمان التوازن فى تدفق الأخبار والمعلومات بين مختلف أجزاء العالم ، عوضاً عن الوضع المختل الذي كان ومايزال سائدا ، والذي يجعل الدول المتقدمة فى موضع التاثير والفعل والإرسال ، ودول العالم الثالث فى حالة التاثر والانفعال والاستقبال لاغير.
والمعروف للجميع هو أنَّ السيد امبو قد دفع ثمن موقفه ذاك ، بأن قاطعت الولايات المتحدة وبريطانيا اليونسكو ، وحجبتا عنها مساهمتهما المادية المعتبرة فى ميزانية هذه المنظمة ، مما أضعف موقف هذا الأخير واضطره الى مغادرة كرسيه فيها ، ولم يعودا اليها إلا بعد مجئ خلفه الإسباني: فدريكو مايور إلى رئاستها.
أما الدبلوماسية ، فهي فن ممارسة وتطبيق السياسة الخارجية لبلد ما ، سعياً وراء تحقيق هدف نهائي ، هو المحافظة على المصالح الوطنية لذلك البلد ، ورعايتها وتطويرها وتعزيزها ، وذلك من خلال إقامة علاقات طيبة مع البلدان الأخرى عبر الوسائل السلمية. أو هي كما عرفها جيمس ملدون من خلال هذا التعريف الجامع المانع:
” Diplomacy is the method by which nation-states through authorized agents, maintain mutual relations, communicate with each other and carry out political, economic, and legal transactions ”
وتقتضي مهنة الدبلوماسية لدى الفرد الممارس لها ، جملةً من المزايا والقدرات والمواهب والصفات الشخصية السلوكية والثقافية والتواصلية ، التى لاغنى عنها لاي دبلوماسي يود ان يكون ناجحا فى مهنته. وتتلخص تلك المزايا والمواهب والقدرات في القدرة على التواصل ، والإعراب عن النفس بسهولة ويسر ، وبطريقة مفهومة ، فضلا عن القدرة على التحاور وسعة المعلومات ، والقدرة على أن يكون ممثلا كفؤاً لوطنه ، والحرص على انتهاز الفرص من اجل ترقية مصالح وطنه السياسية والاقتصادية والاستثمارية ، بالاضافة الى قدرته على الاستقراء وملاحظة الاحداث والتطورات داخل منطقة التمثيل ، وموافاة حكومة بلاده بالتقارير الواقعية والمفيدة بشأنها ، وأخيرا القدرة على التاثير الإيجابى على الآخرين ، وترك انطباع طيب عن شخصه لديهم.
على أنَّ هنالك ملاحظة قد تبدو بديهية فى نظر الكثيرين فى معرض المقارنة بين رجل الاعلام ورجل الدبلوماسية ، وخصوصا فيما يتعلق بالخصائص السلوكية والنفسية ، وبنوع المعرفة والتدريب والتربية والثقافة المهنية التى ينشأ عليها كل منها فيما يتعلق بعلاقة كل منهما بالخبر وبالمعلومة. فبينما يتلاحظ أنَّ الإعلامي بصفة عامة ، يكاد يطير فرحاً بالمعلومة ، ويسعى لنشرها وإذاعتها بكل السبل جريا وراء تحقيق ما يسمى بالسبق الصحفي او الاعلامي ، نجد أن الدبلوماسي عموما يكون ضنيناً بطبعه بالمعلومة ، ويحرص كل الحرص عليها ، وعلى التأكد من صحتها من مصادرها الموثوقة ، كما يحرص على إيصالها بالسرعة والتوقيت المناسبين ، إلى الشخص المعني بوزارة الخارجية ، الذي يجب أن يوصلها بدوره الى المسؤول الأعلى المختص ، أو السلطة المختصة داخل الدولة ، بغرض حسن توظيف تلك المعلومة فى إطار خدمة المصلحة الوطنية للدولة فى المقام الأول ، وليس لغرض التعالم أو التباهي ، أو لاي غرض آخر.
ولايغرنك مايصنع الناطقون الرسميون باسم وزارات الخارجية فى بعض بلدان العالم ، فإن بياناتهم وتصريحاتهم تكون فى الغالب متفقاً على مضمونها ولغتها سلفا ، وهي لاتعدو كونها مجرد الجزء الصغير الناتئ من جبل الجيلد ، أما سائر الجبل ، فهو ما يزال يُعالج فى تقديرنا بذات الطريقة التقليدية، فى مختلف الدول المتقدمة منها والنامية على حد سواء ، ولاتزال المراسلات والوثائق فى أضابير وزارات الخارجية فيها تتدرج فى مدارج السرية التى تبلغ حد الكتمان التام فى بعض الاحيان. ولله در أبي الطيب إذ يقول:
صحب الناسُ قبلنا ذا الزمانا
وعناهمْ من أمره أمرهِ ما عَنانا

Leave A Reply

Your email address will not be published.